رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطريق إلى النهضة

فى الأزمنة البعيدة، والحديثة على حد سواء، وفى المنطقة العربية بالتحديد تضافرت جهود المتشددين ذوى العقول المنغلقة فى وضع العراقيل أمام أصحاب العقول المستنيرة والنيل منهم بكل السبل مستغلين قصور الوعى لدى الجمهور العريض من العامة..

واللافت للنظر فى هذا السياق أن التاريخ يؤكد أن معظم من يتم «الاصطلاح» عليهم بأنهم علماء مسلمون كانوا يعيشون فى معارك طاحنة ضد المتشددين الذين كانت لديهم خصومة مع العلم والفلسفة والمنطق والرياضيات، واعتبارها نوعا من الزندقة والكفر الذى يجب استئصاله، والأمثلة كثيرة إذ يعد أبو بكر الرازى من أهم العلماء الذين يتفاخر بهم الإسلاميون اليوم ويصفونه بأبى علم الطب وحلقة الوصل بين الطب القديم والحديث وكان الرازى يعتبر أن العقل هو الطريق الوحيد لكى يصل الإنسان إلى الله، وبالتالى دخل فى سجالات فكرية وكلامية مع العديد من علماء عصره من المحسوبين على التيار المتشدد دون أن ينقص ذلك من مكانته العلمية والطبية تحديدا.

لقد كانت أفكار الرازى سببا جوهريا فى انتشار كراهيته بين أوساط المسلمين فى زمنه فاشتهر بأنه زنديق وكفره المتشددون بطبيعة الحال، ودفع ثمنا غاليا مقابل آرائه، وبقيت أعماله فى طى النسيان حتى عادت للظهور مرة أخرى بسبب إعجاب الغرب الشديد به واعتبار كتبه من أهم الركائز العلمية والفلسفية للتنوير الأوروبى، فأعجب به المسلمون وركز بعضهم على إنجازاته ودمجها فى إطار نهضة الحضارة الإسلامية انذاك، والحديث هنا عن آرائه ومواقفه الفلسفية، وليس عن شهرته الطبية والعلمية.

وبالنسبة لأى فيزيائى يعد الحسن ابن الهيثم رمزا مهما يعترف العالم كله بفضله إذ يعتبر مؤسس علم البصريات، وخاض فى كثير من العلوم والمجالات مثل الطب والهندسة والرياضيات، وله أكثر من 200 مؤلف ومقال ومخطوطة، وقد أتهم بالكفر الصريح والإلحاد بسبب آرائه إذ رأى مثل غيره من الفلاسفة أن العالم قديم أزلى، وينبغى تقديم المنطق على كل ما عداه، واتهم بالجنون فى آخر حياته، وأجبر على البقاء فى بيته بالقاهرة يؤلف ويكتب حتى مات، أما الكندى فهو واحد من العرب القلائل الذين نالوا مجدا واسعا فى فترة كان معظم العلماء والمشاهير من الفرس وبلاد ما وراء النهر، ألف الكندى مئات الكتب والرسائل التى تطرقت إلى الموضوعات التطبيقية والفلسفية، وكان يؤمن بأن النقل ليس مقدما على العقل، وأن العقل هو محور التصورات الإنسانية والمقياس الذى يجب أن يقاس به كل شىء حتى المقدس بما فى ذلك النص القرآنى الذى كان يتعامل معه الاصوليون عادة بظاهر الآيات، وكانت طريقته العقلانية فى تفسير كثير من الآيات والأحكام سببا محوريا فى كراهية المتشددين له، وكان يعتبر أن النص الدينى يخاطب «العقلانيين» بمعان باطنية عميقة، ويخاطب «النقلانيين» بمعان ظاهرية تتماشى مع فكرهم السطحى.

وأحاطته الحماية التى فرضها الخليفة المأمون عليه ثم الخليفة المعتصم بهالة سياسية أبعدت عنه خصومة من الراديكاليين، وتركت له المجال فى التأليف والتفكير والظهور كأحد أعلام المشاهير المسلمين إلى أن جاء حكم الخليفة المتوكل الذى مال إلى آراء الفقهاء المتشددين، فأمر بمصادرة مكتبته الكبيرة، ويعد ابن سينا معشوق النهضة الغربية الأوروبية باعتباره من أعظم العلماء الموسوعيين، إلا أن تميزه فى الطب تحديدا من خلال كتابه «القانون فى الطب» كان سبب شهرته الواسعة وحجر الأساس للنهضة الطبية والتشريحية فى أوروبا، إذ ظل مرجعا أساسيا فى تدريس وممارسة الطب لــ 500عام حتى مولد الطب الحديث، وعلى المستوى الدينى كان ابن سينا أكثر الشخصيات بغضا لدى المتشددين الذين اتهموه بالكفر فقيل عنه امام الملحدين الكافرين، وقد اشتبك فى جداله مع السلاطين والوزراء والمتشددين الذين دأبوا على تسميته الزنديق وإمام الملاحدة.

ان السجال الايديولوجى الذى أطاح بكثيرين من العلماء العرب والمسلمين نتيجة أفكارهم ومعتقداتهم الدينية والفكرية لم يتوقف عند علماء الفلسفة والطب وغيرهم بل شمل رجال الدين والعلماء المختصين بالعلوم الإسلامية لمجرد تبنيهم بعض المواقف السياسية أو الفلسفية، ويعتبر ابن رشد الجسر الأساسى بين الفلسفة اليونانية القديمة وفلسفات عصر النهضة الأوروبية، ودخل فى معارك صارمة مع المتشددين إذ ركز على أن المنطق يجب أن يكون كتفا إلى كتف مع الوحى السماوى، وأن الطريق إلى الله هو طريق العقل قبل أى شىء آخر، وبرع فى تأويل آيات القرآن تأويلا مختلفا تماما عما هو سائد، ومع مرور الوقت أصبح ابن رشد ضحية مؤامرات سياسية يحركها المتشددون، فأمر الخليفة باستبعاده من قرطبة، صحيح أن العلماء والفلاسفة فى أوروبا من أمثال أفلاطون وسقراط وجاليليو ومونتسكيو كانوا يعانون أيضا الاضطهاد من المتشددين وأصحاب العقول المنغلقة لكن تيار التنوير كان أقوى هناك، ولم يستطع هؤلاء أن يوقفوا مسيرة العقلانية بعكس الذى حدث فى المنطقة العربية.

إن الحاجة لإعادة قراءة خرائط تاريخنا الوسيط تساعدنا على تجاوز تبعات الماضى، وشق طريق جديد لإنجاز النهضة العربية التى طال انتظارها.

د. عماد إسماعيل

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق