رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تونس وأسئلة حكومة الشاهد الثانية

> تونس ــ كارم يحيى
الشاهد
ليس لهذا التعديل الوزارى مثيل في تاريخ الحكومة التونسية المسماة رسميا «حكومة الوحدة الوطنية» التي دخلت عامها الثاني بحلول 26 أغسطس الماضي ..

أي قبل نحو عشرة أيام فقط من اعلان التعديل مساء الأربعاء 6 سبتمبر الحالى . هذه المرة أقدم رئيس الحكومة يوسف الشاهد على تعديل هو الأكبر والأهم . فالتغييرات شملت نحو نصف أعضاء الحكومة والوزارات دفعة واحدة .21 منصبا بين 13 وزيرا و8 كتاب دولة ( بمثابة نائب وزير) مابين قادمين جدد الى مجلس الوزراء و تنقلات من وزارة الى أخرى .وهذا بالقطع تغيير واسع على حكومة بدأت نسختها الأولى بـ 26 وزيرا و 14 كاتب دولة ،وهاهي تبدأ نسختها الثانية بـ 28 وزيرا و 15 كاتب دولة .



سوابق تعديلات الشاهد الوزارية على تركيبة حكومته ـ وهي ثلاثة ـ تفيد بأنها ظلت محدودة جدا وتحمل طابعا شديد الحذرمع بطء في عملية الإحلال. في 4 نوفمبر 2016 أقال وزير الشئون الدينية عبد الجليل بن سالم بعد تصريح يفتح الباب لأزمة مع السعودية ، ولم يتم تعويضه بخلفه الحالي أحمد عضوم إلا في 25 فبراير 2017. لكن ذاك التعديل المحدود الذي شمل أيضا وزير الوظيفة العمومية عبيد البريكي المحسوب على اتحاد الشغل (اتحاد النقابات الأكبر والأعرق والأكثر تأثيرا في الحياة العامة والسياسة) تسبب في أزمة مع الإتحاد انتهت بالغاء هذه الوزارة .ولم يبق للإتحاد من عناصره إلا محمد الطرابلسي وزير الشئون الاجتماعية وقد احتفظ بوزارته في الحكومة الجديدة وإن كان اتحاد الشغل بالأصل ينفي مشاركته في الحكومة . وفي 30 أبريل أقال الشاهد وزيرة المالية لمياء الزريبي ووزير التعليم ناجي جلول، والأخير بعد مطلبات وضغوط من اتحاد الشغل أيضا. وظل المنصبان شاغرين والوزارتان تداران بالنيابة من وزيري الاستثمار والتعليم العالي .ومنذ 18 أغسطس الماضي أصبحت المناصب الوزارية الشاغرة ثلاثة بعد قبول استقالة وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي نفسه (الفاضل عبد الكافي) كي يطعن على حكم ابتدائي أدانه بعيدا عن شبهة تضارب المصالح.

ومنذ بداية الصيف وحديث التعديل الوزارى لايتوقف في تونس ترقبا لملء الفراغ على قمة وزارتين من الوزن الثقيل (المالية والتربية). إلا أن التطرق الى ما هو أبعد والمطالبة بتعديل واسع النطاق «عميق» كما دعا اليه حزب نداء تونس الساعي الى زيادة حصته أو «جذري» وفق اتحاد الشغل المنادي بالكفاءات لا المحاصصة الحزبية انتظر إعلان الشاهد في 22 اغسطس أن موعد التعديل الوزاري قد حان وانخراطه في مفاوضات مع الأحزاب والمنظمات الوطنية (ومنها اتحاد الشغل) الموقعة على وثيقة قرطاج الأساس التوافقي لحكومته .وبالطبع لايمكن تفسير هذا الانتقال من تعديلات محدودة حذرة الى تعديل بهذا الحجم بمجرد خضوع الشاهد الى ضغوط من « النداء «أو « الإتحاد « أو حتى لرغبات قيل أنها جاءت من قصر الرئاسة بقرطاج. فالأوضاع الاقتصادية الصعبة واقتراب وضع ميزانية العام الجديد مع ما قد تحمله من اجراءات تقشف قاسية يلح عليها صندوق النقد الدولي ناهيك عن حالة الضبابية السياسية التي تعيشها تونس بشأن امكانية اجراء الانتخابات البلدية في موعدها المقرر 17 ديسمبر المقبل دفعت الرئيس التونسي السبسي قبل ساعات من التعديل الوزاري الى وصف الوضع بأنه «صعب ودقيق « و التعديل بأنه « قد يكون فرصة الأمل الأخيرة «.في حين اختار الشاهد نفسه مع اعلان اسماء وزرائه الجدد أن يطلق على حكومته الثانية أنها بمثابة حكومة حرب لمواصلة المعارك ضد الإرهاب والفساد و من أجل التنمية وضد البطالة والتفاوت بين الجهات .

والثابت أن الإعلان عن تعديل وزاري بهذه الصيغة الموسعة هو أيضا بمثابة انحاز الى خيار حزب النداء وعلى غير ما أعلنه بيان المكتب التنفيذي لحزب النهضة حليفه الرئيسي في الحكومة والبرلمان من تمسكه بتعديل محدود يكتفي بملأ المناصب الشاغرة وأن ينتظر أي تعديل أوسع الى ما بعد الانتخابات البلدية.وتفيد قراءة تشكيلة حكومة الشاهد الثانية أن النداء عزز موقعه بوصفه صاحب النصيب الأكبر بين احزاب الائتلاف المكون لها ، وأصبح له 6 وزراء و 6 كتاب دولة علاوة على رئيس الحكومة،وذلك بعدما كان له عند تشكيل الحكومة الأولى 4 وزراء ومثلهم من كتاب دولة .كما احتفظت النهضة بنصيب 3 وزراء ومثلهم كتاب دولة مع انباء غير مؤكدة بعد عن زيادة بمنصب وزاري واحد (يشغله وزير بلا وزارة) .ولقد ترجم الحزب حرصه على التوافق والاستمرار في التحالف مع «النداء» رغم خسارته معركة حدود التغيير الوزاري بأن سارع باصدار بيان يدعم فيه هذا التعديل فور إعلانه .بل كان أول الأحزاب والمنظمات التي تعبر عن هذا التأييد . وبمحافظة أحزاب «آفاق تونس « و « الجمهوري « و « المسار الديموقراطي « على تمثيلها في حكومة الشاهد الأولى ( وهي على التوالي : وزارتان وكتابتا دولة للحزب الأول ووزير واحد لكلا الحزبين الآخرين ) يمكن القول بأن الحكومة الجديدة ابقت على مكونات سابقتها الحزبية ولم تأت بجديد. بل حافظت إلى حد كبير على الأحجام النسبية لهذه المكونات مع زيادة محسوبة في حصة النداء لتقترب من نصيب الثلث (13 من اجمالي 42) .ولعل في ذلك مايرضي قيادة حزب يستند الى انه الأول في الانتخابات التشريعية والفائز بالرئاسية عام 2014 وإن فقد بسبب الانشقاقات موقع الكتلة البرلمانية الأولى لحساب النهضة (69 للنهضة و57 للنداء من اجمالي 217 نائبا).وفي هذا السياق، يلفت النظر أن النداء دفع بـ«رضا شلغوم» ـ المقرب منه في روايات أو العضو به في روايات أخرى ـ لتولى مسئولية وزارة المالية لكن يبدو أن الحزب لم يرغب في ان يحمل بمفرده احتمالات الفشل في ملف الاقتصاد فأخذت «النهضة « بدورها مسئوليات في مفاصل العجلة الاقتصادية للبلاد (زياد العذاري وزيرا للاستثمار والتنمية والتعاون الدولي بعدما شغل وزارة الصناعة والتجارة وعماد الحمامي وزيرا للصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة بعدما شغل وزارة التشغيل والتكوين المهني).

ولعل من أبرز مفاجآت حكومة الشاهد الثانية هي الاطاحة بوزيري الدفاع فرحات الحرشاني و الداخلية الهادي المجدوب مع ما تحقق في عهدهما من نجاحات ملموسة في مكافحة الإرهاب . وفي اختيار عبد الكريم الزبيدي و لطفي براهم للمنصبين على التوالي ما يحمل الى الشارع والمراقبين في تونس المزيد من التساؤلات . فالأول شغل المنصب ذاته بعيد الثورة مباشرة وحتى عام 2013 بما في ذلك عهد حكومة الترويكا برئاسة النهضوي حمادي الجبالي . والثاني يأتي كوزير للداخلية من بين أبناء الوزارة للمرة الأولي بعد الثورة وكأنه بمثابة رد أعتبار للأمنيين، وإن كانت نجاحاته ملحوظة في مكافحة الإرهاب حيث جاء للوزارة مباشرة من موقع المسئول عن «الحرس الوطني». إلا أن عودة الزبيدي وزيرا للدفاع وكان وزيرا للصحةعام 2001 بوصفه طبيبا تماما كوزير التعليم الجديد حاتم بن سالم (آخر من تولي هذا المنصب في عهد بن على) جعل الحكومة الجديدة عرضة لانتقادات مبكرة .

عشية التعديل الوزاري الأهم والأكبر على حكومة الشاهد أكدت نتائج آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «سيجماى كونساي» مع جريدة «المغرب» (ويتمتع بمصداقية بعد نجاح توقعاته لانتخابات 2014) مفارقة قد تساعد على فك شفرة مايجرى . فرئيس الحكومة هو الأول شعبية بين شخصيات النخبة السياسية قاطبة في الحكم أو المعارضة كما أن مايزيد على 76 في المائة من التونسيين واثقون به و79 فى المائة راضون عن ادائه .لكن الثقة بحكومته تنخفض الى نحو 57 في المائة ويرى نحو 74 في المائة أن البلاد تسير في الطريق الخطأ. وعلى أي حال، فإنه من السابق لأوانه الحكم على قدرة التشكيلة الحكومية الجديدة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى المخاطر الأمنية التي مازالت قائمة، وهل ستقترب هذه الحكومة من شعبية رئيسها أم أنها ستتحول الى عبء ينقص الثقة به ؟. وهل أثقل حزب النداء وقصر قرطاج الرئاسي كاهل الشاهد بوزراء وتغييرات ربما تخصم من رصيده هو؟ . أم أن الشاهد نجح في المناورة بمواجهة الضغوط والمطالبات سواء من النهضة ( تعديل ملأ المناصب الشاغرة ليس إلا) أو من حزبه النداء (ويتردد بقوة انه فشل في الاطاحة بعدد من الوزراء) ليطل على التونسيين بحكومة يعتقد أنها أكثر قدرة من سابقتها ؟. وهل خلف التوافق و التحالف صراعا في الكواليس بين الحزبين الشريكين الرئيسيين في الحكومة «النداء» والنهضة « يتعلق بالتنافس على البلديات و سيناريوهات ما بعد انتخاباتها؟ . والى أي حد تستطيع حكومة الشاهد الثانية تجنب مواجهة محتملة مع اتحاد الشغل وموجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالحق في العمل والتنمية؟.

و ثمة من يرى بأن مايجرى في تونس ليس إلا ممارسة لقواعد اللعبة الديمقراطية بشأن تبادل الضغوط و ممارسة التفاوض والتنافس والإئتلاف معا في نظام سياسي يقوم على تعددية لم تعرفها البلاد من قبل وأن لكل أزمة حلولا ولا شىء يدعو للقلق.

وبين كل هذا وذاك ،الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق