رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شوارع المدينة

د. محمد يونس
سوف يسأله اليوم، تجاسر ودخل المكتب ، ولكن بادره المدير طالبا منه ان يشترى له ذلك النوع من العطر، تكورت يده اليسرى لتضمه بعد ان تشابك داخله والتف حول الرئتين والقفص الصدرى ثم استقر تحت جلد اليد اليسرى فتكورت ، احس به ينتشر تحت أقدام النمل فى عروقه ويتسحب ذلك الاختناق الذى تكون فى النهاية فوق اللسان ليمنع اى رغبة فى الحديث..

استطاع ان يقمع حركة التقلصات على وجهه عندما تلقت اليد اليمنى الورقة المحتوية اسم العطر وأوراق النقود التى أصدرت طرقعات عندما قبضت يده عليها، لكنه لم يستطع منع مرور ذلك المشهد بذهنه ، فهو بكامل صورته ذلك المتسول ذو الجلباب الرث الذى كان يحتقر وقوف أمام المسجد الكبير بقريته الجنوبية.

انتصف العام على عينيه التى لا تعرف فى شوارع العاصمة إلا البوابات الزجاجية المغلقة واللافتات الزرقاء، تقرأ شروط الوظائف ، أسماء الشوراع ، أرقام العمارات، كلمات اللافتات المعلقة.

توقف ليضيف عنونا جديدا الى قائمة عناوين الشركات المشطوبة. طوى الورقة مع قصاصات الإعلانات المبوبة، شهادته الجامعية، اسم العطر ، مرض أبيه،ـ سقوط أحد جدران بيتهم ، سفر أخيه، خروج أمه إلى الأرض التى لا تجد من يرويها .. وباقى ما حفره والده على ورقة صفراء من دفتره القديم ، حملها إليه ساعى البريد أمس.. ثم دفنهم فى جيبه إلى جوار تذاكر الحافلات المنتهية.

تشرب كل الردود التى ارتطمت بعظام صدره عندما صحح له صاحب (البوتيك) ذو السلسلة الذهبية فى عنقه، اسم العطر مع تلك الضحكة، و تلك النظرة من عينيه، وصمت هو ثم عاد.

أوقفته الجالسة أمام مكتب المدير .. من دمه الفائر فى العروق راحت تطلى شفتيها ووجنتيها وجميع أظافرها. أغلقت العلبة التى أمامها . أخذت زجاجة العطر التى بيده، وزفرت:

•اسمك ليس بالقائمة التى وقع عليها المدير .. صمت هو وخرج.

بجانبه جلس صديقه الذى تعرف عليه مؤخرا، وسأله:ـ ألم تزل تحت التمرين؟

ثم أشعل سيجارة من علبته الأجنبية، وأضاف: الأمر يحتاج إلى الخفة .. الهواء مليء بالأوكسجين والنقود.

وقدم له مشروبا، ثم همس فى الهتاف:

- فى نفس المكان، بعد دقائق..واستأذن منه... وصمت هو ووقف.

نفذ الأمر المعلق على الباب الزجاجى ودفع الباب بهدوء. وقف الهواء الرطب عند جلد الوجه والكفين ، أعاد الرجل المهندم ابتسامته إلى مخبأها وسأله عما اذا كانت لديه سيارة، شهادة خبرة أو يجيد لغة أجنبية، ثم دفع مرة أخرى بابتسامة مصحوبة بكلمات رقيقة.

أصر الحاج على الضيافة المحنطة فى فنجان قهوة ، ثم قال: ولكن هل لديك فكرة عن النقاشة؟ هل تجيد أعمال الهدم والبناء؟ ومط شفتيه وتمنى من الله أن يشفى والده ، وطلب منه ان يبلغه سلام المقاول.

قرأ الشروط بعناية فائقة: العمر، الشهادة العليا، القدر على العمل تحت الضغط، ثم قدم أوراقه الثبوتية وشهادته الجامعية، ولكن لم يجد ما يقدمه عندما سأله المسئول:

- هل لديك خطاب توصية؟

وصمت هو عندما مارس ضابط المرور سلطاته بعدم عبور الشارع. تراجع واتجه يسارا ثم عاد إلى اليمين . اتخذت قدماه الطريق المؤدى إلى القطار المتجه جنوبا ، انتظمت خطواته ، ثم أدار وجهه إلى الخلف وبصق.

دب نشاط مفاجئ فى قدميه ، وشعر به يتخفف ذلك المكتوم فوق الرئتين فيخفق القلب دافعا دماء تنير جلد الوجه ، ثم نظر إلى الخلف وبصق مرارا . شعر براحة تدب داخله ، تتذاوب أنفاسه دخانا يطرده شعاع العينين النافذ إلى حقول بعيدة تموج بها عيدان القصب الخضراء وأشجار النخيل تثمر شفقا بعرض المدى الجنوبي.

فى المحطة بدا الرصيف الطويل ممتدا أمامه ، وعلى شنط السفر السوداء الكالحة المثبتة فوق الأكتاف العريضة حطت عيناه.. تفرقت تجاويف سوداء على الوجوه السمراء معلنة ابتسامة عجوز عندما هل القطار.. تدفقت الجلاليب الواسعة نحو العربات المتماسة وسط حالة فوضى غشت المكان.

عندما بدأ زحف القطار . زحزح تسمره على رصيف المحطة، وقبل أن يريه القطار مؤخرته، اعطاه هو ظهره .. بدت شوارع المدينة غائمة فى صمتها ومبيتة وعيدا مكتوما ينضح بها أسفلتها الساخن. . ووسط سيل البصقات الدخانية من عوادم السيارات المسرعة على ما تبقى من كيانه، كانت عودته فى صمت إلى أغوار شوارع المدينة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق