رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى المستشفى

عبدالرازق السيد أبو زيد
طلبات الأسرة الملحة تسلب تفكيرى.. مرتبى من السكة الحديد لا يفى بها.. أنهض.. أتعثر فى خطواتى.. أتطلع من نافذتى إلى الفضاء الخارجى محاولا قتل لحظاتى السقيمة.. السماء ملبدة بالغيوم، والقلب تغزوه الهموم.. أفتح بيد ترتجف الرسالة:

(نصيبك من أرض البستان استولى عليه عمدة القرية عثمان. أحضر قبل فوات الأوان).

والدتك

ـ أتجه صوب دولاب ملابسى المتهالك.. أضع ما تبقى من المرتب فى جيبى.. قبل أن تتجاوز قدماى الباب. فجأة. انطلقت الصرخات من داخل حجرة زوجتى.. «ولولت» عصافير الأحزان بداخلى.. الصرخات تعلوا.. تعلو.. تروع أطفالى الصغار.. امتلأت شقتنا بالجيران والأخيار.. اختل توازنها.. هوت على الأرض.. دنوت منها، رحت أناديها.. غاب صوتها.. اصفر لونها.. زاغت عيناها.. صرخت الجارة عفاف:

ـ يا لهوى. اطلبوا الإسعاف.. زوجتك فى حالة وضع.. تعالى فى حضنى يا أختى أسرع يا «أسطى» الله يسترها معاك الست تعبت قوى.. لا. لا خليك راجل يا حسام.. احنا وصلنا مستشفى الزهراء خلاص، زوجتك طيبة وبنت حلال.. يا راجل أعقل وكفاية ضرب على صدرك زى الستات.

ـ استسلم للأقدار.. سالت دموعه كالأمطار.. سقطت على خديها.. أعادت إليها صوتها:

ـ سامحنى يا حسام. أنا مسمحاك.

ـ وأقبلت الممرضة تختال فى جمالها بوجه كالبدر، يشع فى ثغرها بستان من الزهور.. هتفت فى صوت ناعم وبعينيها ألف ابتسامة:

ـ أى أمر يا أستاذ؟

ـ أجبت وصوتها العذب يسكرنى:

ـ زوجتى في حالة وضع متعثر

ـ غابت كحمامة، ثم عادت كحمامة، وعلى شعرها الليلى عمامة نزلت نجماته تطوقنى. صحت مأخوذا:

ـ ربى امنحنى عمامة.

ـ خطفنى من عالم السحر والجمال صراخ زوجتى الذى أتى بالطبيب رافعا هامته فى كبرياء تماما مثل الطغاة الذين كنستهم شعوبهم بالمقشة.. صاح والعبوس يرتسم على وجهه:

ـ ما شأن هذه المرأة يا رجل؟

ـ قلت: شأنها أخبرتك به الممرضة.

ـ خط على ورقة صغيرة خطا عنكبوتيا وقال بالسلامة.

ـ دارت بى الدنيا.. غلى الدم فى عروقى.. احترقت كمدا.. منعته من الانصراف اتمتم بشفتي.. لم أفهم كلامه.. رمقنى بنظرات الاحتقار.. اشتعلت فى داخلى كل نيران الدنيا.. أطبقت بيدى على عنقه.. تجمهر الناس من حولى.. فشلوا فى فك أسرة منى.. تطور الموقف.. تحول إلى مظاهرة.. استدعى الواجب القومى والأنسانى (أحمد القاضى) ضابط مباحث شرطة الوايلى.. احتضن فى رقة وحنان الثائر (حسام).. ربت على كتفيه، همس فى صوت وقور:

ـ أتوسل إليك يا أخى أن تهدأ، وحقك أمانة فى عنقى.

ـ ابتلع أنفاسه.. جلس على أحد المقاعد يجفف عرقه.

ـ أخبر الطبيب الضابط أن هذه الزوجة تحتاج إلى عملية قيصرية، وتحتاج إلى دماء ولا توجد فى المستشفى دماء من فصيلتها.

ـ ووسط ذهول المحتشدين شمر الضابط عن ساعده.. طلب من المختصين تحليل فصيلة دمه.. أتت الرياح بما تشتهى السفن.. طابقت فصيلته فصيلتها.. أنجز الأطباء العملية وبسلام.. أثلج صراخ المولودة صدر الأب، وصدر الأم، وصدور الرفقاء.. تعطر الجو بزغاريد النساء.. أرتفع الدعاء من شفاه الأوفياء.. باركته السماء.

وراح حسام يبحث عن الضابط الهمام كى يبادله الوفاء بالوفاء.. لم يجده.. فر كحمامة بيضاء تحت أجنحة الغروب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق