رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أبى وأنا

أنا سيدة تجاوزت الثلاثين من عمرى ولدى طفلان من زيجة انتهت قبل عشرة أعوام‏،

ومحور مشكلتى هو أبى الذى تفتحت عيناى منذ صغرى على بخله الشديد وعواطفه الباردة تجاه زوجته وأبنائه، إذ لا يبالى بهم ولا يلقى بالا لآلامهم، ولا يسأل إلا عن نفسه, ولا يعرف سوى الأنانية, ويعشق الهمجية, وبالرغم من ثرائه، وعمله بإحدى الشركات الكبرى، فإنه ظل فى قمة البخل بل وأظهر أمام الجميع دائما أنه محتاج ومدين لمن يعرفهم ولمن لا يعرفهم لدرجة أنه كان يطفىء فرحتنا بكل شيء جديد يشتريه لنا بأنه استدان ثمنه, ولا أتذكر يوما واحدا حمد الله فيه، وقال: إننا مستورون وأفضل من غيرنا مثلما أجد كثيرين ممن حولى يرددون هذه العبارة الجميلة التى تدل على القناعة، ولم يشتر ملابس جديدة حتى فى الأعياد، واكتفى فقط بتحمل قيمة الدروس الخصوصية، أما احتياجاتنا فكانت تتحملها أمى من مالها الخاص، وقد صبرت وتحملت كثيرا من أجلنا، ولجأنا إليها فى كل كبيرة وصغيرة، فكانت تسمعنا باهتمام بالغ وترشدنا إلى الطريق الصحيح.. أما هو فقد تجاهلنا تماما،

ومرت الأيام ودخلت فى فترة المراهقة، وقال كل من يعرفوننى اننى أشبه والدتي، والحق أنها كانت جميلة، ويشهد الجميع بذلك, وبدأ العرسان يخطبون ودي، لكنى لم أعر أيا منهم أدنى اهتمام ليس غرورا منى ولكن لأننى أعلم جيدا موقف والدى الذى يدعى أنه لا يملك شيئا وبالتالى سوف يحمل الطرف الآخر كل شيء, وهو أمر لا يستقيم مع معظم الأسر. وقد ظهر بعد ذلك فى حياتى شاب حسبته طوق النجاة لى مما أعانيه, فعرض علىّ عقد القران لكى نجعل أبى أمام الأمر الواقع فوافقته, وذهبنا إلى المأذون, وعقدنا القران, دون علم أحد، ثم أخبرتهم بما فعلته، وقلت لهم اننى لم يكن أمامى حل سوى ما أقدمت عليه, فغضب أبى وصب لعناته علىّ وعلى أمي، وقال لها إنها السبب فيما حدث، فلقد دللتنى أكثر من اللازم, وكان على زوجى أن يتحمل كل تكاليف الزفاف بعد أن رفض المساهمة بأى شيء حتى ولو بثمن بعض الملابس الجديدة مع أنه فى العام نفسه خرج إلى المعاش، ونال مكافأة خدمة كبيرة.

ولم أعبأ كثيرا بموقفه، إذ تعودت على ذلك, وتصورت بانتقالى إلى بيت الزوجية أننى خرجت من سجنه إلى جنة زوجي، وللأسف اكتشفت بعد وقت قصير أنه مدمن وضعيف الشخصية, فحاولت أن أغير سلوكه وطباعه وأنجبت منه طفلين، وكثرت الخلافات بيننا فوجدتنى أطلب الطلاق خلاصا منه, فلم يمانع وطلقنى وعدت إلى أبى وأنا أحمل طفلين, فاستقبلنى بفتور, بينما حاولت أمى التخفيف عني, وهونت علينا جفاف الأيام, وتزوج إخوتى جميعا بمساعدتها وقد مرضت مرضا قصيرا ثم رحلت عن الحياة، وأحسست بأن الدنيا قد أظلمت فى وجهى وأننى لن أستطيع الحياة بعدها أبدا، وتصورت أن رحيلها سوف يغير معاملة أبى لنا، لكن هيهات لمثله أن يتغير أو أن يتزحزح عن موقفه.. نعم ياسيدى تصورت ذلك, فالآلام هى التى تعلم البشر، وتجعلهم يفيقون من غيهم, وقلت فى نفسى انه سوف يعيش ما بقى له من عمر مثل باقى الناس فيعطى ويزرع ليحصد الخير، لكنى كنت واهمة فيما ذهبت إليه, إذ لم يتخل عن أنانيته، ومع ذلك لعبت معه دور أمي, وتحملت مسئولية طفلى بمعاش والدتي، وبالنفقة التى أعانى الأمرين حتى أحصل عليها من أبيهما، وعرفت طريقى إلى عيادات الأمراض النفسية، وأصبحت أنزوى مع طفلي، وأغلق علينا باب الحجرة، وأجتر أحزانى دون أن أجد من يخفف متاعبي، ولم أجد وسيلة للتعامل مع أبى سوى الخصام والمقاطعة بالشهور, والمدهش أنه يكون سعيدا بهذه المقاطعة، وبمرور الوقت مللت حياتي، وعرضت صديقة لى فكرة كنت قد أسقطتها من حياتى تماما، حيث قالت لى إن حلى الوحيد هو أن أتزوج من رجل يقدرنى ويحتوينى وأعيش معه حياة مستقرة مثلما فعل أخواتى, فسألت الله أن يهدينى إلى من أجد فيه ضالتي, وظهر لى شخص لم يتزوج من قبل، وعرضت الفكرة على أخواتى, وتركت لهن مهمة مفاتحة أبى فى الموضوع، فتظاهر بالترحيب ما دمت أننى أرى ذلك فى مصلحتي, لكنه كان فى قرارة نفسه يرفض زواجى بإصرار لأننى الخادمة له، وهدأ الموضوع لفترة.

وفى أحد أيام الصفاء القليلة بيننا تحدثت معه فى أمرى وقلت له انه أهدى أخى شقة تزوج فيها, وأقام لأختى مشروعا صغيرا, وأعطى الأخرى مبلغا عند زواجها، أما أنا فلم يدفع لى شيئا, ولذلك فإن لى فى ذمته مبلغا، لكنه قال إنه لم يعد يملك شيئا, وأننى سوف آخذ حقى منه بعد رحيله, وعندما عاود العريس طلب يدى, سرد له قائمة طلبات تعجيزية، ثم رفض عقد قراننا بحجة أننى أتقاضى معاشا عن والدتي, وأن هذا المعاش سوف ينقطع بمجرد زواجى فمن أين لى بمصروفات طفلى؟.. وهكذا وأمام تعنت أبى انصرف أخوتى من حولى أيضا، ووجدتنى أسبح فى بحر من الظلمات ذى أمواج عاتية لا تبقى ولا تذر، ولم أجد أمامى بدا من أن أنسحب بعيدا عن الآخرين, وأن الزم حجرتى التى لا أغادرها على الإطلاق، وليت الآباء ذوى القلوب المتحجرة أن يتعلموا من تجربتى المؤلمة ولا يؤذوا بناتهم.. وأقول لهم: أفيقوا ولا تضيعوا الأمانات الموجودة بين أيديكم، وأخيرا أسألك وقراءك الدعاء لى بالستر وبأن يفرج الله كربتى، والسلام.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

الواضح أن أصل مشكلتك ياسيدتى هو التفكك الأسرى الذى نشأت فيه بين أب أنانى لا يتحدث إلا بلغة المال، وأم مغلوبة على أمرها تنفذ التعليمات الصادرة إليها بلا مراجعة، ومن الطبيعى أن من ينشأ فى مثل هذا الجو الخانق يعيش حياة غير مستقرة، ويصبح استقراره مرهونا بالآخرين, إذ لا يستطيع أن يتخذ قرارا, وحتى إن اتخذه فإنه غالبا ما يكون قرارا غير صحيح، وهذا هو ما حدث معك حين تمردت على واقعك, وعقدت قرانك على فتاك دون أخذ رأى الأسرة. ووضعتهم أمام الأمر الواقع، وهو قرار خطير ما كان يمكن أن تتخذيه لو أنك تعيشين وسط أسرة سوية مثل الأسر العادية التى يجمعها رباط واحد, ومن تبنى حياتها على هذا الأساس الخاطيء تحصد الندم, وتفقد القدرة على اتخاذ القرار السليم.

وإننى ألوم أباك على نظرته المسعورة إلى المال، ورؤيته له على أنه هو كل شيء فى الحياة، وكان الأولى به أن يتبع منهجا وسطا امتثالا لقوله تعالي: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا» (الإسراء 29)، وانصحه بأن يعدل بين أبنائه وألا يبخسك حقك حتى يرضى الله عنه.

وأرجو أن يفيق مما هو فيه, فيهبك مقدارا مماثلا لما وهبه لإخوتك, وإننى أذكره بعاقبة عدم المساواة بين الأبناء, فالله عز وجل يمهل ولا يهمل, وأسأله سبحانه وتعالى أن يهديه إلى طريق الرشاد, وأن تخرجى من قوقعتك، وتباشرى حياتك مع أبيك وإخوتك, وأن يوفقك إلى الارتباط بمن هو جدير بك ويحتاج إلى شخصك وليس إلى أموال أبيك.. والله المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 3
    شريف شفيق
    2017/08/18 11:09
    0-
    0+

    ربنا يعينك على المصيبة اللى انت عايشة فيها
    من اين يجئ هؤلاء الناس الذين يعطيهم الله ولا يشكرون ولا يساعدون اقرب الناس لهم ؟؟
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 2
    ^^HR
    2017/08/18 09:12
    0-
    0+

    اتفق تماما مع رأى أ.البرى المحترم
    اؤكد فقط على ان الزواج دون مباركة وإذن وعلم الاسرة اضعف موقف صاحبة المشكلة امام اسرتها ومطلقها حتى وإن لم يقولوا ذلك صراحة فهى مختزنة فى نفوسهم
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    ^^HR
    2017/08/18 09:11
    0-
    0+

    فضلا : رأى فى المشكلة الأولى"حجـر الصـبر!"
    أدعو ربى مخلصا أن يجمع هذه السيدة بإبنها وبنتها سواء فى مصر او العراق ،،،ففى ظل هذه الظروف شديدة القسوة والمرارة لا اجد ملاذا لهذه السيدة المسكينة سوى ابنها وابنتها العراقيين"وقد يجمع الله الشتيتين بعدما *** يظنان كل الظن أن لا تلاقيا"
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق