رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رق الحبيب
قصة من جدارية « نهر المجانين»

محمد المخزنجى
«يقينا إن السعادة ليست كما يقولون، تستمر لحظة ولا تُعرف عندما تُمتلَك إنما عندما تنتهي. الحقيقة أنها تستمر باستمرار الشعور بالحب، لأن استمرار الشعور بالحب حتى الموت، أمر جميل «

( من مسرحية جابرييل جارثيا ماركيز الوحيدة « خطبة لاذعة ضد رجل جالس» )


« طلع عليَّ النهار / سهران فى نور الأمل

وغنت الأطيار / لحن الهوى والغزل

وفضلت أفكَّر فى ميعادى / واحسب لقربه ألف حساب

وكان كلامى مع صحابى / عن المحبة والأحباب ».

فى ذلك الوقت الظليل الناعم بين العصر والغروب كان «قصب» يغنى بين أشجار المانجو العتيقة فى حديقة « المصحة» الداخلية. إنه وقت إدخال الألفى مريض إلى عنابرهم بين أسوار « قسم الرجال» ليتناولوا جرعة المساء من أدويتهم المهدئة والمنومة، ويهجعوا فى مراقدهم مع حلول المساء ثم يبتلعهم النوم حتى مطلع الصباح. الشيء نفسه يحدث مع الألف مريضة ومائة وخمسين طفلا داخل أسوار « قسم الحريم». ولا يبقى طليقا خارج أسوار العنابر غير بضعة مرضى من الذين أمضوا سنوات طويلة نزلاء المكان، تم تصنيفهم «هادئين ومستقرة حالاتهم ولا يمثلون خطورة على أنفسهم ولا على الغير»، فتُركوا ليهيموا بسلام خارج العنابر وخارج أسوار الأقسام حتى أول المساء، ومن تلقاء أنفسهم يعودون إلى عنابرهم مع تحول الزُرقة إلى دُكْنة تلمع فيها نجمة أو نجمتان، يتناولون من ممرضى الليل جرعة آخر النهار، ويخلدون للنوم فى دعة.

هم أيقونات الألفة والبؤس فى هذه المصحة القديمة المترامية. لعل أشهرهم « قصب رق الحبيب»، تبعا للاسم الذى يشتهر به فى المصحة، فهو مطرب وموسيقار المصحة الذى لايعزف على أية آلة بعد أن حطم آلته فى هياج فاصل أوصله إلى المكان منذ عشرين سنة، ومنذ عشرين سنة وهو لايشدو إلا بأغنية وحيدة لايغيرها وإن كان يلونها بألف لون ولون، وكل لون صار بشيرا أو نذيرا، لم يفشل أبدا فى التنبؤ بالقادم أو الموشك على الحدوث، سواء كان أحداثا عامة أو خاصة، أو حتى تقلبات فى المناخ. وكان المقطع الذى يشدو به من أغنيته الوحيدة فى ذلك الأصيل بحديقة المصحة العتيقة واضح التفاؤل، ومليئا بالوعد، ليس بمحتوى كلماته فقط بل أيضا بطريقة غنائه هذه الكلمات.

أى بهجة تبشر بها هذه البصيرة المجنونة فى كل هذا البؤس والغرابة والجنون؟ طاف التساؤل بذهن الطبيب الشاب المناوب أحمد يوسف بينما كان اللحن يتضح وهو عائد إلى غرفته فى سكن الأطباء. يُطِل السكن بواجهته على حديقة المصحة الداخلية. حديقة المانجو والكافور العتيقة التى كان قصب يهيم فى دروبها المغطاة بركام ورق الشجر اليابس المتساقط على امتداد عشرات السنين. أى بهجة فى كل هذا البؤس والغرابة والجنون. تكرر السؤال فى ذهن الطبيب الشاب الذى كان منهكا بعد يوم شاق ابتدأ بحالة نادرة لهروب جماعى فى الليل من عنبر يقع تحت إشرافه. ثمانية وعشرون مريضا من عنبر واحد اختفوا بطريقة شديدة الغموض، تُعرِّضه لتحقيقات داخلية بدأت بالفعل وتحقيقات فى النيابة يتوقع أن تبدأ قريبا، ولا يعرف متى ولا كيف ستنتهي.

أى بهجة؟ تساءل الطبيب بمرارة وعناء وهو يدخل غرفته الشاسعة ذات السقف الخشبى بالغ الارتفاع فى الفيلا الخشبية الضخمة العتيقة، كانت سكن أول طبيب أنجليزى أدار المصحة منذ مائة عام، وصارت سكنا للنواب « السنيورز» الموشكين على الترقِّى إلى أخصائيين، وكان أحدهم. دخل غرفته وأغلق بابها الثقيل وارتمى على سريره المجاور للنافذة العجوز بالغة الطول، المطلة على حديقة خلفية صغيرة مرشوقة بأشجار المانجو العتيقة المُطعَّمة بأفرع جوافة لم تثمر. كان يود أن يُخلى ذهنه للتفكير فى حادث الهروب الجماعى الغامض وما سيترتب عليه، ماذا يمكن أن يسألوه فى النيابة؟ وبماذا يجيب؟ لكنه بدلا من ذلك وجد نفسه مشدودا إلى غناء « قصب» الآتى إليه عبر شقوق أخشاب الفيلا بالغة القِدم، مُهدهِدا يغسل تعبه كأنما بمطر لطيف دافئ. يوقظ فى نفسه ذكريات حب ضائع، عاشه طالبا بجموح، وانتهى به هادئا حزينا وإن ظل سريع الاشتعال الداخلى تحت غطاء هدوئه.

وجد نفسه يوغل فى استعادة أسطورة «قصب» التى تحرَّاها بشغف منذ رآه نزيل أحد العنابر التى يشرف عليها..

«فؤاد إسماعيل إبراهيم فلفل » هذا هو اسمه الحقيقى الذى لاينساه. كان مدرس تربية موسيقية بإحدى المدارس الإعدادية بالمنصورة. ولم يكن مدرسا عاديا للموسيقى بل كان أحد رهبانها المخلصين. تزوج الكمان الذى كان يجيد العزف عليه. وأنجب عشرات الأناشيد والألحان التى شدا بها كورال مدارس المحافظة فى عدة مناسبات حضر بعضها وزراء، ونال جوائز عديدة من مديريته ومن وزارة التربية والتعليم. وكان يُخبِر من يُحِس بالاطمئنان إليه أنه المؤلف الحقيقى لأكثر من لحن شهير لمطربات ومطربين ذائعى الصيت، ويؤكد أنه المُصحح السرى لعشرات الألحان التى تُذاع فى الراديو وفى التلفزيون.

كان من الشاردين أبدا الذين يفتحون عيونهم على اتساعها دون أن يُبصروا مايدور حولهم. والتقط شياطين التلاميذ هذه السِمة لديه واستثمروها، فبينما كان يغرق فى العزف على كمنجته الأثيرة متمشيا بين صفوف دِكك الأولاد، كان مطر الأقلام الحبر يصيب ظهر ِبذلاته الشركستين فاتحة الألوان التى كان يرتديها فى الصيف كما فى الشتاء. وابل من النقاط الزرقاء والسوداء والحمراء والخضراء تبعا للون كل بذلة كان يصيب ظهره، وكأن هؤلاء الشياطين اجتهدوا فى تنويع ألوان حبر أقلامهم لهذه الغاية لاغيرها!

كان طويلا عريضا ضخما متورد الوجه جاحظ العينين خلف نظارة طبية سميكة، تبدو كمنجته صغيرة كلعبة بين يدى عملاق، ويصير استغراقه فى العزف عليها مثيرا لضحك الأولاد وباعثا على شيطنتهم. وكان ينتقم من ضحك الأولاد وطلقات الحبر التى رقطت ظهر بذلته الليمونية أو الوردية أو السماوية أو الكريمية بأثرٍ رجعى وهجوم استباقى معا. يخرج من الفصل أو الفصول المجرمة التى شوهت ظهر بذلته بنقاط الحبر، وينبهه زميل فى غرفة المدرسين إلى ماأصابه، فيدخل الفصل التالى مشتعلا..ينفجر كعاصفة نارية لأوهى سبب وبلاسبب، وينهال ضربا على الأولاد الذين لم يرتكبوا شيئا بعد بينما يشتمهم بثلاثيته المعهودة « سفلة. أوباش. بهايم». يضرب بقوس الكمان واللكمات والركلات والصفعات فيتصاعد الصراخ المُبالَغ فيه والضحك الذى يؤجج العاصفة. ومع هزيم الصخب يُقْبِل ناظر المدرسة مُسرعا مع الوكيل والسكرتير وعُمال الإدارة للسيطرة على الهيجان المُنذر بهدم المدرسة، يُهدِّئ الأستاذ ويُسكِت الأولاد، ويحل الوئام إلى حين انفجار جديد.

عندما رحل الموسيقار محمد القصبجى اختفى الأستاذ فلفل وظهر بعد شهرين معلنا أنه محمد القصبجى نفسه ولا أحد غيره. صار يحلق شاربه صغيرا على نمط شارب القصبجى ويرتدى نظارة مدورة مثله، بل كان يسفط خديه الرغدين ليحاكى ملامح وجه القصبجى العظمية النحيفة. أخذ يروى لكل من يعطيه أذنه عن مكانته الخاصة لدى « ثومة» التى تناديه تدليلا « قصب « ويؤكد أنه هو نفسه الشخص الذى يظهر مُمسكا بالعود وراءها ويقود فرقتها بإشارات خفية لايفهمها إلا العازفون، وبإشارات مماثلة يوجِّه « الست» إذا خرجت بها قمة السلطنة عن اللحن ويعيدها إليه. وكان يجمع كل مجلة وجريدة ظهرت أو تظهر فيها أم كلثوم ووراءها القصبجي، مُكوِّنا منها أرشيفا لايفارقه يوثِّق به كلامه ويرد على المُتشككين. ما الذى حدث فى هذين الشهرين من الاختفاء الغامض وقلب حال الرجل؟ سؤال لم تُجب عنه القصة المرضية فى « الشيت « الذى مضت على تحريره عشرون سنة عند إدخاله المصحة. واستفز السؤال فضول الطبيب الشاب فى بداية عمله فتجشم عناء السفر إلى المنصورة عدة مرات، وتنقل بين أماكن عديدة فى القاهرة، مُتعقبا ما لم يتلاش من سيرة الرجل فى ذاكرة من عرفوه، ليجيب على السؤال الذى حيَّره.

لم يُضِف الطبيب ما جمعه إلى القصة المرضية القديمة فى «شيت» الدخول، بل فعَّله لتشخيص ما انتهى إليه « قصب» الذى لم يعد يراه « حالة مرضية عقلية» بل «وضعا إنسانيا تكيُّفيا» ضمن مفهوم « تعدُّد السوية»، فهو سوى وإن صار مختلفا، طالما أن اختلافه لايؤذى أحدا ولا يؤذيه هو نفسه، بل يحفظ عليه ما تبقَّى من نفسه. صارت لدى الطبيب الشاب قناعة لم تكف عن النمو والثبات بشأن المرضى « المزمنين» الذين استقرت أوضاعهم بعد عشرات السنين على الهدوء والضعف الموشَّى بهلوسة هنا أو توَهُّم هناك. أضحى مؤمنا أن أية محاولة لتخليص مثل هؤلاء الناس من أوهامهم وهذياناتهم وهلاوسهم، هو إعدام لما تبقى من أرواحهم التى صارت تقتات بفتات هذه الأوهام والهلاوس والهذيانات، تؤنس انفرادهم الموحش داخل فقاعات تكيُفِيَّة تبقيهم على قيد الحياة. وليس تجريدهم من هذه الفقاعات بالعقاقير المُخمِدة للأوهام والهلاوس والهذيانات إلَّا حُكماً بإعدامهم كربا أو كمدا أو هياجا مُدمِّرا يُعجِّل بالموت. وفيما يشبه استجابة لنداء ثورة داخلية عارمة على الطب النفسى الشائع، أوقف الطبيب إعطاء الأدوية النفسية لقصب دون أن يستشر أحدا، ودون أن يُخطِر الإدارة بما اتخذه. وخامره شعور غالِب بالانتصار وهو يرى أن نبرة الفرح البازغة فى غناء قصب لرق الحبيب بعد عشرين سنة، إنما ترجع إلى إيقاف هذه الأدوية؟!

...

قبل عشرين سنة، وفى أول بروفة تجريها أم كلثوم مع فرقتها الموسيقية بعد غياب القصبجي، استطاع الأستاذ فلفل أن يصل إلى دارها فى الزمالك. الفيلا المطلة على فرع النيل الصغير بحديقتها المزهرة والمورقة فى 5 شارع أبو الفدا. وأمام استقتاله على باب الفيلا ورفضه أن ينصرف تم إبلاغ أم كلثوم بأن موسيقارا يريد مقابلتها لأمرٍ هام وترك لها صورة من بطاقته تؤكد أنه « مدرس أول موسيقي» من المنصورة. رحَّبت به أم كلثوم، وكاد يتعثر ويهوى وهى تمد يدها لتسلم عليه مدهوشة من ضخامته. أدخلته فى فترة الاستراحة بالقاعة التى خصصتها لتُجرى فيها بروفاتها بكامل فرقتها. وحاولت أن تستوضح منه ماهو الأمر الهام الذى طلب لقاءها من أجله. ووضح لها من ارتعاش صوته وتلعثمه وحيرة عينيه وهو يحاول الإجابة على سؤالها بكلمات مبهمة، أنها أعز أسرار عمره ونبض فؤاده. حبه الأوحد.

لم يغب عن أم كلثوم اللماحة عمق عاطفة الرجل وقررت أن تعطيه وتعطى نفسها فرصة. كانت تعرف بخبرة السنين الطويلة ولوعة قلب الفلاحة الكتوم الذى لم يسبر أغواره أحد أنها كلما كانت تغنى وسط محبين كلما كان الغناء أشجى وأعلي. لهذا مكثت مُحتفظة بتميمة القصبجى خلفها لآخر لحظة، برغم نوبات شروده الأخيرة وضياعه بعيدا عن اللحن؟ كان شروده لايخيفها فكل الألحان طوع براعتها الساحرة وهبة حنجرتها عزيزة الندرة. وعلى عكس ماكان يُشاع لم يكن القصبجى هو من يرُدَّها إلى اللحن بإعطائها نغمة « الدومين» إذا خرجت عن الإيقاع أو الرتم عندما تتجلى وتتسلطن فى الغناء. كان إبراهيم عفيفى جِنِّى الرق العجوز هو أشهر من قاموا بهذا الدور وتلاه محمد عبده صالح عازف القانون البارع. أما القصبجى أحد أساتذتها وأصدقائها الأوائل، فكان هدهدةً أنيسةً لأكثر ما كان يخيفها، أن تكون مهجورة من الحب حتى لو كان هالات أرواح مُحِبة تطوف حولها كروح القصبجى الذى كان يطمئنها وجوده، وتوقن أنه مهما شرد بعيدا يظل قريبا منها أقرب مايكون.

رأت أم كلثوم فى عينى الموسيقى العملاق المرتبك أمامها وعد تميمة حب جديدة تحمى ظهرها. وعندما سألته عن الآلة التى يعزف عليها وأخبرها أنها الكمان، تضاعف تفاؤلها بالوعد لمعرفتها أن صوت هذه الآلة هو الأقرب إلى الصوت البشري، وهو بطانة السلطنة والتجلى والتجويد لدى أى مُطرب طموح. طلبت منه أن يعزف. وفى تسرِّع مرتبك اختار الرجل كمانا من أقرب العازفين إليه وكان ضئيلا نحيفا بشكل لافت، وكمنجته من نوع « الميني»، المُصغَّر بمقياس النصف، وهى آلة كاملة الأوصاف لمن اعتاد العزف عليها، لكن الأستاذ فؤاد لم يكن معتادا على هذا الحجم ولا حتى على حجم الثلاثة أرباع الذى يكبره. هو لم يعزف أبدا إلا على الكمان من الحجم الكامل مقاس 4 على 4، وإن ظل صغيرا مقارنة بحجم جسمه هو. ثم إنه تهوَّر ذاهلا واختار أن يعزف على الآلة المُصغَّرة لحن « رق الحبيب» ذى التنوع النغمى الباذخ والانعطافات الهارمونية المُركَّبة.

ما أن استراح خده على مسند الكمان الصغير وعفقت أصابعه «فرسة» الآلة فوق الأوتار حتى هوي، وكان البئر الذى يهوى فيه عميقا معتما وبلا قرار. كانت مسافات تدرُّج النغمات على عنق الكمان « الميني» ضيقة كثيرا على حركة أصابعه الضخمة. وكان وجهه الرغد يغطى معظم صندوقها فيكتم الرنين ويكبل اهتزاز الوتر تلو الوتر. نشَّز. وكلما نشَّز يضطرب وتجحظ عيناه مزيدا ويُعاظل فى العزف فيُنشِّز أكثر. لم تكن الآلة الصغيرة برغم كمالها تعينه وكان قوسها لايحتمل ثقل ذراعه، فراح مُحتشدا يستعين بجسده الطويل العريض متلويا ليسيطر على حركة القوس فوق الأوتار لعله يعوِّض العفق الضائع.

كان يرقص رق الحبيب لا يعزفها، رقصا متشنجا يهز بدنه الوفير ويقلص ملامحه ويجعل عينيه توشكان على القفز من محجريهما. وبدأ أفراد الفرقة الذين يرمقونه يكتمون ضحكهم بصعوبة، وترى أم كلثوم وجوههم التى توشك على الانفجار احتقانا خلف العملاق المتراقص أمامها فتسيل دموعها من شدة الضحك الذى تكتمه بصعوبة هى الأخري.

لمحها الأستاذ فلفل فواصل العزف بينما قلبه خلف الضلوع يحترق. وعندما رفعت أم كلثوم يديها لتصفق جابِرة خاطره ومومئة إليه أن يكتفى حبكت معها « القفشة». نقطة ضعفها التاريخية ورمز قوة روحها أيضا. قالت: « عزفك حامى قوى .. حرحرت قلوبنا ودمَّعت عيونا يافلفل.. أفندي» فانفجر الضحك من خلف ظهر الرجل. فرقة كاملة كانت تضحك. انتفضت أم كلثوم لتمنع الكارثة لكن انتفاضتها جاءت متأخرة. كانت قد أشارت لأعضاء الفرقة بيدها المفزوعة وملامحها النادمة أن يكُفّوا، فكَفّوا. وهبط على المكان صمت ثقيل كأن كل من فيه كتموا حتى أنفاسهم. لم تكن تريد غير ثوان تعتذر فيها للرجل، وكانت ستعتذر بكل جوارحها وتوقن أنه سيقبل اعتذارها وربما سيفرح به ويُفرحها لو توقف. لكن الكيان الضخم أزاحها من أمامه كريشة مُترنحة وهى ترجوه أن ينتظر. انطلق سهماً مشتعلاً يخترق ردهات الفيلا وبوابتها وشارع أبو الفدا والزمالك كلها. كان يجرى متلفتا كمن يطارده قاتل غير مرئى على كوبرى أبو العلا. وواصل جريه وتلفته قاطعا أكثر من مائة وعشرين كيلومترا دون توقف حتى وصل إلى بيته فى المنصورة قُبيل الفجر، حافيا، مُقرَّح القدمين، متربا، ومُشعث الثياب، بمعجزة لا شعورية.

دخل شرنقة غامضة فى بيت انفراده طوال شهرين لم يره فيهما أحد ثم خرج: « قصب «. قصب الذى يغنى رق الحبيب بألف لون وطعم وحس ومعنى واختراقٍ للحُجُب. وهاهو يغنى بعضها اليوم فى أصيل المصحة الأسيان بفرح مُرتعش. فماذا وراء هذا الفرح الذى يرواغ الأسي؟ كان الطبيب الشارد متمددا فى سريره بجوار النافذة الطويلة المطلة على الحديقة الخلفية المرشوقة بأشجار المانجو العجوز المطعمة بالجوافة العاقر، يدوِّخه السؤال.

البقية

الأسبوع القادم

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق