رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحفلة الاخيرة للراقصة الفيلسوفة

د . منى حلمى
خطواتها بطيئة ، تتعثر فى بقايا خفقات القلب ، التى تخفيها فى المعطف الأسود . حين تتوارى الشمس ، تخرج الى عتمة الشارع ، وتدخل الى ضوء الذكريات .

منذ متى ، وهى تحرص على عناق هذا الطريق ، المغطى بالأشجار ، والذى يصبح فى الشِتاء ، طريقاً لها وحدها ؟؟؟

يسقط المطر ، تفتح مظلتها الخضراء ، تكمل السير، و تدندن لحنا ، يتناغم مع ايقاع المطر . انتصرت على كل الأشياء، الا الزمن. استسلمت للجسد الذى يخذلها ، ويكاد يسقط بها ، وهو الذى صعد بها ، الى المجد، والشهرة .

تصعد السلالم المغطاة بالتراب ، وأوراق الشجر المتراكمة تصعد بحرص ، حتى لا تنزلق على الدرجة السابعة المكسورة. تتوقف لحظة على هذة الدرجة . هل يكون رمزا، لما تخبئه الأقدار ؟؟

تأخذ رشفة من فنجان الشاى ، وتتذكر .

كانت فى شبابها راقصة ، لها تميزها ، وتفردها . قوام، طويل، متناسق، يصعب التنبؤ بحركاته . ترقص أمواج البحر .. ترقص صرخات الألم... ترقص الفرح الآثم .. ترقص هدوء الحكمة .... ترقص عبثية الحياة .

ترقص، معبرة عن مقولات فلسفية، تؤمن بها. أو إحدى القصائد التى تسكن قلبها .

ترقص كما الفراشات التى تدرك عمرها القصير . سفر حائر، الى أى أرض يرحل . ترقص تلهث العيون وراءها، فى أرجاء المكان .

«رقاصة ؟! انتى عايزة تفضحينا؟؟.. والله عال أهو ده اللى كان ناقص.. بنتى أنا المستشار رياض شوكت تشتغل رقاصة ؟ حفيدة الأميرالاى شوكت علوى تتمرقع فى الصالات؟ واحدة معاها دكتوراه فى الفلسفة ، وبتدرس فى الجامعة ، تسيب ده كله ، عشان ترقص؟؟ آدى تربيتك يا دولت هانم .. من النهاردة اعملى حسابك ملكيش أهل».

فاتن، تتساءل، لماذا يحترم الناس، الغِناء، والشِعر، والتمثيل فى السينما ، ويزدرون الرقص الشرقي؟؟

أليس الرقص ، فنا من الفنون؟؟ ألا تقتضى العدالة الأخلاقية ، أن نكرم الراقصة ، مثلما نكرم الشاعرة؟ ماذا يزيد البالطو الأبيض، للطبيبة، عن بدلة الرقص؟ الانسان قبل أن يتكلم، ويكتب، كان يرقص.

«يا بنتى ربنا يهديكي.. هو احنا وش الحاجات دي؟ احنا بتوع كده ؟.... بقى ده جزاتنا يا ربى فى آخر العمر ؟؟؟ ده جدك أزهرى له شنة ورنة .. ايه اللى جرالك ؟؟

رقاصة ؟؟؟ كان لزمتها ايه بقى الدراسة وسهر الليالى ؟ ...

يا خسارة تربيتنا فيكى .. يا دى الجُرسة يا ربى .. ترقصى ؟

يا شماتة العدوين فينا .. مبتشوفيش عيون الرجالة وهم بيريلوا على الرقاصات ؟».

بكل ثقة ترد «يبقى العيب فى عيون الرجالة مش فى الرقاصة .. الحل ان الرجالة تتهذب ، وتتأدب ، مش نمنع الرقص».

«انتى مبتسمعيش بيتقال ايه عن الرقاصة اللى جسمها عريان معروض للناس؟».

فى هدوء تبتسم : يا ماما يا حبيبتى .. أنا باعوم بالمايوه.. يبقى كمان نمنع السباحة ..

وكل مهنة فيها الكويس والوحش .. وبعدين يا ماما يا حبيبتى أنا هاعمل بدلة رقص، خاصة بيا.. أنا عايزة أرقص.. مش أتعري... أرجوكى يا ماما افهميني... الست اللى عايزة تنحرف مش هتستنى لغاية متبقى رقاصة ... وتلبس بدلة الرقص ... أخلاقنا مش هتتعدل الا لما نحترم الرقص والرقاصات.

ترد دولت هانم ، فى أسى ، وحسرة :

«يارب عفوك ورضاك.. يا فاتن انت طول عمرك عاقلة.. مين اللى عوجلك مخك ...

..عين مين دى الا صابتنا؟.. كان مستخبلنا فين ده يارب؟؟ لو خلفت غيرك كانت المصيبة تهون ... والله مانتى شايفة جواز فى عمرك ولا خِلفة.. ياريتنى مت قبل ما شفت اليوم ده ؟.

ترد فاتن : «أنا مش عايزة أتجوز ومش عايزة أخلف.. الأطفال اللى محتاجين رعاية مالين العالم ..».

كثيرون مروا بعمرها . اختلفت الأسماء ، اختلف لون العيون ، تفاوت حجم الممتلكات ، لكل منهم حركات مميزة ، مواضيع اهتمام مثيرة ، ماركات السيارات مختلفة ، والطباع مختلفة . شيء واحد كان يجمعهم .... الرغبة فى سجن المارد ، الراقص .

اشتد الهواء فى الخارج ، فاندفع إلى حجرتها يعبث بنظامها الدقيق . تشرد لحظة . تتذكر شيئاً يصر على أن يظل منسياً . تغلق النافذة . تذهب لاعداد الشاى بالنعناع .

ايمانها بالرقص ، هو ايمانها بالحرية نفسها . على قناعة تامة ، أن الانسان الذى يرقص من الصعب اخضاعه . شعب يرقص ، شعب لا يُستعبد . شعب لا يُستعبد . امرأة ترقص ، امرأة لا تُقمع . بالرقص ، يكتمل الانسان ، حيث العقل ، والعاطفة ، والجسد ، فى التحام ، وحيث يمتزج الماضى ، مع الحاضر ، مع الحلم ، فى لحظة واحدة . هذه أفكارها ، التى ضمنتها ، فى رسالة الماجيستير .

أما، رسالة الدكتوراه ، فكان عنوانها : «لغة الرقص ، فلسفة عالمية ، توحد البشر».

أمنيتها قبل أن تغادر الحياة ، أن يتم اقرار جوائز خاصة ، بالرقص ، والراقصات، «أفضل راقصة» .. «جائزة» أفضل عرض راقص «.. فى المهرجانات السينمائية، والفنية، الدولية، والمحلية .. وأن يُنشأ قسم خاص ، فى معاهد الفنون، لتعليم، وتدريس، فن الرقص الشرقي، وأن تُعتمد له، دراسات الماجيستير ، والدكتوراة، وأن يُطلق على الشوارع ، والميادين، أسماء الراقصات الشهيرات.

حتى ألوان بدلات الرقص ، التى ترتديها ، تفلسفها . اللون الأسود ، لون الحقيقة .

اللون الأحمر ، لون التمرد . اللون الأزرق، لون الحب . اللون الأصفر ، لون الحكمة . اللون البنفسجي، لون الألم . واللون الأبيض، لون الخضوع . أليس هو لون الكفن ، وفستان

الزفاف ؟

أنا أو الرقص .... عليكِ أن تختاري.

هكذا اشترط عليها ، الأستاذ على منصور ، قال لها : « أنا مسامح .. وربنا غفور رحيم يقبل التوبة .. يبقى أنا المخلوق الضعيف مش هاغفرلك ؟؟ نتجوز وتقعدى فى البيت ونروح نحج .. ربنا بيحبنى .. بعتنى عشان أكسب فيكى ثواب «.

الرجال يحضرون الى حفلاتها . يبهرهم كيف ترقص كل مرة ، كأنها المرة الأولى ، أو المرة الأخيرة . يصفقون طويلا . لا يريدون أن تنهى وصلتها . الرجال يحبونها . كثيرا منهم ، يُطلقون عليهم «أعالى القوم والنفوذ» الرجال يتنافسون فى ارضائها، يرسلون باقات الورد فى ليالى الربيع ، وليالى رأس السنة . لكنهم لا أحد يعرض عليها الزواج . وفاتن ، لا تفكر فى الزواج. وليس لديها ، أى اشتياق ، لتلك الغريزة الطبيعية ، يسمونها «الأمومة».

«وداد»، صديقتها الوحيدة : « احنا الاتنين يا فتونة ملناش فى الجواز والخلفة ...».

كانت وداد، شابة تخاصمها صفات الجمال الذكورى الساذج المزيف . لكنها امتلكت الجمال الحقيقى . قلبا حنونا، وروحا صافية ، ونفسا قانعة ، راضية ، متصالحة مع نفسها ، ومع كل الأشياء .

جمع الحب بين «وداد»، و «جرجس» . لكن اختلاف الديانة، يفرقهما .

لم تحزن ، وداد. هى تؤمن بأن الذين يحبون، لا يتزوجون. الحب عاطفة ، والزواج مؤسسة . أبقت عمر ، فى القلب ، طيفا ، يؤنسها ، ويحنو عليها.

مع الرشفة الأخيرة ، من الشاى ، يرن الهاتف . انها وداد، فى نبرة الصداقة الحميمة :

«عارفه يا فتونة هتقولى كده ... بس لما نغير يجرى ايه ؟؟ نتعشى فى المطعم الهندى اللى بتحبيه.. عندى مفاجأة متخطرش على بالك.. بعد احتفال الكنيسة هافوت عليكي.. بس اوعى تنامى بدرى زى عوايدك».

أسمهان تشدو ، من ألحان القصبجى «فرق ما بينا ليه الزمان ...».

تعشق القصبجي. فهو الفيلسوف، الذى ضلً طريقه الى الموسيقى .

ألحانه تفكر .. تصدم العقل الراكد .. .. موسيقاه شغف يدرك أنه لن يرتوى ...

« لزماته « الموسيقية، «قطار»، يجرى بالفكر، الى برارى الحرية... عواطفه تتجرأ على التحدى ، والتمرد ... لا يخاف اليأس .. لا يكرر نفسه .

تغمض عينيها ، وتسافر الى أفق يناديها .

الليلة 6 يناير ، ليلة ميلاد « رمزى « ، وليلة ميلاد المسيح .

و«رمزي»، يشبه أخلاق المسيح . زاهد فى ملذات الدنيا .. جميل .. حنون... كريم ..

يسامح، ويغفر. قلبه ، لا يتسع، الا للمحبة، و الصدق، والوفاء.

يفعل كل شيء، بحب ، واخلاص ، وتركيز ، واستغراق، حتى لو كان يفتح نافذة ، أو يرد تحية الصباح.

يهبها روحه، وعصارة أحلامه . يسكن قلبها، مقيم فى روحها . يسترخى على امتداد جسمها . رجل يعوضها عن كل الأشياء . يدللها ، كأنها ملكة الزمان ، وأميرة المكان . هى أمه ، وطفلته ، وصديقته ، وحبيبته ، وسر وجوده .

رمزى : « أنتِ نصفى الآخر الذى يشبهنى ، ويكملنى .. كنت ناقما على الدنيا .. أبدا لم تنصفنى .. لكننى الآن أشعر أنها تعتذر وتصالحني».

تمر الأيام ، والسنوات ، وكأنهما فى أول لقاء ، وأول لهفة ، وأول اشتياق . كل منْ فاتن : « كنت أنتظر رجلا ، الحب معه ، نبوءة ، وحضارة ، ودرجة عالية من التفلسف».

يهمه ، أو لا يهمه الأمر ، يندهش ، كيف للبركان الراقص داخل امرأة ، أن يهدأ فى أحضان رجل ؟ كيف لرجل وقور ، من بيت له حسب ونسب ، وأصل عريق ، أن يتزوج راقصة ؟

كل منْ يهمه ، أو لا يهمه الأمر ، يتساءل ، ماذا تعطيه ، لكى يبدو بهذه النضارة ، والابتهاج ؟؟ ماذا يعطيها ، لكى لا ترى رجالا غيره ؟؟

سنوات ، وسنوات ، بينهما . هو ، من نجاح الى نجاح ، فى ادارة شركته الصغيرة .

وهى ، من تألق ، الى تألق . سألته ، أحقا ، لم تكن تريد طفلا ؟ قال لها : « أنتى طفلتى .. وأنا ملياش غير عمر واحد يدوب على قدك ... وبعدين يا حبيبتى كان لازم أحافظ على جمال ورشاقة جسمك ... أريد فى رقصة الوداع ، أن تكونى فى قمة لياقتك ، وطاقتك».

فى هذه اللحظة ، يرتعش جسدها ، من وهج الآهات المتتالية . بكاء متشنج متواصل .. تقع على الأرض ... يرتفع صوت الآهات .. تتلوى يمينا ، ويسارا .. أنفاسها لاهثة .

على باب المسرح الخارجى ، اعلان كبير ، يقول : حفلة الوداع .... الرقصة الأخيرة ..

« الفاتنة « تودعكم الليلة ... وبجانبه صورة « فاتن « فى بدلة الرقص الصفراء .

«فاتن» ، تتكلم فى التليفون : «.... كان مفروض توصل من ساعة ... تأخير ساعتين فى مطار فيينا ... يعنى توصل كام؟ سبعة وتلت».

الساعة تدق التاسعة . اكتملت صالة المسرح ، عن آخرها . تدخل «فاتن»، وسط دوى هائل ، من تصفيق الجمهور .

تبدأ «فاتن»، فى رقصة الوداع ، وكأنها رقصة الافتتاح . فى كامل لياقتها ، وفى عنفوان جسمها ، وفى ذروة رشاقتها .

« الفاتنة « ، تأسر القلوب ، تطير بها الى ، ما وراء الأفق . تتحكم فى جسمها ، بحركات جديدة ، لم تجربها من قبل ، يعلو التصفيق ، والهتافات العاشقة المندهشة .

ترقص العمر كله ... ترقص الذى كان ... ترقص ما سيكون .. ترقص اشتياقها لأبيها .. والحنين الى حضن أمها ... ترقص صداقتها بـ «وداد».. ترقص حبها للفلسفة .. ترقص حبها للقصبجي.. ترقص حب «أسمهان»... ترقص حب «رمزي»، الغائب عن رقصة الوداع.

انتهت الموسيقي، ومعها انتهت «فاتن»، من رقصتها ، بحركة هزت أركان المسرح .

وقف الناس ، يصفقون ، بحرارة ، ولهفة ، بدايات العشق الأولى .

مازالت على الأرض.... يرتفع أكثر صوت الآهات .. يتقطع بكاؤها فى وصلات متشنجة ، فى صوت ، منهك ، بطيء، مبحوح : «رمزي» ... «رمزي»... «رمزي»....... «وداد»، تدق جرس الباب .. لا أحد يجيب .

«وداد»، تطلب رقم الهاتف المحمول ... لا أحد يجيب .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق