رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى ذكرى يوليو التى نسيتهم
قدر التَمَلِّيَةْ !!

أسامة الرحيمى

إهداء إلى كل الشقيانين الذين قضوا قبل أن ينصفهم أحد.. وكل الشقيانين الآن الذين لا يجدون من ينصفهم!!

 

رأيتهم يفترشون الأرض بجوار بعضهم فى شمس الشتاء الدافئة لسنوات ممتدة.. ابتلعهم عبرها الموت واحداً تلو الآخر.. حتى اختفوا من الحياة.. وتبدل المشهد كله!!

بملابس رثَّة لا تقيهم لسعات برد..لم يأبهوا لها، يستندون بظهورهم إلى حائط متهالك فى صمت، ويتكئون بأيديهم جميعا على رُكَبِهم المثنية أمامهم..

ينعس بعضهم وتميل رؤوسهم بفعل خدر الشمس

لم أرهم يتحدثون إلا لماما.. بكلمات غير مسموعة

أجسادهم نحيلة.. جلودهم مجعدة.. تُبرز نتوءات العظام

وشعورهم بيضاء باهتة.. وذقونهم نابتة.. لا يحلقونها تقريبا

سقطت أسنانهم جميعا.. إذا نام أحدهم بدا فمه كهفاً خاويا.. غير نابِ هنا أو هناك.. أو سِنّةُ وحيدة مُعلَّقةٌ بفك أحدهم وبارزة للأمام تجعل منظر فمه كوميديا

ويعتمرون طواقى بالية.. أغلبها مثقوب وحوافها متآكلة

وينتعلون نسائر جلدية كانت مداسات يوما ما

نسخهم زمن الإقصاء والإهمال على هيئة مُذرية موحدة.. تشكَّلت من تراكمات الشقاء والعَجَزْ.. ولو أن البؤس مسخ تفاصيلهم هذه بنفسه ما أحكمه بهذا القدر من مذلات المهانة!!

هم بقايا الوسايا التى قوضتها ثورة يوليو بضربة قاصمة

هم التملية الشرفاء.. الغافلون مُذ وُلدوا.. الصابرون المنهوبون إلى ساعة رحيلهم !!

الذين بذلوا أعمارهم بطاعة مطلقة عرقاً مهدراً على أديم الحقول

وتحت أظلاف المواشى فى زرائب الإقطاعيين

وحوافر أغنامهم الوفيرة على جسور التُرع وبراح الغيطان

ولاحقهم «قدر التملية» الذى انطبع من البدايات على أرواحهم «شفرات وراثية دامغة».. ديدنها السكوت المطبق والاحتمال المطلق..

وهو ما أسكتهم كُليَّة إلى أن رحلوا تباعاً دون انتباه لشئ..

و«التملية» فى زمن الوسايا كانوا درجات..

ففى الحضيض أيضا طبقات.. وتخصصات..

بعضهم كان مسؤولا عن «ملء حوض سِقاية المواشي» من البحر بالدلاء طوال النهار بلا توقف لأن البهائم كثيرة وتشرب كميات هائلة من المياه

وثمَّة آخرون يقتادونها من مرابطها إلى حوض الشرب

وغيرهم كلاَّفون يفرشون لها الأعلاف فى المداود (الطوايل)

وفريق كبير يَجْرُد الروث من تحت أظلاف البهائم.. مرتان.. فى الفجر.. وقبل حلول المساء

ومعهم من يحملونه فى «طشوت» صدئة إلى أكوام السِبَاخ فى الجوار

وهؤلاء كلهم غير «تملية الحقول» الذين يعملون بالعزق والحرث والرى والحصاد بلا توقف.. وفى غير مواسم العمل الكبرى يُستدعون إلى المخازن والزرائب للمساعدة.. المهم ألا يتوقف أحدهم يوما عن العمل.. وآخرهم خفراء الزراعات الذى يبيتون فى الحقول

وهناك «التملية الأتباع».. الذين يعملون مباشرة فى خدمة «سادة الوسية».. الناظر.. والباشكاتب.. والخولي.. وغيرهم

والأكثر حظا وسط هؤلاء جميعا.. من يعملون فى «السرايا» ذاتها.. تحت يد الباشا أو أولاده البكوات مباشرة.. طباخون وسفرجية.. وخدم نظافة.. وجناينية.. وسائقون.. وحراس.. لكنهم لا يتخطون حدود «التملية الخدم» مهما اقتربوا..

جيش جرّار من «التملية» الذى يَكدُّون بلا توقف طوال عقود.. وبلا أجر.. وفقط فى المواسم.. كل ما فيها أن سيد الإقطاعية يتفضل عليهم بمقادير محدودة من الحبوب.. لا تكفى أُسرهم لأشهر معدودات بالضرورة.. وقطعة قماش رخيصة سنويا.. وغالبا كانت زرقاء.. «والهدمة الزرجا ساتراه».. ولأن الجوع يداهمهم يوميا بلا تردد.. كانوا يسرقون طعامهم وأسرهم لبقية العام بكل الحيل والسبل.. من الحقول ليلاً.. ومن المخازن كلما تيسر لهم.. وسط دائرة جهنمية من السرقة

كل الصغار يتحايلون على رقابة السادة ليستلوا أقواتهم من أى مكمن تخزن فيه الحبوب أو تنبت فيه الزراعات، أو شفطاً من الضروع، وإذا ضُبط أحدهم، وكثيرا ما حدث هذا، يتم التنكيل به كمرتكب الكبائر، ويُجلَد بلا رحمة، أو يعلق من رجليه بالمقلوب إلى شجرة، ويُجرَّس على الملأ ليكون عبرة وفزاعة لكل من تسول له نفسه بتقليده.. لكنهم لم يتوقفوا أبدا لأن الجوع لا قلب له.. وبلا نهاية..

أما الناظر «ألصّ رجال الوسية» فكان «يسرق بترفع»، وبالتواطؤ الدائم مع «الباشكاتب» ومن يعينونهم «أمناء» على «مخازن الحبوب» و«خُولى الأنفار»..

»الناظر» بحكم قربه من «صاحب الوسية»، وتعامله المباشر معه، وإظهاره الولاء بحرص شديد، يختار مساعديه بدقة واحتراف، والباشا لايملك غير الموافقة، فهو مقيم فى القاهرة ولا يعرف شيئا عن حقيقة أملاكه، ولا طريقة إدارتها، وإن كان يعرف الإجماليات، كم ألفا من الأفدنة يمتلك، وكم منها مزروعا بالقطن، وكم قمحا، وكم مخصص لبساتين الفواكه، لكن إيراد المحاصيل إجمالا يخبره به «ناظر الزراعة» أحد أعيان البلد «وكُبراتها»..

ولانتقاء المساعدين شروط متوارثة، باتت عبر قرون مثل «القانون الصارم»، «فالباشكاتب» لابد أن يكون خرب الذِمَّة، منزوع الضمير، ويضبط الحسابات بمعرفة الناظر وتوجيهاته، وبمعاونة «أمناء المخازن» و«الخُولي» والأرقام النهائية الملعوب فيها، وبها، تصب عند الناظر وهو الذى يبلغ الباشا بها لا غيره.. والباشا يفرح بالمحصول الهائل، وإن لفت أحد نظره لمنظومة السرقة، يغض الطرف عنها، حتى تسير أموره، وهو الغائب عن المكان لعشرة شهور فى العام على الأقل، لكنه بالمقابل لا يقبل تهاوناً أبدا من تمرد أيِّ من «التملية» مهما كان بسيطا.. ويأمر بتغليظ العقوبات عليهم بقسوة..

والحقيقة أن «منظومة الوسايا» هذه كانت جديدة نسبيا، فى تاريخنا الحديث، لكنها بديل أنظمة شبيهة سبقتها فى عصر المماليك، وما قبلها. فحين صعد «محمد علي» إلى القلعة، و«اعتلى دِكَّة الحُكم»، وتسلطن، قضى على المماليك فى المذبحة الشهيرة (1811)، وأراد السيطرة على البلاد بقبضة حديدية، أعاد توزيع أملاكهم من الأراضى الزراعية على أتباعهم من الخدم الذين أظهروا ولاءهم له، وتنكروا لسادتهم من المماليك، وتحولوا من مجرد خدم له إلى مُلاَّك كبار، ونافسوا «الباشا الكبير» فى إخضاع العباد والبلاد بأعنف السبل، واستنبات الأرض بأقصى طاقة، وجمعوا كل ما تطاله أيديهم، وصبِّه فى حجر«داهية القلعة»، فدعمهم بدوره، وباتوا يوسعون أملاكهم، بتأكيد عبوديتهم لإحساناته، وتراكمت الثروات فى خزائن الباشا ليحقق بها طموحه الهادر، وترامت أطراف وساياهم، وساد العنف، وازداد التملية بمئات الأضعاف، وتوحش الظلم، وأوحل الاحتلال البريطانى طين المباءة أكثر، بطلبه للقطن بشراهة، وانفتحت شهية الإقطاعيين على رياح الأرباح اللتى تهب عليهم كل عام من «لانكشاير»، وحين قامت ثورة يوليو كانت الأوضاع فى أسوأ حال، وضربت الوسايا فانهارت بسهولة لا تصدق، فليس أهش من دول الظلم، وأنصفت قطاعا كبيرا من الفلاحين. لكن «أصحابنا هؤلاء» بقوا على حالهم، ولم ينقذهم أحد.. نعم .. بقى «تملية الوسايا» كما هم لا يعرفون ماذا يفعلون بحالهم.. وسرحوا بالأجرة قدر استطاعتهم، إلى أن طعنوا فى السن، وخارت قواهم، وتراصوا بجوار الحائط، ينتظرون قدرهم كما رأيتهم فى السبعينات، وإلى أواخر الثمانينات..

كان الناظر يستولى على نصيب الأسد من المنهوبات التى لا تُذكر فى الدفاتر من أصله، ويليه الباشكاتب الذى لفَّقها، ورتَّبها وفق أصول الوارد والصادر، ثم أمين المخزن الذى يشاركهم النهيبة بمنطق «طبَّاخ السم يذوقه»، و«الخُولي» الذى يُزوِّر عدد الأنفار مستحقى الأجرة من غير «تملية الوسية»، و«له عالراس قد كده»..

والأمور كان يتم تستيفها بينهم بتواطؤ مريب، لينعموا ببيوت مريحة، ويعيشون فى بحبوحة، ويتمتعون بسطوة اجتماعية نافذة، فترى الناظر منهم يركب «الكارتة» مختالا كأنه الرزّاق، يهتز « زِرّ طربوشه الأحمر» بزهو مع رجرجات العربة، وهو محض لص، ويجرى بجواره «التملى التابع» مهرولاً لمسافات طويلة جدا يوميا، حافياً مغبراً، فقط ليستند إليه الناظر فى «طلعته ونزوله».. وإذا استغنى يوما عن «الكارتة» واستخدم الحمار يجرى «تابعه» خلفه أيضا ممسكا «حياصة البردعة» موفقاً إيقاع هرولته مع سرعة الحمار.. وعند التوقف يتكئ الناظر عليه بكل ثقله، على ألَّا ينوء التملى بحمله مهما ثقل وزن جسده المترهل..

وفوق كل هؤلاء «الباشا الإقطاعي»، صاحب الأبعادية المهداة إلى جدوده من «الباشا الكبير» صاحب مصر، يسرق عرق الجميع، لينعم بحياة مرفهة إلى أقصى الحدود، بين عدة سرايات يمتلكها هنا وهناك، واحدة أو أكثر فى القاهرة مستقرا رئيسيا له وللعائلة، وواحدة فى الاسكندرية للمصيف ومرافقة الحكومة حين تنتقل إليها شأن كل أثرياء مصر وقتها، وسراية أخرى فى عاصمة المديرية التى تضم حيازاته الزراعية، بجانب سراية فى القرية الرئيسية التى يمتلكها ومن عليها..

وتصاهرت تلك العائلات الإقطاعية بتوسع من عصر «الباشا الكبير» ليتساندوا، فامتزجوا وتداخلوا، وشكّلوا قوة إجتماعية وسياسية واقتصادية هائلة، كانت تتحكم فى الانتخابات، وتشكيل الحكومات واالبرلمان والأحزاب علانية برعاية قصرى «عابدين والدوبارة»

وكان «التملية التعساء» هناك فى ذيل القائمة، لا يظهرون على أية خارطة، ولا يدخلون فى أية حسابات، ولا يتذكرهم أحد إلا إذا رفعوا أصواتهم لفرط الجوع، أو مدوا أيديهم إلى شئ يقتاتون به، وهو فى الحقيقة من نبت عرقهم، لكن السادة ساعتها، بتراتبيتهم، كانوا يتكالبون عليهم لمعاقبتهم، جزاء اعتداءهم على أملاك الباشا

إلى أن قامت «ثورة يوليو» التى كانت وبالاً على تلك المنظومة الغاشمة، القائمة على السرقة والنهب المنظم لـ «فائض القيمة» المهول لإجمالى الشغيلة فى كافة أنحاء مصر، واكتسب مشروعية وقوة بالتقادم، ودعم الأسرة المالكة والاحتلال، ومن خلفه «رأسمالية متوحشة» استمرأت نهب ثروات الشعوب، ولغَّت فيها لثلاثة قرون متصلة بلا رحمة..

حتى تلك الثورة التى حطمت هذه المنظومة، وحاولت تحقيق العدالة، نسيت قطاعا كبيرا من هؤلاء التملية، فلم يجدوا أُفقاً يستوعبهم، ويقيهم شر العوز، فجلسوا فاغرى الأفواه بجوار حوائط الإهمال، لا يلوون على شئ، ولم يلتفت إليهم أحد حتى ابتلعهم الغياب تماما.. وأطفئ المشهد..

كنت أقرأ عليهم الفاتحة فى سرى كلما ذهبت إلى المقابر لأنى لا أعرف أسماءهم.. ولا أماكن دفنهم..

لكن الموجع بحق.. أن مشهدا جديدا.. انفتح على «التملية الجُدد» أحفاد الراحلين.. وهم هذه المرة.. بالملايين.. وفى عز شبابهم.. واكتسب الإقطاع صورا جديدة.. وزخماً أعمق لؤماً وشراسة، وبقدرات أكثر شراهة!!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق