رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«حلاوة الدنيا» درس عملى فى حب الحياة بضمير «هند صبرى»!

محمد حبوشة
لم يعد السرطان هذا المرض المرعب الذى يصيب الإنسان ويشعره بقرب نهايته، بل يمكن أن نتعامل معه كأى مرض يمكن السيطرة عليه فقط إذا كان المصاب به يمتلك قوة وعزيمة من حديد، فالسيطرة على المرض لا تقتصر فقط على الأبحاث العلمية وطرق العلاج الحديثة، والتى لن تصنع بمفردها شيئا،

حيث أكدت العديد من الأبحاث والدراسات أن الدعم النفسى يرفع نسبة الشفاء وأن الحالة النفسية القوية لها تأثير كبير على تقوية جهاز المناعة، ومن ثم مقاومة هذا المرض الشرس، تماما كما جاءت وقائع مسلسل «حلاوة الدنيا»، فالصدفة غالباً ما تقلب حياة الإنسان رأساً على عقب، كما هو عنوان المسلسل الرئيسي، والذي قامت كلا من «سماء أحمد وإنجي القاسم» بكتابة السيناريو المقتبس عن فورمات مسلسل مكسيكى بعنوان Terminals» « تحت إشراف الكاتب الكبير تامر حبيب، في شكل دراما رومانسية اجتماعية معاصرة، تتناول حكاية عائلة مصرية يزورها ضيف ثقيل الظل هو مرض السرطان فتكافحه بالتفاؤل والاصرار، وبالحب تعيش أمينة (هند صبري) تناقضات الحياة لتصنع منها شخصية أكثر قوة، وحبها للحياة يدفع سليم (ظافر عابدين) ليشاركها رحلتها لكن بطريقته الخاصة.

..................................................................................................وبغض النظر عن قضية الملكية الفكرية، التى لا يكترث بها كُتاب الدراما المصرية عموما، لكنى وجدت فى هذا المسلسل حالة ناجحة لتقديم ميلودراما جذابة، فقد ظننت فى البداية إنها عبارة عن ميلودراما حول طبيعة مرض السرطان وتداعياته المرعبة، والتي عادة ما يصحبها قتامة هذا النوع من الأفكار، خاصة حينما يقع الموضوع فى يد سيناريست مصرى، ويحوله إلى دراما من نوعية اللطم والبكاء والعويل والغرق في التفاصيل الروتينية المملة، لكن المسلسل بدا لي شيئا مختلف تماما عما هو سائد في هذه النوعية من الدراما الغارقة في التراجديا المأساوية، حيث يغزل تفاصيله حول المشاعر الانسانية، معبرة عن تلك اللحظات التي تملؤنا حزنا وغضبا وانفعالاً..هي تلك الحقيقة الدامغة التي تربك كل الحواس ولا مناص منها ولا فرار.

وتستمر الأحداث في «حلاوة الدنيا» لتضع الجميع «ممثلين ومشاهدين» في مواجهة الأسئلة الكبيرة التي تشخص أمام من ينتظر نهاية حياته أو نهاية حياة أقرب الناس إليه، وكيف له أن يتعامل مع كل شيء وكل شخص يمر بتلك المحنة، وتكبر مع ثنائية البقاء والفناء ثنائيات أخرى كثيرة: مثل الاستسلام والمواجهة..الخوف والشجاعة..اليأس والأمل..الضعف والقوة.. المساندة والتخلّي..اللامبالاة والمسؤولية..التردد والقرار..لتكون فكرة الحياة في النهاية هي الانتصار الأهم والأوحد أمام فكرة الموت، أو تلك المونودراما الرائعة التي نسمعها من «أمينة» وهي تسير على قدميها نحو غرفة العمليات، وليس على نقالة بعد أن اتخذت قرارها بإجراء العملية التي لم يؤكد الأطباء نسبة نجاحها بأكثر من 50 %، وهي تحدث نفسها قائلة: «قررت أن أعيش.. وألا أفرّط بحياتي مهما كانت أيامي فيها قليلات.. ولن أستسلم.. ساُحارب.. وليس مهما من ينتصر في النهاية «أنا أو المرض» .. ولن أكفّ عن الحلم وخوض التجربة.. سأبقى أفعل ما أحب مع من أحب.. أعلم أنها قد لا تكون أياما جميلة وقد تكون ملأى بالألم والمرار.. لكنني متأكدة أنني إذا فعلت ما أحب فسأكون سعيدة.. وإن حلاوة الدنيا ستضيّع حتما كل طعم للمرارة مهما بلغت حدتها.

المسلسل ينتمى بالأساس إلى نوعية «دراما الجرأة الاجتماعية»، وليست الجرأة هنا في طرح حالة غريبة، إن كانت تتعلق بالمرض الخبيث، ولكن تكمن الجرأة في كيفية توظيف هذه الحالة لصالح الدراما، وكيف يمكن معالجة قضايا المجتمع، وتقديم البديل أو الحلول لعلاج الواقع وتسليط الضوء على الأسباب التي أدت لهذه النتائج، هنا تكمن وظيفة القائمين على العمل في كيفية تقديم الأفكار دون خدش الحياء العام، فمنذ بدايته كان المسلسل قويا من خلال حوار واقعي بين الأبطال، ولم يعتمد سياسة المط والتطويل التي اعتدناه في مثل تلك التراجيديا المصاحبة لمرض السرطان أو غيره من الأمراض المستعصية والأهم هو أن هذا العمل لا يبدو كئيباً بسيطرة الحزن على مجمل أحداثه، بل هو دراما إجتماعية ترصدها الأحداث للتعمق في الشخصيات، ومن هنا جاءت الشخصيات في أغلبها مرسومة بعناية فائقة إلى حد التطابق بين الممثلين وأدوارهم، لتبدو رسالة العمل واضحة، بأنه مهما كانت درجة الإصابة بهذا المرض العضال، فإن المرء لا يجب أن توقف حياته من أجله، وعلى كل إنسان مصاب به أن يخوض معركته معه بثقةٍ كاملة أنه سيهزمه، ولهذا فقد نجح التصوير المحترف للمنزل والمشاهد المتميّزة للمخرج حسين المنباوي بإقناع المشاهد بأنه داخل منزل أسرة أمينة، وليس داخل ديكور لمنزل تم تصويره لعمل درامي.

عند الحديث عن المسلسلات الناجحة في الموسم الرمضاني الأخير، لا بد أن يحظى مسلسل «حلاوة الدنيا» بنصيب أكبر على مستوى أداء الفنانين وتميز النص، كما تميز الإخراج بإيقاعه السريع وحبكته الجيدة ليحظى بنسبة مشاهدة مرتفعة، ويكفي أن «تتر» المسلسل وحده بصوت «شيرين عبد الوهاب» قد قاربت مشاهداته المليونين على موقع يوتيوب بعد الأسبوع الأول من عرضه، إلى جانب الحضور اللافت لعدد من النجوم المشاركين فيه حيث جاء أداء بطلي العمل الرئيسيين التونسيين «هند صبري وظافر العابدين» على درجة كبيرة من التمكن والاحتراف، فالبطلان لايطيران فوق السحاب، ولا يعيشان الوهم ، ولكنهما جاءا واقعيين جدا، حتى حينما ينشأ خلاف بينهما لا تغرق أمينة في أحزانها وتنهار، وهو أمر طبيعي حيث استأنفت حياتها سريعا ، رغم أنها خاضت تجارب قاسية جدا.

ويبدو أن «هند صبري» قد وجدت ضالتها في هذا العمل الذي قدمها إلى الجمهور في شكل جديد ومتميز عن أدوارها السابقة على مستوى الأداء والتركيبة الدرامية، ومن ثم فإن «هند» للمرة الأولى تحقق من خلال هذا المسلسل تلامسا قويا مع الجمهور، من خلال تقديمها لشخصية «أمينة الشماع» بطريقة إنسانية تحقق شعبية كبيرة، تشير إلى أنها قد عادت بقوة للدراما التليفزيونية بعد عامين من الغياب، لتؤكد حرصها على نقل النضج الفني الذي حدث لها سينمائياً للدراما التليفزيونية، وتضع مكانها في منطقة مختلفة لا ينافسها فيها أحد، وفي كل الأحوال تبقى المغناطيس الأهم الذي يجذب إليه الناس على اختلاف فئاتهم، بغوصها إلى عمق الواقع لتكسر الجدران العالية للتابوهات المعتادة عبر أداء محبوب ومتميز، بصورة ناضجة ومسئولة، مبعتدة عن الابتذال المقدم في مثل تلك الأعمال التي تناقش فكرة الإصابة بمرض السرطان.

كما أثبت النجم التونسي «ظافر العابدين» الذي جاء تسكينه في الدور ملائما جدا - وهو بدوره كان على قدر المسئولية - إنه ممثل صاحب موهبة كبيرة، علاوة على حضوره وكاريزميته الفنية المميزة، فقد استطاع وبسهولة في هذا المسلسل أن ينقل إلى المشاهدين أجواء المرض الذي يعاني منه دون مبالغات فجة في الأداء الانفعالي، كما تميزت المشاهد الرومانسية التي جمعته بهند صبري بسلاسة الحوار والتعبير الصادق، ورغم أن المسلسل يتحدث عن مرض السرطان وتداعياته على حياة الأشخاص إلا أنه لم يغرق في ميلودراما مزعجة وتقليدية، بل اعتمد على الجانب المبهج من القصة، وكيفية التغلب على المرض مع بعث الأمل في الشفاء، من خلال دعم المحبين، هذا بخلاف الجرأة في الاقتراب من هذا العالم، خصوصا وأن الأمر كان مغامرة بالطبع، فالجمهور عادة مايهرب من سيرة المرض، ومع ذلك أبدى شغفا كبيرا بالمتابعة، خاصة مع تميز أداء «رجاء الجداوي» في دور «الجدة زوز» ، وأنوشكا في دور «الأم» وهما من أكثر الشخصيات التي تم الاعتناء بها عبر التفاصيل المرسومة بدقة وعناية فائقتين، حتى إنهما أصبحت فاكهة الحلقات بجدارة ، على جناح طبيعية «رجاء» في التمثيل وتلقائية «أنوشكا» في رسم ملامح الشخصية من واقع خبرتهما التمثيلية الطويلة.

أما حنان مطاوع فقد قدمت كعادته دورا متقنا من خلال شخصية «سارة» ومشاهدها بالعمل ثرية للغاية، وكأنها تطبق مبدأ «جلين ويلسون» في كتابه «سيكلوجية فنون الأداء» حيث يقول : « إن كثيرا من الجوانب الخاصة بحرفة الممثل له صلة بعملية التلاعب بانتباه الجمهور، وحيث أن الشكل المتحرك يجتذب عيون الجمهور بعيدا عن الشكل الساكن، فإنه من المعتاد أن يتحرك الممثلون فقط عندما ينطقون الكلمات الخاصة بأدوارهم، أو قبل ذلك بقليل، وكثير من الجوانب الخاصة بالحرفة يكون متعلقا بالتوجه أو المشاركة المناسبة لانتباه الجمهور في العمل، وذلك من خلال التحكم في الحركة» تماما كما فعلت حنان مطاوع بدورها «سارة» الذي أدته بخلطة سحرية من الفكاهة والتراجيديا في آن واحد. وعلى العكس تماما جاءت شخصية «أحمد حاتم» ضعيفة وفقيرة للغاية بل إنها في معظم الأحيان غير مقنعة بالمرة، حيث يبدو تاريخها غير مفهوم، فضلا عن أن تطورات الشخصية في مجملها غامضة، فمرة يكون رومانسيا ناعما، وفجأة وبلا أية مقدمات يصبح عصبيا ومستغلا لمشكلات عائلة حبيبته «عاليا «، وكل ذلك يأتي عادة دون أي نوع من التمهيد، كما أخفق «حاتم» في أكثر من مرة في توصيل مغزى دوره - ربما لعيب ما في السيناريو - ولم يضبط انفعالاته بالشكل المطلوب فظهر الدور مشوشا، وعلى الرغم الانتقادات التي وجهت لـ «سلمى أبو ضيف» التي جسدت دور حبيبته «عاليا» إلا إنها كانت شخصية مفهومة على نحو أفضل.

ورغم كونها تخوض تجربة التمثيل لأول مرة فقد جاء أداء «ياسمين غيث لدور «هبة»، والذي جاء بالصدفة مطابقا للواقع الدرامي بحسب أحداث المسلسل، وهى التي لم تكن تتوقع في يوم أنها تعمل في مجال التمثيل، لكن اختيارها جاء بسبب تجربتها الشخصية، وهو الأمر الذي أثر في الجمهور إلى حد كبير في تفاعله اللافت مع المرض، كما أكدت من جانبها «إنجي القاسم» إحدى مؤلفات العمل، وأضافت أن الشخصية التي قدمتها الفنانة ياسمين غيث في مسلسل حلاوة الدنيا هى شخصية حقيقية، مشيرة إلى أنها لاحظت أن هذه الشخصية أثرت في الجمهور وفي معنى المسلسل نفسة، ولفتت إلى أنها أثقلت الرسالة المقدمة من خلالها، فهى شخصية إن دلت فتدل على الأمل والتفاؤل والمثابرة، مؤكدة أن بعد الصدى الكبير الذي حدث بسبب هذه الشخصية جعلهم يطلبون من الفنانة «ياسمين غيث» أن تكتب بنفسها جزءًا من قصتها لتكون مشاهدة وبالفعل ساهمت في كتابة جزء من الحلقة الأخيرة، معلقة: «هى اللي بترمز أن حلاوة الدنيا بتطلع من الجرح».

جدير بالذكر ونحن نتعرض بالنقد لمسلسل «حلاوة الدنيا» أن نلفت الانتباه إلى أن كل ايجابيات المسلسل تتوقف عند الحلقة عشرين، وهى سقطة كبيرة ربما وقع فيها فريق كتابة السيناريو، حيث تم التخلي شبه الكامل عن الخط الدرامي الرئيسي، وهو المرض والتعايش معه وتأثيره على حياة أصحابه والتعايش معه من جانبهم، حيث دخلنا في قصة اجتماعية بين زوجين محبين يسعيان للإنجاب، وتفاجىء الزوجة بأن زوجها لديه ابن سري وينشأ صراع جديد تماما مغرق في تفاصيله ، فيما يغرق الثلث الأخير من العمل في حوادث غير منطقية ومتسرعة، وكأن هناك من يجري وراء الممثلين، ومنها على سبيل المثال إنه تم سلق مشهد زفاف «أمينة وسليم» سريعا، ولم يهتم المخرج بأن يكون مبهرا كما هو متوقع، خصوصا بعد مشهد الاعتراف بالحب الذي كان حديث الناس معظم الوقت، نفس الشيئ بالنسبة لمشهد «سليم» في إجراء عمليته الجراحية، حيث وجدناه فجأة يتعافى، رغم أنها جراحته كانت دقيقة وخطيرة جدا ، ووجدنا رأسه أصلعا بدون آثار للجراحة الدقيقة التي حتما تخلف آثارا وندوبا، فضلا عن تخلصه السريع من آثار المرض دون تلعثم واضح في الكلام ، كل ذلك جاء في إطار زمني ضيق وغير متناسب مع هذه الجراحة.

لكن وبشكل عام يبقى مسلسل «حلاوة الدنيا « مسلسلا اجتماعيا بامتياز ،ومصنوع بضمير، وكان بالفعل بحاجة لأن يكون فريق كتابته نسائيا، فهذا أمر أفاد التفاصيل كثيرا، ويتميز العمل بنقطة هو أنه غير مفتعل بالمرة وحوادثه تشبه مايجري حولنا، وكذلك الحوار التلقائي الذي يعتبر من أهم نقاط القوة في المسلسل، وبالتالي ليس من السهل أبدا أن يمل المشاهد مهما تعددت مرات عرضه، فيبدو العمل وكأنه دروس في التنمية البشرية تقدم للإنسان دافعا للتمسك بالحياة والأهداف، وبصيص نور في كل ظلام، يجعل الإنسان متمسكا بالحياة وبكل جميل فيها، وربما أيضا دروسا تعلمنا النظر إلى نصف الكأس الملآن والبحث عن كل رسالات الله وإشاراته الموجهة إلينا حتى في أحلك الظروف، ليقدم لنا في النهاية درسا عمليا في حب الحياة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق