رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه: احمد البرى
الخطوة الأخيرة!

حان الوقت لكى نبعث إليك برسالتنا هذه تعليقا على رسالة «أحزان الشيطان»

التى أرسلها إليك والدنا منذ أسابيع، فنحن أبناء كاتب تلك الرسالة، وقررنا مجتمعين أن نعرض عليك موقفنا وحكايتنا فى الحياة، إذ ولدنا لأب يعمل مديرا فى هيئة حكومية، وأم حاصلة على مؤهل عال، ولم ننعم بالأمن والاستقرار مثل كل الأطفال، إذ تبدل حب أبينا لنا إلى معاملة قاسية بالضرب والإهانات، وتلفتنا حولنا فوجدنا أننا دون غيرنا نتعذب فى اليوم مائة مرة، وكثيرا ما تساءلنا فيما بيننا: هل هناك آباء بهذه الغلظة؟، ولماذا ننفرد بأب قاس لا يعرف إلى الرحمة سبيلا فى الوقت الذى ينعم فيه زملاؤنا وأصدقاؤنا بدفء آبائهم؟.. وتتزاحم الأسئلة فى رؤوسنا ونتحسر على أملنا المفقود فى أن نعيش أسرة واحدة قائمة على المودة والحب والرحمة، إذ لم نلمس من أبينا سوى الكره!.

أما السبب الرئيسى فى تحوله ضدنا فهو أنه استجاب لإملاءات أهله بإهانتنا وسبنا، وإذا زرناهم لا نسلم من أذاهم، وربما ترى أن كلامنا عنه غير منطقى، لكنه الحقيقة كما عشناها بسبب رغبتهم فى الاستحواذ عليه، فكرهنا مجرد رؤية أى واحد منهم، وإذا ضيقنا الخناق عليه لكى يفصح عن سبب موقفه منا ومن أمنا، يجمع ملابسه ويذهب إليهم!.. وقد ينهال علينا ضربا وركلا، فتتدخل أمنا لكى تحول بينه وبيننا فيوسعها تنكيلا بكل ما أوتى من قوة إلى ان يغمى عليها، بينما يصيبنا الذعر والهلع خشية أن تكون قد فارقت الحياة، ويطول بكاؤنا وتتعالى صرخاتنا مع استمرارها فى حالة «اللاوعى»، فيهرع إلينا الجيران، ويحاولون إفاقتها، ولا يتركوها إلا بعد أن تستعيد وعيها، ويوجهون إليه كلاما لاذعا على صنيعه الذى يأباه العقل والدين، وكثيرا ما سمعت جيراننا كبار السن، وهم يقولون له: اتق الله فى زوجتك، فينظر إليهم باستهجان، وينصرف الجميع وهم يضربون كفا بكف، وزاد فى عناده معنا انه توقف عن الإنفاق علينا فى أبسط ضروريات الحياة من مأكل ومشرب وكساء ودواء وتعليم فى حين ينفق ببذخ على غيرنا، ويقضى معظم وقته بعيدا عنا.

وذات مرة وسطنا بعض الفضلاء لكى يعود إلينا فننشأ فى كنفه ورعايته، فإذا به يضع شروطا مجحفة بأن نترك دراستنا ونخرج إلى العمل لمساعدته فى نفقات الأسرة برغم انه يتقاضى راتبا كبيرا، وتعجّبنا أن يصنع أب بأولاده هذا الصنيع، فهو مقتدر ماديا، ونحن جميعا ندرس فى تعليم حكومى وليس خاصا مثلما يدرس أبناء زملائه، لكن هيهات له أن يفهم ذلك، وبالطبع رفضنا إملاءاته غير المعقولة، فآثر أن يظل بعيدا عنا، وتخلى عن مسئوليتنا وكأننا لسنا أبناءه، حتى فى أحلك الظروف ومنها أن أحدنا أصيب فى حادث مرور فحمله الجيران إلى المستشفى ودفعوا تكاليف علاجه، وقدموا لنا مساهمة مالية لتسديدها عندما تتيسر أمورنا، وأبلغه أحد الجيران بما تعرض له شقيقنا، وقال له إن إبنه يرقد فى المستشفى بين الحياة والموت، فتلقى الخبر غير مكترث بما أصابه ولم يزره إلا بعد ثلاثة أيام، وبدا كأنه شخص غريب يؤدى واجب الزيارة لمريض يعرفه، ثم انصرف إلى عالمه وملذاته، فهو كثير العلاقات النسائية ويصرف ببذخ على شهواته، فى حين يتجرد من الرحمة، ويتحجر قلبه إذا تعلق الأمر بأبنائه!

ولم نجد مفرا من أن نعمل فى الإجازة الصيفية ولا ننعم بالراحة ولا بالسعادة مثل كل أقراننا، وبلغ ظلم أبينا لنا مبلغه، وفاق تعنت اهله ضدنا كل الحدود، فلقد نجحوا فى أن يبعدوه عنا ويقربوه من طريق الحرام، ولو استطاعوا أن يمنعوا عنا الهواء الذى نتنفسه لفعلوا.. وكم تمنينا أن يكافئنا على نجاحنا وتفوقنا بأن يأخذنا للنزهة ولو لعدة ساعات نتخلص فيها من همومنا وأحزاننا لكنه لم يفعل، وعندما يحل العام الدراسى الجديد نسمع حكايات زملائنا عن المصايف والمتنزهات التى ارتادوها خلال الإجازة وفى قلوبنا غصة من غفلة أبينا عنا.

والحمد لله أننا برغم متاعبنا اجتهدنا فى دروسنا، وتقربنا إليه عز وجل وسألناه أن يفرج كروبنا، فكان العطاء يأتينا على أيدى الآخرين، ولا ننسى فضل الجيران والمعلمين الذين ساعدونا حتى التحقنا بكلياتنا وتفوقنا فيها وعملنا بوظائف لم نكن نحلم بها، ثم كانت الطامة الكبرى عندما اكتشفنا أن أبانا مدمن مخدرات، وأنه ينفق أموالا طائلة عليها وعلى النساء الساقطات.

ومرت الأيام وجاءنا من يخبرنا بأنه مدين بمبالغ كبيرة للآخرين، وأنه لا يجد من يسانده فى تسديدها، وأننا إذا بخلنا عليه بالمساعدة فسنكون أبناء جاحدين له، فهو السبب فى وجودنا، ونسى هو ومن أرسله أن مرتبه وحده يزيد على مرتباتنا مجتمعة، وأننا كشباب لنا متطلبات للمعيشة والزواج وتكوين أسر، واتفقنا على أن نترك له البيت الذى طالما هددنا بطردنا منه، واستأجرنا شقة فى مكان بعيد عنه، والتحقنا بأعمال أخرى غير التى كنا نعمل بها حتى نتجنب سماع ما يضايقنا من المحيطين بنا فى بيت الأسرة والذين يعرفون فضائحه التى ألحقت بنا الخزى والعار، وعندما قرأنا رسالته إليك التى اعترف فيها بما فعله بنا وسميت حكايته بـ «أحزان الشيطان»، عرفنا أنه أصيب بالسرطان، ولمسنا من سردك للأحداث الدامية التى مررنا بها على يديه أنه أحس بتأنيب الضمير وبأنه بعث برسالته إليك عندما شعر بدنو أجله، رغبة فى أن نعفو عنه، وبعد أن فرغنا من قراءتها راجعنا أنفسنا، وقلنا إن هذه الخطوة تأخرت سنوات طويلة، لكننا فى النهاية لن نتخلى عنه، وقررنا الرجوع إليه ابتغاء وجه الله برغم كل ما عانيناه منه من متاعب وآلام، وعندما دخلنا عليه انخرط فى بكاء مرير، وقال لنا بصوت متهدج إن الله اقتص منه، وإنه نادم على كل ما فعله بنا، وطلب منا أن نصفح عنه، فهدأنا من روعه، وقلنا له: عفا الله عما سلف، وتسابقنا إلى الأطباء والمستشفيات لعلاجه، وما هى إلا أيام معدودة حتى غاب عن الوعى وظل فى غيبوبة متقطعة لمدة تزيد على شهر، وكنا نفاجأ أحيانا بصراخه غير المبرر، ثم يهدأ ويدخل فى حالة لا وعى، ثم يفيق بعض الشىء إلى أن رحل عن الحياة، وبينما كنا سائرين فى جنازته، سمعنا أهله يتهامسون بصوت مسموع بأن أولاده وزوجته هم السبب فى موته، فتجاهلنا كلامهم، وفوضنا أمرنا إلى الله، نعم المولى ونعم النصير.

لقد هزنا ردك عليه واستوقفنا قولك له: «إن الأمل فى عفو الله وغفرانه لا ينقطع أبدا، ولكن بشرط أن يتراجع المرء عما ارتكبه من معاص وأخطاء، وإنى أرى فى اعترافك بأفعالك الشيطانية، وتجملك بالرجوع عنها إلى الأبد، ودعوتك زوجتك وأولادك للعودة إليك، مع تأكيدك التكفير عن ذنوبك وتوبتك النصوح.. أقول إننى أرى فى كل ذلك فرصة أخيرة للم شمل الأسرة، ولا شك أن اعترافك بكل الحقائق التى ذكرتها، وبأنك ظلمت أسرتك هو الخطوة الأولى على طريق ترك الأعمال الشيطانية، والعودة إلى طريق الحق والصواب، وأسأل الله أن يصلح مسار حياتك، وإنى أدعو زوجتك وأولادك إلى طى صفحة الماضى، وألا يتركوك فى محنتك، وأن تبدأوا معا صفحة جديدة ناصعة البياض، ولتكن فى قصتك عبرة لكل عاص ومذنب».. هذا الرد البليغ هو الذى حركنا إليه، والحمد لله أننا زرناه ووقفنا إلى جواره فى أيامه الأخيرة، وطمأناه على أننا بدأنا معه صفحة جديدة ثم كانت إرادة المولى عز وجل بأن يرحل عن الحياة ونحن إلى جواره، وليت كل الآباء العاقين أبناءهم يأخذون العبرة مما حدث لأبى، ونسأل الله أن يرحمه وأن يغفر له خطاياه.. إنه على كل شىء قدير.

> ولكاتب هذه الرسالة أقول :

يخطئ كثيرون من الآباء حين يظنون أن العقوق يقتصر على الأبناء، فالحقيقة أن عقوق الآباء أبناءهم أشد خطرا وأعظم ذنبا، ولا عيب على الأولاد إن وجد بينهم العاق والمتمرد والمنحرف والحاقد والمكتئب والمعاند، فالحقيقة أن هناك خللا فى أساسيات تربية أبنائنا لا يكاد بيت من بيوتنا يبرأ منه، ويغيب عن الكثيرين أن المتابعة والمراقبة والموادعة والرفق والمصاحبة والثقة والعطاء من المعانى الأساسية فى التربية، وفى ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.. الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع فى أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة مسئولة فى بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها» رواه البخارى.. وكان الرسول يقول لأصحابه: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم» فكيف يتسنى ذلك لمن يهجر بيته، ولا يلقى بالا لأبنائه؟.

إن التأسيس السليم للطفل لا يكون بالسعى لبناء جسم سليم فقط، بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم أيضا، فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بالسلامة إذ يقول تعالى «أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (التوبة 109)، كما يضمن التأسيس ترسيخ الأخلاق فى الأبناء، وفى ذلك يقول الإمام الغزالى رحمه الله: «ولن ترسخ الأخلاق الدينية فى النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة، ولم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها، ويكره الأفعال القبيحة ويتألم منها، والأخلاق الجميلة تكون باعتياد الأفعال الجميلة، وبمشاهدة أربابها ومصاحبتهم، وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح، إذ الطبع يسرق من الطبع، والشر والخير سواء فى ذلك، وكل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة، وبالاعتياد والتربية تتهذب أخلاقه، وكلما ظهر من الصبى خلق جميل وفعل محمود، ينبغى أن يُكرم ويُجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك مرة فينبغى أن يتغافل عنه، فإن عاد إليه يُعاتب سرا ولا يكثر عليه العتاب فى كل حين، فإن ذلك يهوِّن عليه الملامة ويسقط وقع الكلام من قلبه، ويحسن أن تظل للأب عنده هيبة من أن يوبخه والأم تخوفه بالأب»، فأين كان أبوكم من هذه الأسس عندما رباكم صغارا؟، إنه لم يع شيئا منها، ودأب على ضربكم ضربا مبرحا وإهانتكم بألفاظ جارحة، فظل ذلك محفورا فى عقولكم وقلوبكم، وتناسى أن الجميع يخطئون ويصيبون، وحتى لو أخطأ الإبن فى شىء ما فإن السماع الكامل له وعدم مقاطعته هو المقدمة الصحيحة لرجوعه عن الخطأ مهما تكن درجة عناده، فأشد الناس جفافا فى الطبع وغلظة فى القول لا يملك إلا أن يلين، وأن يتأثر إزاء مستمع صبور عطوف، يلوذ بالصمت إذ أخذ محدثه الغضب، وللأسف لم يدرك والدكم ذلك، بل إنه لم يكتف بالضرب، فهجركم إلى أهله، ونسى حقكم الأصيل عليه فى احتوائكم، وتولى مسئوليتكم لا أن يتركها لأمكم، وإننى أقدر دورها الكبير معكم، وصبرها ودأبها على تنشئتكم تنشئة سليمة برغم العواصف والأنواء التى واجهتها بسبب ممارسات أبيكم سواء غرامياته النسائية او مصاحبة أقران السوء الذين جذبوه إلى عالم الضياع إلى أن كبرت سنه وأصابه المرض والعوز فانصرفوا عنه وتركوه بلا أنيس ولا سند، فلم يجد أمامه سواكم، وجاءت رسالته إلىّ حاملة ندمه الشديد على تفريطه فيكم وسلوكه المشين، ورجاءه بأن تعفوا وتصفحوا عنه، فاستجبتم لالتماسه ولبّيتم ندائى إليكم، لتكون آخر خطواتكم معه فى الحياة وقوفكم إلى جواره فى أيامه الأخيرة، فكانت توبته إلى الله وعفوكم عنه، هما مسك الختام له، وأظنه أحسن العودة إلى المولى عز وجل، فالتوبة سبب للفلاح ومحبة الله وتبديل السيئات حسنات، ومحو الذنوب، ودعاء الملائكة حيث يقول تعالى «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ» (غافر 7)، فالله يفرح بتوبة عبده حتى لو كرر التوبة والوقوع فى الذنب، وقيل للحسن رحمه الله « ألا يستحى أحدنا من ربه، يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود؟، كأن السائل يقول لا فائدة من توبة من ينتهج هذا النهج، فقال الحسن رحمه الله: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملوا من الاستغفار».

وقد حذر الله تعالى عباده من القنوط من رحمته مهما عظمت الذنوب فقال: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (الزمر53)، والتوبة فى المسيحية تعنى أن يحوّل الإنسان فكره، ويتجه إلى الأعمال الصالحة، ولا يمكن أن يحدث تغير فى الفكر والقلب من غير حدوث تغير فى الأفعال، وهكذا فإن أباكم لقى وجه ربه، وهو تائب عن ذنوبه، بعد أن تغير فكره وقلبه، واتجه إلى الطريق الصحيح، وليس أدل على ذلك من اعترافه بأخطائه فى رسالته التى كنتُ قاسيا فى ردى عليها، والتى اتخذت لها عنوان «أحزان الشيطان»، إذ أردت أن يعرف الجميع النهاية المحتومة لكل من يسلك مسالك السوء، وينقاد إلى ملذاته وأهوائه، وأرجو أن تكون فى قصتكم عبرة وعظة لكل الآباء والأبناء فيحرصون على التوازن النفسى للأسرة، وأن يكون الأب موجودا فى كل لحظة يحتاج أولاده إليه فيها قائدا لسفينة الأسرة، وعدم الاعتماد الكامل على الأمهات فى عملية التربية، وأسأل الله سبحانه وتعالى لكم التوفيق والسداد، ولأبيكم الرحمة والمغفرة، ولا تنسوا الدور الكبير لأمكم الصابرة التى مهما أثنيت على دورها معكم فلن أوفيها حقها، إذ يكفيها أنها عكفت على تربيتكم، وظلت حاملة اسم أبيكم برغم كل ما فعله، وسيكون ذلك فى ميزان حسناتها يوم القيامة بإذن الله.













حان الوقت لكى نبعث إليك برسالتنا هذه تعليقا على رسالة «أحزان الشيطان» التى أرسلها إليك والدنا منذ أسابيع، فنحن أبناء كاتب تلك الرسالة، وقررنا مجتمعين أن نعرض عليك موقفنا وحكايتنا فى الحياة، إذ ولدنا لأب يعمل مديرا فى هيئة حكومية، وأم حاصلة على مؤهل عال، ولم ننعم بالأمن والاستقرار مثل كل الأطفال، إذ تبدل حب أبينا لنا إلى معاملة قاسية بالضرب والإهانات، وتلفتنا حولنا فوجدنا أننا دون غيرنا نتعذب فى اليوم مائة مرة، وكثيرا ما تساءلنا فيما بيننا: هل هناك آباء بهذه الغلظة؟، ولماذا ننفرد بأب قاس لا يعرف إلى الرحمة سبيلا فى الوقت الذى ينعم فيه زملاؤنا وأصدقاؤنا بدفء آبائهم؟.. وتتزاحم الأسئلة فى رؤوسنا ونتحسر على أملنا المفقود فى أن نعيش أسرة واحدة قائمة على المودة والحب والرحمة، إذ لم نلمس من أبينا سوى الكره!.

أما السبب الرئيسى فى تحوله ضدنا فهو أنه استجاب لإملاءات أهله بإهانتنا وسبنا، وإذا زرناهم لا نسلم من أذاهم، وربما ترى أن كلامنا عنه غير منطقى، لكنه الحقيقة كما عشناها بسبب رغبتهم فى الاستحواذ عليه، فكرهنا مجرد رؤية أى واحد منهم، وإذا ضيقنا الخناق عليه لكى يفصح عن سبب موقفه منا ومن أمنا، يجمع ملابسه ويذهب إليهم!.. وقد ينهال علينا ضربا وركلا، فتتدخل أمنا لكى تحول بينه وبيننا فيوسعها تنكيلا بكل ما أوتى من قوة إلى ان يغمى عليها، بينما يصيبنا الذعر والهلع خشية أن تكون قد فارقت الحياة، ويطول بكاؤنا وتتعالى صرخاتنا مع استمرارها فى حالة «اللاوعى»، فيهرع إلينا الجيران، ويحاولون إفاقتها، ولا يتركوها إلا بعد أن تستعيد وعيها، ويوجهون إليه كلاما لاذعا على صنيعه الذى يأباه العقل والدين، وكثيرا ما سمعت جيراننا كبار السن، وهم يقولون له: اتق الله فى زوجتك، فينظر إليهم باستهجان، وينصرف الجميع وهم يضربون كفا بكف، وزاد فى عناده معنا انه توقف عن الإنفاق علينا فى أبسط ضروريات الحياة من مأكل ومشرب وكساء ودواء وتعليم فى حين ينفق ببذخ على غيرنا، ويقضى معظم وقته بعيدا عنا.

وذات مرة وسطنا بعض الفضلاء لكى يعود إلينا فننشأ فى كنفه ورعايته، فإذا به يضع شروطا مجحفة بأن نترك دراستنا ونخرج إلى العمل لمساعدته فى نفقات الأسرة برغم انه يتقاضى راتبا كبيرا، وتعجّبنا أن يصنع أب بأولاده هذا الصنيع، فهو مقتدر ماديا، ونحن جميعا ندرس فى تعليم حكومى وليس خاصا مثلما يدرس أبناء زملائه، لكن هيهات له أن يفهم ذلك، وبالطبع رفضنا إملاءاته غير المعقولة، فآثر أن يظل بعيدا عنا، وتخلى عن مسئوليتنا وكأننا لسنا أبناءه، حتى فى أحلك الظروف ومنها أن أحدنا أصيب فى حادث مرور فحمله الجيران إلى المستشفى ودفعوا تكاليف علاجه، وقدموا لنا مساهمة مالية لتسديدها عندما تتيسر أمورنا، وأبلغه أحد الجيران بما تعرض له شقيقنا، وقال له إن إبنه يرقد فى المستشفى بين الحياة والموت، فتلقى الخبر غير مكترث بما أصابه ولم يزره إلا بعد ثلاثة أيام، وبدا كأنه شخص غريب يؤدى واجب الزيارة لمريض يعرفه، ثم انصرف إلى عالمه وملذاته، فهو كثير العلاقات النسائية ويصرف ببذخ على شهواته، فى حين يتجرد من الرحمة، ويتحجر قلبه إذا تعلق الأمر بأبنائه!

ولم نجد مفرا من أن نعمل فى الإجازة الصيفية ولا ننعم بالراحة ولا بالسعادة مثل كل أقراننا، وبلغ ظلم أبينا لنا مبلغه، وفاق تعنت اهله ضدنا كل الحدود، فلقد نجحوا فى أن يبعدوه عنا ويقربوه من طريق الحرام، ولو استطاعوا أن يمنعوا عنا الهواء الذى نتنفسه لفعلوا.. وكم تمنينا أن يكافئنا على نجاحنا وتفوقنا بأن يأخذنا للنزهة ولو لعدة ساعات نتخلص فيها من همومنا وأحزاننا لكنه لم يفعل، وعندما يحل العام الدراسى الجديد نسمع حكايات زملائنا عن المصايف والمتنزهات التى ارتادوها خلال الإجازة وفى قلوبنا غصة من غفلة أبينا عنا.

والحمد لله أننا برغم متاعبنا اجتهدنا فى دروسنا، وتقربنا إليه عز وجل وسألناه أن يفرج كروبنا، فكان العطاء يأتينا على أيدى الآخرين، ولا ننسى فضل الجيران والمعلمين الذين ساعدونا حتى التحقنا بكلياتنا وتفوقنا فيها وعملنا بوظائف لم نكن نحلم بها، ثم كانت الطامة الكبرى عندما اكتشفنا أن أبانا مدمن مخدرات، وأنه ينفق أموالا طائلة عليها وعلى النساء الساقطات.

ومرت الأيام وجاءنا من يخبرنا بأنه مدين بمبالغ كبيرة للآخرين، وأنه لا يجد من يسانده فى تسديدها، وأننا إذا بخلنا عليه بالمساعدة فسنكون أبناء جاحدين له، فهو السبب فى وجودنا، ونسى هو ومن أرسله أن مرتبه وحده يزيد على مرتباتنا مجتمعة، وأننا كشباب لنا متطلبات للمعيشة والزواج وتكوين أسر، واتفقنا على أن نترك له البيت الذى طالما هددنا بطردنا منه، واستأجرنا شقة فى مكان بعيد عنه، والتحقنا بأعمال أخرى غير التى كنا نعمل بها حتى نتجنب سماع ما يضايقنا من المحيطين بنا فى بيت الأسرة والذين يعرفون فضائحه التى ألحقت بنا الخزى والعار، وعندما قرأنا رسالته إليك التى اعترف فيها بما فعله بنا وسميت حكايته بـ «أحزان الشيطان»، عرفنا أنه أصيب بالسرطان، ولمسنا من سردك للأحداث الدامية التى مررنا بها على يديه أنه أحس بتأنيب الضمير وبأنه بعث برسالته إليك عندما شعر بدنو أجله، رغبة فى أن نعفو عنه، وبعد أن فرغنا من قراءتها راجعنا أنفسنا، وقلنا إن هذه الخطوة تأخرت سنوات طويلة، لكننا فى النهاية لن نتخلى عنه، وقررنا الرجوع إليه ابتغاء وجه الله برغم كل ما عانيناه منه من متاعب وآلام، وعندما دخلنا عليه انخرط فى بكاء مرير، وقال لنا بصوت متهدج إن الله اقتص منه، وإنه نادم على كل ما فعله بنا، وطلب منا أن نصفح عنه، فهدأنا من روعه، وقلنا له: عفا الله عما سلف، وتسابقنا إلى الأطباء والمستشفيات لعلاجه، وما هى إلا أيام معدودة حتى غاب عن الوعى وظل فى غيبوبة متقطعة لمدة تزيد على شهر، وكنا نفاجأ أحيانا بصراخه غير المبرر، ثم يهدأ ويدخل فى حالة لا وعى، ثم يفيق بعض الشىء إلى أن رحل عن الحياة، وبينما كنا سائرين فى جنازته، سمعنا أهله يتهامسون بصوت مسموع بأن أولاده وزوجته هم السبب فى موته، فتجاهلنا كلامهم، وفوضنا أمرنا إلى الله، نعم المولى ونعم النصير.

لقد هزنا ردك عليه واستوقفنا قولك له: «إن الأمل فى عفو الله وغفرانه لا ينقطع أبدا، ولكن بشرط أن يتراجع المرء عما ارتكبه من معاص وأخطاء، وإنى أرى فى اعترافك بأفعالك الشيطانية، وتجملك بالرجوع عنها إلى الأبد، ودعوتك زوجتك وأولادك للعودة إليك، مع تأكيدك التكفير عن ذنوبك وتوبتك النصوح.. أقول إننى أرى فى كل ذلك فرصة أخيرة للم شمل الأسرة، ولا شك أن اعترافك بكل الحقائق التى ذكرتها، وبأنك ظلمت أسرتك هو الخطوة الأولى على طريق ترك الأعمال الشيطانية، والعودة إلى طريق الحق والصواب، وأسأل الله أن يصلح مسار حياتك، وإنى أدعو زوجتك وأولادك إلى طى صفحة الماضى، وألا يتركوك فى محنتك، وأن تبدأوا معا صفحة جديدة ناصعة البياض، ولتكن فى قصتك عبرة لكل عاص ومذنب».. هذا الرد البليغ هو الذى حركنا إليه، والحمد لله أننا زرناه ووقفنا إلى جواره فى أيامه الأخيرة، وطمأناه على أننا بدأنا معه صفحة جديدة ثم كانت إرادة المولى عز وجل بأن يرحل عن الحياة ونحن إلى جواره، وليت كل الآباء العاقين أبناءهم يأخذون العبرة مما حدث لأبى، ونسأل الله أن يرحمه وأن يغفر له خطاياه.. إنه على كل شىء قدير.

> ولكاتب هذه الرسالة أقول :

يخطئ كثيرون من الآباء حين يظنون أن العقوق يقتصر على الأبناء، فالحقيقة أن عقوق الآباء أبناءهم أشد خطرا وأعظم ذنبا، ولا عيب على الأولاد إن وجد بينهم العاق والمتمرد والمنحرف والحاقد والمكتئب والمعاند، فالحقيقة أن هناك خللا فى أساسيات تربية أبنائنا لا يكاد بيت من بيوتنا يبرأ منه، ويغيب عن الكثيرين أن المتابعة والمراقبة والموادعة والرفق والمصاحبة والثقة والعطاء من المعانى الأساسية فى التربية، وفى ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.. الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع فى أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة مسئولة فى بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها» رواه البخارى.. وكان الرسول يقول لأصحابه: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم» فكيف يتسنى ذلك لمن يهجر بيته، ولا يلقى بالا لأبنائه؟.

إن التأسيس السليم للطفل لا يكون بالسعى لبناء جسم سليم فقط، بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم أيضا، فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بالسلامة إذ يقول تعالى «أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (التوبة 109)، كما يضمن التأسيس ترسيخ الأخلاق فى الأبناء، وفى ذلك يقول الإمام الغزالى رحمه الله: «ولن ترسخ الأخلاق الدينية فى النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة، ولم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها، ويكره الأفعال القبيحة ويتألم منها، والأخلاق الجميلة تكون باعتياد الأفعال الجميلة، وبمشاهدة أربابها ومصاحبتهم، وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح، إذ الطبع يسرق من الطبع، والشر والخير سواء فى ذلك، وكل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة، وبالاعتياد والتربية تتهذب أخلاقه، وكلما ظهر من الصبى خلق جميل وفعل محمود، ينبغى أن يُكرم ويُجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك مرة فينبغى أن يتغافل عنه، فإن عاد إليه يُعاتب سرا ولا يكثر عليه العتاب فى كل حين، فإن ذلك يهوِّن عليه الملامة ويسقط وقع الكلام من قلبه، ويحسن أن تظل للأب عنده هيبة من أن يوبخه والأم تخوفه بالأب»، فأين كان أبوكم من هذه الأسس عندما رباكم صغارا؟، إنه لم يع شيئا منها، ودأب على ضربكم ضربا مبرحا وإهانتكم بألفاظ جارحة، فظل ذلك محفورا فى عقولكم وقلوبكم، وتناسى أن الجميع يخطئون ويصيبون، وحتى لو أخطأ الإبن فى شىء ما فإن السماع الكامل له وعدم مقاطعته هو المقدمة الصحيحة لرجوعه عن الخطأ مهما تكن درجة عناده، فأشد الناس جفافا فى الطبع وغلظة فى القول لا يملك إلا أن يلين، وأن يتأثر إزاء مستمع صبور عطوف، يلوذ بالصمت إذ أخذ محدثه الغضب، وللأسف لم يدرك والدكم ذلك، بل إنه لم يكتف بالضرب، فهجركم إلى أهله، ونسى حقكم الأصيل عليه فى احتوائكم، وتولى مسئوليتكم لا أن يتركها لأمكم، وإننى أقدر دورها الكبير معكم، وصبرها ودأبها على تنشئتكم تنشئة سليمة برغم العواصف والأنواء التى واجهتها بسبب ممارسات أبيكم سواء غرامياته النسائية او مصاحبة أقران السوء الذين جذبوه إلى عالم الضياع إلى أن كبرت سنه وأصابه المرض والعوز فانصرفوا عنه وتركوه بلا أنيس ولا سند، فلم يجد أمامه سواكم، وجاءت رسالته إلىّ حاملة ندمه الشديد على تفريطه فيكم وسلوكه المشين، ورجاءه بأن تعفوا وتصفحوا عنه، فاستجبتم لالتماسه ولبّيتم ندائى إليكم، لتكون آخر خطواتكم معه فى الحياة وقوفكم إلى جواره فى أيامه الأخيرة، فكانت توبته إلى الله وعفوكم عنه، هما مسك الختام له، وأظنه أحسن العودة إلى المولى عز وجل، فالتوبة سبب للفلاح ومحبة الله وتبديل السيئات حسنات، ومحو الذنوب، ودعاء الملائكة حيث يقول تعالى «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ» (غافر 7)، فالله يفرح بتوبة عبده حتى لو كرر التوبة والوقوع فى الذنب، وقيل للحسن رحمه الله « ألا يستحى أحدنا من ربه، يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود؟، كأن السائل يقول لا فائدة من توبة من ينتهج هذا النهج، فقال الحسن رحمه الله: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملوا من الاستغفار».

وقد حذر الله تعالى عباده من القنوط من رحمته مهما عظمت الذنوب فقال: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (الزمر53)، والتوبة فى المسيحية تعنى أن يحوّل الإنسان فكره، ويتجه إلى الأعمال الصالحة، ولا يمكن أن يحدث تغير فى الفكر والقلب من غير حدوث تغير فى الأفعال، وهكذا فإن أباكم لقى وجه ربه، وهو تائب عن ذنوبه، بعد أن تغير فكره وقلبه، واتجه إلى الطريق الصحيح، وليس أدل على ذلك من اعترافه بأخطائه فى رسالته التى كنتُ قاسيا فى ردى عليها، والتى اتخذت لها عنوان «أحزان الشيطان»، إذ أردت أن يعرف الجميع النهاية المحتومة لكل من يسلك مسالك السوء، وينقاد إلى ملذاته وأهوائه، وأرجو أن تكون فى قصتكم عبرة وعظة لكل الآباء والأبناء فيحرصون على التوازن النفسى للأسرة، وأن يكون الأب موجودا فى كل لحظة يحتاج أولاده إليه فيها قائدا لسفينة الأسرة، وعدم الاعتماد الكامل على الأمهات فى عملية التربية، وأسأل الله سبحانه وتعالى لكم التوفيق والسداد، ولأبيكم الرحمة والمغفرة، ولا تنسوا الدور الكبير لأمكم الصابرة التى مهما أثنيت على دورها معكم فلن أوفيها حقها، إذ يكفيها أنها عكفت على تربيتكم، وظلت حاملة اسم أبيكم برغم كل ما فعله، وسيكون ذلك فى ميزان حسناتها يوم القيامة بإذن الله.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق