رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لن اكون وحدى..
« إلى المرأة التى أقامت عُرسَها»

إبراهيم عبد المجيد

اتسعت غرفة النوم بشكل لا تصدقه .
« كل هؤلاء ينظرون اليّ سعداء ! »
- ما رأيكم ؟ هل أنا حقا جميلة ؟

ابتسمت وهى ترى ابتساماتهم .

- قولوا لى الحقيقة . أنا لم أتأخر, ولست حزينة . هكذا شاء الله .

ولا زالت الابتسامات تحيط بها . ثم رأتهم يتقدمون نحوها . انحنت فتاتان منهم ترفعان ذيل الفستان الأبيض . وقفت الفتاتان فرأتهما طفلتين جميلتين ترتديان فستانين أبيضين وفى صدر كل منهما وردة .

- لا تخافا على الفستان . الأرض نظيفة .

سمعت أصوات الدعاء حولها بالهناء والرفاء والبنين . سقطت رموشها الصناعية التى «ركبتها» حول عينيها . على مهل أعادتها إلى مكانها. نظرت إلى المرآة فى سعادة . من أين سيأتى العريس اليوم ؟ هل تتصل به . لن تتصل به . ستفاجئه بالفستان الرائع . هى التى اختارته . لم تشأ تريه له قبل ليلتهما . اختفت الأصوات من حولها . لم يعد أحد يبتسم . لم يعد أحد فى الغرفة . تعرف أنهم ينتظرونها على الرصيف عند باب المنزل . سيمشون معها فى الطريق . سيركبون سياراتهم يحيطون بسيارتها . الأفضل أن تمشى فى الشارع وهم يمشون حولها . ستطلب منهم ذلك . سيتركون سياراتهم ويطيعونها . سيرقصون فى الطريق . سترقص بينهم حتى تلتقى بعريسها . أضواء الشوارع ستكون الليلة مبهرة . سيقف الناس على الأرصفة يشاهدون الزفة الملكية لها هى الملكة رغم أنف الزمن .

خرجت من الغرفة على مهل . لا أحد فى الشقة معها. لكن لا أحد فى المنزل يقف أمام الباب فى انتظارها أو على السلم وهى تنزل الآن تمسك بذيل الفستان الأبيض ترفعه حتى لا تدوس عليه . على مهل نزلت السلم . على مهل خرجت إلى الشارع . وقفت على الرصيف تنظر حولها . لا أحد . هل تأخرت حتى انتصف الليل ولا تدرى ؟ ثم هذا البرد هل ستتحمله فى طريقها ؟ سيكون عابرا . سيحتويها عريسها فيحضنها. سيدفئها . ضحكت . ستدفئه ! ليست عجفاء . هل مرت حقا سبعون سنة من عمرها . هؤلاء الكذابون يقولون ذلك . كل عام يحتفلون بميلاد سنة جديدة ويصدقون أن السنين تمضى . هى الوحيدة التى تعرف الحقيقة . توقف عمرها عند العشرين وكل ما مرَّ كان كلاما تسمعه وليس حقيقة تراها . لن تحزن أبدا من غياب الناس . لابد أنهم ينتظرونها فى قاعة الزفاف . هاهو «تاكسي» يتوقف جوارها يطل منه السائق . إنه عجوز جدا فلماذا يقف هو ؟ لا بأس . ركبت فى المقعد الخلفي.

- إلى أين يا سيدتى ؟

اندهشت . هل لايرى فستان الفرح الرائع ؟

- كما ترى . إلى قاعة الزفاف فى آخر المدينة . ألا ترى فستانى ؟

- أراه طبعا . لكن لماذا تذهبين وحدك ؟

ابتسمت . ضحكت ضحكة صغيرة مكتومة .

- بعد قليل لن أكون وحدى .

سكت السائق وأخذ طريقه .

- اليس عندك راديو فى الـ «تاكسي» ؟

- لقد تعطل وإن شاء الله سأقوم بإصلاحه .

- ليس مهما . المهم أنى أسمع الغناء يأتى من الفضاء. ألا تسمعه ؟

ابتسم السائق العجوز ولم يرد . توقف فى إشارة مرور. فجأة امتلأ الشارع بالمارة يعبرون . لم يظهروا من قبل .

- كل هؤلاء سيأتون إلى حفل زفافى. ألا ترى ملابسهم الجميلة ؟

اندهش السائق . ما الذى يحدث معه اليوم . لكنه قال :

- أصدقك . الناس تبحث عن شىء يفرحها .

- إذن امشِ على مهل حتى لا نسبقهم . ألا تراهم يتوقفون يتطلعون الىَ ؟

الإشارة صارت خضراء واستمر فى طريقه . لقد صار الناس خلفها . قالت لنفسها « لكنهم لابد سيذهبون إلى قاعة الحفل من طريق آخر ».

لم تنشغل بخلو الطريق بعد ذلك . فكرت فقط فى خطئها فى اختيار قاعة زفاف بعيدة عن المدينة . لقد صار الظلام حولها فقط هو الذى يملأ المشهد . هزت كتفها فى لا مبالاة . وهل كان يمكن أن تختار قاعة فى وسط المدينة فيصل أهلها قبلها ؟ لكنها رأت على البعد ثلاثة من رجال الشرطة بينهم ضابط شاب وأخوها الأصغر منها وأختها الأصغر من أخيها وزوج أختها وقاعة الزفاف مغلقة ليس من نور أمامها إلا نورا أعلى بابها ينبعث من مصابيح ملونة .

- لا تخف . قف أمامهم وسيعرفون أنهم مخطئون .

قالت ذلك للسائق العجوز الذى ارتبك بحق . قال :

- هل تعرفينهم ؟

قالت :

- إنهم أهلى . لقد وصلوا قبل الـ «معازيم» ولابد أن العريس قادم الآن ؟

راح السائق يهز رأسه فى أسف . أى عريس تتحدث عنه هذه المسكينة ؟ هو العجوز يراها أكبر منه سنا .

لكنها بادرته قائلة :

- لا تقل عنى مجنونة . أنا أعرف ماذا أفعل ؟

سكت . وتوقف بعد لحظات أمام رجال الـ «بوليس» ومن يقف معهم . قال :

- تفضلى بالنزول .لا أريد منك نقودا اعتبريها «نقطة» منى لك فى زواجك .

ثم ضحك واستدار بالـ «تاكسي» مبتعدا فى سرعة عن المكان يقول لنفسه « الدنيا جرى فيه إيه ياربى ؟»

ووقفت هى تلملم ذيل فستانها فى يديها من الناحيتين وتقدم نحوها الجميع . قال أخوها للضابط :

كما قلت لك . أختى فقدت عقلها . حجزت قاعة الأفراح وتخيلت عُرسا لها وجاءت . لقد اتصلنا بصاحب القاعة قبل أن نتصل بكم وأغلقنا القاعة حتى لا تكون فضيحة , فلا عريس ولا زواج .

وسالتها أختها :

- لماذا فعلتِ ذلك ؟ كل من أخبرتيهم بزفافك أخبرونا وقالوا لنا الحقوا أختكم صارت مجنونة .

وقال أخوها :

- كما ترى سيادة الضابط . ليس أمامنا إلا تحويلها لمستشفى الأمراض العقلية .

سألها الضابط :

- هل انتِ أختهم حقا ؟

هزت رأسها مبتسمة ؟

- وهل قمتِ بحجز قاعة الزفاف فى هذا العمر ؟

- لا . هو العريس الذى فعل ذلك ؟

اندهش الضابط ثم ابتسم وقال :

- لكن القاعة مغلقة . أغلقها أهلك كما قالوا ولم يأتِ العريس ولم يحتج مثلا ؟

ثم أشار إلى الجنود الثلاثة قائلا فى لطف :

- خذوها الى الـ «بوكس» ولنذهب بها الى مستشفى الأمراض العقلية . – ثم خاطبها – رجاء لا تقاوميهم وإن شاء الله يتم شفاؤك هناك .

قال ذلك مبتسما ومندهشا يهز رأسه , لكن ما إن تقدم الجنود إليها حتى ارتفعت فى الفضاء قنابل تنفجر بالنور لا يرى أحد مصدرها وهى تقف تبتسم بينهم , وانفتح باب قاعة الزفاف خلفهم وخرجت منه مسرعة فرقة تحمل الدفوف والطبول من الشباب راحو يدقونها وارتفعت الأغانى منهم , وخرج من القاعة شاب جميل يرتدى «بدلة» عرس زرقاء أنيقة و«ببيون» أحمر حول عنقه يحيط به عدد من النساء والفتيات والشباب وتقدم نحوهم والضابط والجنود وأخوتها صاروا فى ذهول . ما إن وصل الشاب إليها حتى وضعت ذراعا خلف ذراعه وتقدم بها إلى باب القاعة تحيطهم الطبول والدفوف والغناء وفى السماء لا زالت ترتفع «قنابل الضوء الفوسفورية» , وتقدمت هى مع الشاب تنظر إليهم مبتسمة وفى شماتة وتخرج لهم لسانها . توقف الجنود والضابط وأخوها وأختها ومن معهم أمام القاعة التى يتقدم نحوها الجميع بين الطبول والغناء . قال أخوها :

- لا تصدق يا سيادة الضابط . هذه تمثيلية أتقنتها . أختى مجنونة .

لكن الضابط لم يهتم بما قال وأشار الى جنوده للحاق به منصرفا . وقف أخوها وأختها ومن معهم فى ذهول أمام باب القاعة التى دخلتها مع العريس الشاب ومن حولها من المهنئين حتى أغلق بابها عليهم وحط الظلام ولم تعد هناك أصوات لطبول ولا «أضواء تنفجر فى الفضاء» . كانت هى تضحك وتعرف أن صوت ضحكاتها يصل إليهم وهم فى حالة من الغيظ الشديد بينما راحت تنظر فى المرآة فى غرفتها وتخلع ثوب الفرح على مهل وتنزع رموشها الصناعية وتمسك بقطعة قماش مبللة بالماء تمسح مكياجها وتسمع صوت عريسها الشاب الممدد فوق السرير خلفها يقول: «أنتِ أجمل بدون ماكياج ياحبيبتي» ألقت بنفسها جواره لكن السرير صار أوسع من ذى قبل وأحست بالوسادة مبللة تحت وجهها فتساءلت «من بكى فى غرفتى فى غيابى !؟».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق