رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر الشاغرة
صلاح جاهين‏..‏ يشهد لنا‏!‏

أحمد عبدالمعطي حجازي

لماذا أكتب اليوم عن صلاح جاهين؟

أكتب عن صلاح جاهين لأني أكتب عن مصر الشاعرة. وفي اعتقادي أن شعر صلاح جاهين شهادة صدق علي شاعرية مصر, لأن صلاح انفرد فيه بلغة أفصحت عن هذه الشاعرية وكشفت عن خصوصيتها.

حين نقرأ قصائد مثل النجوم وباحب السلام وبكائية لناظم حكمت نتذكر بعض ما قرأناه لبعض الشعراء الفرنسيين, خاصة جاك بريفير الذي يجمعه بصلاح جاهين أكثر من سبب. فهو مثله شاعر,, كاتب أغان, وكاتب سيناريوهات.

أكتب هذه المقالة عن صلاح جاهين. والكتابة عن صلاح جاهين كتابة صعبة بالنسبة لي ومحيرة. لأن صلاح جاهين ليس واحدا بسيطا, وإنما هو كثير متعدد المواهب والصور. شاعر, ومؤلف أغان, ورسام, وكاتب سيناريو, وكاتب مسرحي, وصحفي, وممثل. ولأن العلاقة التي تربطني بصلاح جاهين ليست علاقة بسيطة. فأنا لست مجرد قارئ أو ناقد أتعامل مع النص الذي أقرأه بعيدا عن صاحبه وأحاول أن أكشف للقارئ عما أراه فيه, وإنما أنا قارئ وصديق وزميل لصلاح جاهين وواحد من أبناء جيله.

بدأنا طريقنا معا في سنوات متقاربة. هو أصدر ديوانه الأول كلمة سلام عام1955 وأصدرت ديواني الأول مدينة بلا قلب بعده بثلاث سنوات, وعملنا معا في الصحافة في دار واحدة هي دار روزاليوسف, وفي غرفة واحدة جمعتنا هو وصلاح عبد الصبور وأنا. ثم لم يكن العمل هو الجامع الوحيد وإنما كان اليوم كله مفتوحا للقاءات تتواصل بعد العمل في مقاهي القاهرة ومطاعمها وتختتم في كثير من الأحيان مع سيد مكاوي في بيت أسرته القديم في الناصرية أو في الشقة التي انتقل إليها في العمارات التي بنتها الدولة وأسكنت فيها أهل الناصرية تعويضا لهم عن بيوتهم التي هدمت.
في أمسياتنا مع سيد مكاوي كان صلاح يواصل عمله في الرسم وكان سيد مكاوي يواصل عمله في التلحين. وكنت واحدا من أصدقائهما الذين يكتفون بالصحبة ويستمتعون بما يسمعون ويشهدون, وهي متعة فائقة لم تكن تتاح إلا لنا. أن نكون أول من يسمع اللحن وأول من يقرأ النكتة. وفي أمسية من هذه الأمسيات لحن سيد مكاوي قصيدة من قصائدي وغناها ثم غناها بعده محرم فؤاد. ولو اني استجبت لصلاح جاهين عندما اقترح علي أن أكتب موشحا لأم كلثوم لضمنت لنفسي مكانا مع الشعراء الذين غنت لهم كوكب الشرق, وهي حكاية تروي. إذ كان صلاح جاهين في تلك السنوات الأخيرة من خمسينيات القرن الماضي والأولي من ستينياته قد احتل مكانه المرموق في الصف الأول من شعراء الأغنية المصرية وأصبح صديقا مقربا لكبار المطربين والملحنين وفي مقدمتهم أم كلثوم التي سألت عن شاعر من شعراء الفصحي يمكن أن ينظم لها موشحا فكرت في أن تقدمه لجمهورها فذكر لها اسمي. وما كاد يراني حتي أبلغني بما دار بينه وبين المطربة العظيمة. والغريب اني لم أتحمس لهذا العرض المغري الذي لم يكن يحلم به الكثيرون, لاني كنت اعتقد أن الشعر مثله مثل الحلم رسالة تصدر من الأعماق دون طلب من أحد حتي ممن تصدر عنه. ثم اننا في ذلك الوقت كنا نخوض معركة حامية مع الشعراء المحافظين وكنا نتهمهم بأنهم ينظمون الشعر بالطلب وليس بدافع ذاتي أو انفعال صادق.
والحديث يطول عن علاقتي بصلاح جاهين الشاعر والإنسان, لكني أكتفي بما ذكرته, لاني لا أكتب سيرته أو سيرتي, وإنما أكتب عن شعره. فإذا كانت هناك كلمة أخيرة أضيفها فهي أن علاقتنا تواصلت حتي بعد رحيلي إلي فرنسا في أواسط السبعينيات من القرن الماضي. فقد زارني في باريس كما زرته في أواسط السبعينيات من القرن الماضي. فقد زارني في باريس كما زرته في أول عودة لي إلي القاهرة, وكانت هي الخاتمة لاني عدت بعدها إلي فرنسا حيث بقيت عشر سنوات قبل عودتي النهائية للوطن, وخلالها رحل صلاح جاهين كما رحل صلاح عبد الصبور, وحسن فؤاد, وأمل دنقل.
................................
لماذا أكتب اليوم عن صلاح جاهين؟
أكتب عن صلاح جاهين لأني أكتب عن مصر الشاعرة. وفي اعتقادي أن شعر صلاح جاهين شهادة صدق علي شاعرية مصر, لأن صلاح انفرد فيه بلغة أفصحت عن هذه الشاعرية وكشفت عن خصوصيتها.
وصلاح جاهين ينظم أشعاره بالعامية المصرية. لكننا ننظر في عامية صلاح جاهين فلا نجدها عامية الحياة اليومية, ولا نجدها عامية الزجل, وإنما نجدها لغة أخري. نجدها لغة شعر ولغة شاعر بالذات.
صلاح جاهين لم ينظم أشعاره بلغة موجودة سلفا, وإنما اكتشف لغته وهو ينظم قصائده. وهو لم يقيد نفسه بالعامية التي تتردد علي الألسنة, وإنما أعفي نفسه من الالتزام بمصدر لغوي واحد وانطلق ينهل من كل المصادر المتاحة, من العامية والفصحي, ومن لغة الشعر ولغة الزجل, ومن لغة العصر ولغة التراث, ومن الشعر العربي والشعر الأجنبي. ويظل هذا دأبه طوال مسيرته فهو يتنقل بين هذه المصادر يتأثر ويقتبس وينفعل وينفخ في كل قصيدة روحها وشخصيتها ويضعها في لغة لا تتكرر.
نقرأ في ديوانه الأول هذه القصيدة الشاي باللبن فنجد لغة جديدة لم نقرأها من قبل:
أربع ايدين علي الفطار
أربع شفايف يشربوا الشاي باللبن
ويبوسوا بعض ويحضنوا نور النهار
بين صدرها وصدره وبين البسمتين
ويحضنوا الحب اللي جمعهم سوا
علي الفطار
ويحضنوا الشمس اللي بتهز الستار
وتخش من بين الخيوط وبعضها
مع الهوا
للأوده ترسم نفسها علي أرضها
علي البساط اللي اشتروه مع الجهاز
علي الغرام اللي اشتروه من غير ثمن
وعلي القزاز
ويشربوا الشاي باللبن
في فنجالين
علي الفطار أربع ايدين
ودبلتين
بيصحوا قلبي كل ليلة في المنام
وبيكتبوا لي بلون منور فذدقي
علي الهوا الاسود وع الجفن اللي نام
كلمة سلام
في هذه القصيدة لا يتحدث الشاعر عن شخصين يتناولان طعام الافطار, وإنما يتحدث عن أيد وشفاه وأحضان وفنجان شاي ودبلتين. عن عالم أصبح فيه العروسان كائنا واحدا اجتمعت فيه أعضاؤهما بفعل الحب, لا في الفراش وحده بل كذلك علي مائدة ـ الافطار التي أصبحت هي الأخري مسرحا تتحاور فيه الأيدي والشفاه, والشمس والستار, والليل والنهار, والزجاج والسجاد, والشاي واللبن.
العالم كله اجتمع شتاته واتحدت عناصره وأحب بعضه بعضا وأصبح كلمة واحدة كما بدأ. كلمة سلام!
مفردات دارجة عارية من الصفات تكتفي بالتسمية. ووزن بسيط من بحر الرجز الذي فرض نفسه علي الشعراء المجددين, خاصة في قصائدهم الأولي التي اجتمع فيها الشعر والنثر والعامية والفصحي. وقواف قليلة أصواتها خافتة تطفو علي هذا الاستغراق الهادئ العميق الذي يغني فيه الابتسام عن الكلام.
هذه اللغة بينها وبين العامية التي نعرفها مسافة. وبقدر هذه المسافة التي ابتعدت بها عن العامية اقتربت من الفصحي التي كانت في ذلك الوقت تقترب من العامية, كما نجد في القصائد الأولي لعبدالرحمن الشرقاوي, وصلاح عبدالصبور, وكاتب هذه السطور.
ومن هنا كان تعليق أمير فن الزجل بيرم التونسي حين سمع هذه القصيدة من صلاح جاهين
وكان صلاح قد وجد نفسه وجها لوجه أستاذة في مبني الإذاعة القديم في الشريفين فقرأ عليه قصيدته هذه وانتظر انطباعه الذي عبر عنه بيرم قائلا: دي زي الشعر الفرنساوي.
وقد أصاب بيرم التونسي الذي عاش في فرنسا وعرف الشعر الفرنسي. فنحن نقرأ قصيدة صلاح هذه وقصائد أخري له مثل النجوم وباحب السلام و بكائية لناظم حكمت فتذكر بعض ما قرأناه لبعض الشعراء الفرنسيين, خاصة جاك بريفير الذي يجمعه بصلاح جاهين أكثر من سبب. فهو مثله شاعر,, كاتب أغان, وكاتب سيناريوهات. وقد غني له عدد من مشاهير المغنيين الفرنسيين وفي مقدمتهم إيف مونتان. وحين نقرأ قصيدة بريفير الفطور أو وجبة الصباح يدهشنا ما نجده من وجوه الشبه بينها وبين قصيدة صلاح:
صب القهوة, في الفنجان
صب الحليب, في فنجان القهوة
وضع السكر, في القهوة والحليب
وبالملعقة الصغيرة, ذوب السكر
وشرب القهوة والحليب
ثم وضع الفنجان, دون أن يكلمني
أشعل سيحارة, ونفث دوائر من دخان
ونفض الرماد, في المنفضة
دون أن يكلمني, دون أن ينظر إلي
نهض. وضع قبعته علي رأسه
ولبس معطف المطر, لأنها كانت تمطر
وخرج تحت المطر, دون كلمة
دون أن ينظر إلي
وأنا أخذت رأسي بين يدي
وبكيت!
القصيدتان متشابهتان, لكنهما مختلفتان. المشهد واحد. وعلي المائدة في كل منهما رجل وامرأة. لكنهما في قصيدة صلاح عاشقان تحولا إلي كائن انساني واحد يسبح في عالم من المحبة والتفاهم والتجاوب والسلام. أما في قصيدة بريفير فهما كائنان منفصلان انفصالا كاملا يسبح كل منهما في ملكوته أو منفاه لا يلتفت للآخر ولا يكاد يحس به حتي تنتهي القصيدة وقد تجسدت الوحشة في امرأة تبكي.
هذا الحوار الذي أداره صلاح جاهين بين شعره والشعر الأوروبي لا يقف عند هذه الصورة وانما يتجاوزها إلي صور أخري, منها تجربته في كتابة السوناتا بالعامية المصرية. اقرأوا معي هذه السوناتا الخامسة من ست سوناتات نظمها صلاح جاهين وأثبت فيها أن العامية تستطيع أن تستوعب كل الشروط الفنية المطلوبة في هذا الشكل الأوروبي العريق وتلتزم بها:
من يوم ما شافني طبيب ورا طبيب
وقالوا لي خد بالك ويلزمك
بقيت باخاف م الشعر خوف رهيب
زي الحليب والخمرة والسمك!
ياليل ياليل لأ لأ بلاش
ياعيون حبيبتي لأ ياواد تموت
اسكت سكوت وارقد علي الفراش
أحسن ما ترقد داخل التابوت!
يامصر! لأ يامصر! آه يامصر!
ياعيون حبيبتي العصر في الغيطان
أهواكي آه! عصرت نفسي عصر
في همسة المحبة والحنان!
وبقيت باخاف م الشعر بس آه
الشعر موت أحلي من الحياة!
هذا الشكل الشعري الأوروبي ظهر أول ما ظهر في إيطاليا في نهايات العصور الوسطي. وربما تأثر فيه الأوروبيون بالموشح العربي الذي ظهر في الأندلس وانتقل إلي صقلية. وهو ينظم من بحر أوروبي يسمونه الإيامب وهو قريب من بحر الرجز العربي. وقد التزم صلاح جاهين هذا البحر في سونيتاته, لكنه في التقفية لم يلتزم الطريقة الموروثه عن الايطاليين وإنما التزم طريقة شكسبير, كما التزم تقسيم السوناتا إلي جزئين: الأول ثمانية أبيات يعرض فيها ما يراه ويشعر به, والجزء الآخر ستة أبيات يقدم فيها الرد أو التعليق علي الجزء الأول.
فإذا انتقلنا إلي بقية دواوين صلاح جاهين فسوف نجد في كل ديوان لغة أو لهجة شعرية, خاصة, وسوف نجد اشكالا يتميز بها شعر العامية عن شعر الفصحي, فلكل غرض في شعر العامية وزن خاص, وذلك لارتباط شعر العامية بحياة المصريين اليومية وبأنشطتهم المختلفة وبتقاليدهم الموروثة. فالموال ينظم في البحر البسيط ويتبع في تقفيته طريقة معينة ويؤدي أداء حرا مرتجلا يعبر فيه كل مغن عن قدراته الصوتية والفنية علي نحو ما يفعل محمد عبدالوهاب في مواويله المشهورة. وقد التزم صلاح جاهين هذا الشكل في ديوانه موال عشان القنال, كما التزم في بكائياته الشروط المتبعة في البكائية الشعبية التي تنظم في بحر السريع ويراعي في كلماتها أن تستجيب لعواطف المعزيات وأن تكون حوارا بين الباكية المنشدة أو المعددة والباكيات المستمعات.
,كنت أحب أن أختم بوقفه عند رباعيات صلاح جاهين التي بلغ فيها فن صلاح ذروته وبلغ فيها صدقه ذروته. لكن الرباعيات تستحق مقالة وحدها!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق