رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شجن عن قطار العشاق

منير عامر
امتد الشاطئ أمام عيونى لأرى العناق الذى لا وجود له ؛ عناق تلاقى السماء بسطح البحر . واندهشت لوردة تتلاعب أورقها وهى سابحة فوق الحواف البيضاء للموج المتسارع، وكأن الوردة تقفز حالمة لتسكن السماء بينما هى محاصرة باللهث ، فلا هى مستقرة ساكنة ولا هى صاعدة واصلة إلى ما تحلم به. كانت السماء متراقصة الألون ، فلا هى زرقاء صافية ولا هى رمادية بزحام السحاب.

وغمر الخيال مشهد قطار مكون من قطرات السحاب يظهر فى السماء؛ قطار كل ركابه من العشاق الذين أرادوا الاحتفاظ بحق التعبير عن السعادة فرحلوا بعيداً عن الأرض وصعدوا حيث رحب بهم القطار الوهمى ، وتركوا بيوتهم وأعمالهم إلى خارج الخيال وجاءوا حيث اجلس الآن على الرمال ، ليغرقوا معى فى أمواج بحر احلام لا تتحقق ؛ أحلام غسل الأعماق من أحزان العمر.

........................................

ويمكن للمتأمل مثلى أن يتساءل لماذا تصنع إستراحة فى خيال لا واقع له ؟ ثم سؤال لا إجابة عليه : هل يمكن إصلاح هذا الخلل الجسيم فى علاقة الإنسان بتفاصيل حياته الممنوحة له من قبل الظروف الحياتية باكملها ؟.

هل هناك عمل تنسجم وتتوازن فيه مواهب الإنسان مع مطالبه فلا يحيا مع مشاعر الإهدار؟.

لم أتلق إجابة على سؤالى ، فقط رأيت الحزن البادى على وجوه العشاق فى القطار يقول لى حقيقة واضحة هى أن للندم ملامح.

وتصير ملامح الندم قناعاً يرتسم على كل الوجوه.

وصرخت فى أعماقي.. يا كل العشاق لماذا هذا الندم؟.

ولم يسمعنى أحد. ولم أتلق إجابة.

حدث كل ذلك وأنا واقف أمام « عين ماريا «، وهى نقطة على كورنيش سيراكوزا تلك القرية التى تقع فى جزيرة صقلية . بقعة من الأرض الغربية التى لا يعرف العلم تفسير ما يحدث فيها. فهى عين للمياه الحلوة توجد مباشرة على حافة البحر المالح. وها هو ذا نبات البردى والبوص والأوز يعوم فى هذه العين الحلوة المياه، وتسبح فيها أسماك لا تعيش إلا فى المياه العذبة، وعلى حرف العين مباشرة تكون مياه البحر المالحة.

كيف توجد عين المياه الحلوة بجانب المياه المالحة، فهذا مالا يعرف له أحد سبباً. ويقال إن فتاة ذات جسد من أوراق الياسمين الرخصة أحبت فارساً لكنه هزم فى مواجهة أعداء قدامى وجاءه الموت فآثرت أن تغرق نفسها فى مياه ومنذ أن ذاب هذا الجسد فى المياه وهو يقوم بتنقية المياه من الملح.

..............

وأقف أمام بحيرة الماء العذب فى سيراكوزا وأرى صورة العذراء الغارقة فى المياه، إلى أى حد دفعها العشق لإنسان ما إلى أن تقبل على الموت ولا ترضى أن يلمسها أحد غيره، وأعرف من وقائع التاريخ أن هذا الميناء شهد من قبل تجمع العبيد فى روما القديمة، عندما ثار سبرتاكوس الأبيض رافضا مصارعة عبد مثله يختلف عنه فى اللون ، فهو عبد أسود ؛ فكان هذا هو أول تمرد من إنسان على التفرقة، وهناك فئة ارقى من العبيد هم السادة . وعندما رقض سبارتكوس قهر عبد مثله، صرخ مناديا أمثاله من العبيد فتجمعوا فى ثورة ضد الأسياد، واستطاعوا هزيمتهم . ثم تجمع العبيد فى أحد موانئ صقلية يطلبون الإبحار إلى بلادهم. ومن بينهم كانت هناك امرأة قد عشقت سبرتاكوس، وحملت منه ابناً وفرت فى جنح الليل إلى المجهول حتى لا يعرفها أحد. إنها نفس المرأة العاشقة التى عرفت فى رجل بسيط إمكانات عناق الحياة. جارية بالتاريخ حرة بالأعماق، ققد سبق أن رفضت ذهب السيد النبيل الذى حاول أن يشتريها وأن يحتضنها. لقد عرفت هذه المرأة التمييز بين المدافع عن مستقبل الآخرين فأحبته وعرفت لص حريات الآخرين فاحتقرته. لكن ما بالنا فى هذا الزمان نسمع عن امرأة تبيع نفسها لكل من يستطيع أن يهديها شيئاً مصنوعاً من جماجم الآخرين، وليل المدن الكبرى يزدحم بنواد ليلية ترى المال المنهوب وهو مسفوح على أقدام نساء من رجال ليسوا رجالاً على الإطلاق وأيضاً النسوة لسن نسوة على الإطلاق.

وتنفجر فى رأسى قصيدة لأراجون الشاعر الفرنسى الذى عرف الإسلام بأدق تفاصيله حين درس تاريخ الأندلس؛ وأحب امرأة واحدة هى «الزا» ودافع الاثنان عن حرية فرنسا. قال الرجل فى قصيدته: إن البشرية لم تنتظر «كرستوفر كولمبس» السارق لخرائط عربية الصنع وإكتشف بها أمريكا، وترك البشر «كرستوفر كولمبس» ليخترع أحدهم «رقصة الستربتيز» وكان أول تدريب على تلك الرقصة حول نافورات البيوت فى غرناطة حين إرتدت الجوارى زياً فضفاضاً يكشف عن كل الجسد؛ فعندما تخطو الراقصات لتمثيل أغماء العشق تتفتح الملابس الفضفاضة عن الأجساد كما تتفتح الزهور ويشاهد الخامل الذكر حاكم الأندلس تاريخياً هذا المشهد فيحس بالسعادة، وتدخل خيول الإفرنج إلى القصر فيأخذون الراقصات سبايا ويبقرون بطن الذى ادعى أنه رجل.

لكن امرأة واحدة رفضت أن ترقص أو تحتضن رجلاً غير حبيبها.

ثم وقف بجانبها رجل واحد رفض أن يغرق فى زيف اللذة ووقف بالمرصاد للجيوش وحارب وحارب حتى مات وحيداً، رأته امرأته بعد أن مات وجاءت إليها عيون الشهوة من أجساد الجنود المقتربة منها، هنا أطلقت المرأة ساقيها للريح وأغرقت نفسها فى البحر فصار موقع غرقها عين مياه حلوة وسط بحر مالح المياه.

وحول عين المياه العجيبة يجتمع كل من يمر على سيراكوزا حالما بالأمل فى صناعة واقع مختلف. هنا تتجمع قلوب الناس حول الأمل فى صناعة مستقبلهم كما تتجمع برادة الحديد إلى المغناطيس والعودة إلى تذكار الماضى بما فيه من ألم ويأس . لون من تبديد الطاقة والحذر من الوقوع فى منحدر الوهم ؛ لعل أى منا ان يتذكر الحقيقة التائهة وهى أن كل كائن بشرى إنما يتنفس الهواء ثم ينظر فى مرآة الزمن ليرة لنفسه ثلاثة وجوه, الماضى وجه من وجوه الزمن والحاضر وجه آخر يمكنه أن يشهد موتنا أو نقتل نحن بتضافرنا لمواجهة حاضرنا؛ أما الوجه الثالث فهو وجه الحلم الذى لا يصير واقعا.

والحديث عن الأمل ليس هو الأمل نفسه، فالأمل أكثر روعة من الحديث عنه لكنه ليس كالحديث عن الحب ؛ فالحب أكثر روعة ولوعة حين نبدأ فى الحديث عنه.

..............

عين ماريا مازالت تتفجر بالماء العذب وتصب ماءها الرقراق فى البحر.

ويمتطى الأوز بعض من أوراق البردى سابحا فى البحيرة كشاهد على أن امرأة ذات عشق نادر أغرقت نفسها فى هذا المكان حتى لا تسلم نفسها لأعداء حبيبها.

ومازلت أذكر حواراً بين عاشق عجوز وحبيبته العجوز فى رواية «الحب فى زمن الكوليرا» لماركيز.ولا أعرف لماذا قرر خيالى إختراع حديث مخالف لما وقع بين العاشقين . سألت عيون العاشقة العجوز وعاشقها العجوز الذى تهدل من فرط عشقه لحبيبته وكان ينتظرها على طريقة غريبة، كان يغرق فى أحضان غيرها من النساء. ولم تعلم المرأة أن حبيبها خانها من قبل، قالت له:

لم أسمع عن علاقة لك بغيرى من النساء، فقال بصوت لا يرتعش:

لقد احتفظت بعذريتى من أجلك.

وكان كاذباً وصدقت هى كذبه. وجلسا معاً فى انتظار الموت لأنهما قررا الحياة العاشقة بعد فوات الأوان.

وألقيت وردة فى يدى إلى قاع البحيرة العذبة المياه ورأيت الأوز يلتقط أوراق الوردة ليطعم بها نفسه، وتلاطمت أمواج البحر على حرف العين العذبة ولم تتلامس مياه الملح مع مياه النبع الصافى أبداً. ويتبخر من البحيرة والبحر قطرات مياه تصنع قطار السحاب المزدحم بالعشاق المكسورين فيعلو من العشاق سؤالا

ـ ماذا تقتل المدن حق العاشق فى احتضان حبيبته؟

سمعت أنا السؤال لكنى لم أتلق إجابة رغم أنى كنت العاشق وكانت لى حبيبة تمرق كالسمكة الشاردة مني.ولم تفهم أنى لا أحترف صيد الأسماك؛ لأن أعماقى كالبحر الشاسع مترامى الأطراف الذى لا أعرف لنفسى به حدودا,

..............

وتعلقت عيونى بنجم أطل فى السماء رغم ضوء النهار . أخذ النجم عيونى إلى مدينة هى خليط من ملامح الإسكندرية القديمة والمنصورة القديمة فاللون الأخضر المزدهر بألوان الزهور هو السيد الأساسى للطبيعة، والبحر يمتد إلى عناق الأفق تحت أقدام المدينة والمطر يتساقط ليغسل وجه تمثال لرجل قيل عنه إنه أخذ من نساء العرب ألفاً وخمسمائة امرأة من السبايا فى حرب ضارية، فقد عاش العرب سلسلة من الهزائم القديمة عندما التفتوا إلى غنائم الحياة فى ضفاف أوروبا. ولم يلتفتوا إلى أن اوربا إرتقت بما تعلمته منهم ، فكثيرا ما رفعت أوربا عيون الدهشة لتتعلم من العرب فنون الأمل والعمل فأستولت أوربا على سلطان العلوم ، وقدمت الكرة الأرضية إستقالتها من عشرة قرون عربية الطابع . وأخذت أوربا تضحك من رجال العرب حيث جلس كثير منهم ، العرب؛ ليحسب كل منهم ثروته وعدد نسائه ومساحة أراضيه ولم يعد يهتم بالمجموع العام، , كان رنين الذهب وراء كل هزيمة ومع رنين الذهب كان أيضاً هناك خصر امرأة لرجل لا يملك طاقة اقتحام للأمل، بل يفضل اللذة على الأمل.

نظرت إلى البحر وقلت للأمواج: ذات يوم كنت عربية الأعلام أيتها الأمواج.

ولأن الأمواج لا تسمع ولا تري؛ بل تسير بقوانين المد والجزر لذلك انسحبت من تحت أقدامي. وتعلق سؤال فى صوت الموج :

ـ ألا يوجد قانون يرضخ له كل كائن ؟

ضحكت لأن بينى وبين القانون رحلة من عدم الثقة، فبعض من رأيتهم من المستشارين القانونيين هم من نسل القاضى بجير فى مسرحية أستاذى صلاح عبد الصبور «مأساة الحلاج» ؛ يسمع أى منهم رنين الذهب حين يصدر حكما لصالح السيد ، فكأن مهمة رجل القانون هو تفصيل اللوائح ليصنع منها كرباجاً يلسع به كل من يقف فى وجه السيد ، فيضحك السيد وهو يحتسى خمره فى جمجمة الخصم كما روى شاعرنا امل دنقل ؛ ليقول صوت المقتول

ـ يا قاتلى إنى صفحت عنك .. فى اللحظة التى استرحت فيها مني.. إسترحت منك..

وتجربتى مع القانون أيضاً تجربة قاسية بعض الشئ، ففى طفولتى رأيت فى أكتوبر - شهر جمع القطن – سيدة تركية الميلاد، أخذت الجنسية المصرية بالزواج وهى تقيم الحجز على قطن عم لى فلاح لا يملك غير قطنه، ولا يستطيع أن يدفع إيجار الأرض ويزوج البنات، وقمت بمواجهة السيدة التركية ومنعتها من أخذ قطن الفلاح المرهق، وكانت السيدة التركية زوجة عمدة قرية ابى، وكانت تحجز على عمى الفلاح لتحصل على إيجار الأرض ؛ صارخة فى وجهى « من أين أدفع ثمن تعليم أبنائى فى المدينة ؟ ولم املك إجابة لسؤالها ، فقد كانت الجرائد ايامها تتحدث عن بيع سكرتير حزب الوفد لقطنه بأسعار ضخمة وبعد أن اتم صفقته ؛ هبطت أسعار القطن ليشعل كثير من الفلاحين النار فى محصولهم.

ويستمر خيالى فى إستعراض بعض من تجاربى مع القانون فارى بعيون التذكر رجلاً يركب سيارة فيات قديمة وصغيرة جداً وتقفز من فوق سيارته سيارة نقل للبنزين ومات الرجل فى تلك الحادثة ودارت أسرته لمدة عشر سنين إلى أن أخذت تعويضات تساوى مرتب الرجل فى عشرة شهور. لذلك اهمس لنفسى دائما الداخل بين أنياب المحامين مفقود والواقف على شاطئ الابتعاد عنهم مولود. ثم من قبل ذلك ومن بعد ذلك أنا أسمع كلمات المحامين الكبيرة وأقيسها على الواقع اليومى فأجدها تملؤنى بعدم الرضا. فعندما يترافع رجل كبير من رجال السياسة عن رجل مستغل وكريه أمام المحكمة ؛ هنا يقفز السؤال: كيف تترافع عن لص بالمعنى الحقيقى والواقعي؟ فيقول المحامى الكبير: إن من حقوق الإنسان أن يكون لكل متهم محام.. وتسلم أنت بحقوق الإنسان وتسد أذنيك حتى لا تسمع عن أتعاب قدرها مئات الآلاف دفعها لص الملايين للمحامي. ولك أن تقول أخيراً «القانون هو القانون». هكذا رأيت التنافر بين قلبى وبين كلمة «القانون» وعانيت مثل سكان العالم الثالث من آثاره؛ حيث يزدحم كوكب الأؤض برؤية أكثر من ظالم يرتدى ثوب القانون ليحمى نفسه من المظلوم. فضلا عن أن تراكم القضايا فى المحاكم لا يتيح لأعدل القضاة أن يعجل بالعدل ليصل فى ميعاده. كما أن سنوات الإنفتاح قد شهدت ظاهرة هجرة كبار رجال القضاء والانضمام إلى سلك المحامين ثم وجود عدد كبير من القضاة الشباب الذين يحتاجون إلى سنوات لمعرفة اليقين القانوني، هذه المعرفة التى يصل إليها القاضى بعد بصيرة من العمر. كل ذلك جعل الابتعاد عن القانون هو أحد أسلحتى لمواجهة عمري، فلو قيل لى إن المشى على الأرض ضد القانون لما تورعت أن أتعلم السباحة فى الهواء حتى لا أدخل مكتب محام ولا أقف أمام قاض. لا عن عدم ثقة فى فكرة القانون ؛ ولكن لأن حبال القانون أطول من طاقة صبري. ولا أقول ذلك خوفاً من أو على ضمير القضاة. ولكن لأن تراكم القضايا أمامهم يستدعى أن أتيح لهم فرصة عدم وجود كائن بشرى واحد - هو أنا – ليقف أمامهم. ذلك أن القضايا فيما أعلم قد تزيد فى عددها عن تعداد سكان أى مدينة مزدحمة؛ ورغم ذلك صار موضوعى المفضل، هوما يمس الإنسان نفسياً واجتماعياً ، ولذلك أضحك من رؤية اللاجئن رغم أن كبار العالم يتغنون بحقوق الإنسان. حقوق الإنسان التى صارت حلبة ملاكمة بين بعض الجماعات وبعض السلطات، فالحكومات العملاقة فى الكون تقوم بتجنيد البعض ليلعبوا دور الجواسيس رافعين شعار حقوق الإنسان دون إلتفات إلى من يستأجرونهم يتجاهلون تماما فكرة الأحترام المتبادل بين الإنسان وأخيه الإنسان. وقد غرقت لوقت ليس بالقصير من السباحة فى بحور حقوق الإنسان التى أقرتها الأمم المتحدة ويمكننى بمنتهى البساطةإستخراج منها كل القواعد التى تتيح لنا وضع قوانين تتيح أخذ الفائض الوثير لدى أصحاب الملايين من الطفيليين لإقامة مساكن وإتاحة فرص عمل للشباب الذى يزحم العالم حاليا وتظاهر فى شارع المال بنيويورك ثم كتموا صرخاته فلم نعد نسمع عنها ، وصرخ فى كل عواصم أوروبا لنسمع أحيانا ثم يسود الصمت . وعندما تقرأ حقوق الإنسان التى أقرتها الأمم المتحدة يمكننا أن نقول للأمم المتحدة ذاتها « كان لك أمين عام مصرى هو بطرس بطرس غالى ، وترك فى وثائق المنظمة ثلاث رؤى هرب منها الجميع أولها عن ثمار التنمية وكيف تصل إلى الشباب ، وثانيها عن تدريب الشباب على اعمال يزيد بها من ثروة الكون ويبنى بها واقعا مقبولا لأحلامه ، وثالت ورقة كانت عن الديمقراطية الإجتماعية التى تحترم الإنسان لا التى تصرخ باسمه لتدارى سرقات الكبار ، وبذلك نحمى كثيرا من المجتمعات من أن تنفجر وتندثر. فخطر الإندثار يبرق بتلك الحروب الدائرة فى الكون .

لكن المسافة بين الكلمات المكتوبة وبين الواقع هى نفس المسافة بين الأسرة التى تهدم بيتها ولا تجد لنفسها مسكناً للإيواء وبين الثرى العربى الذى أقام فى منزله بسويسرا حمام سباحة دافئاً ترقص فيه فرق الباليه المائية وتحت هذا الحمام المصنوع من أرقى أنواع الزجاج يوجد صالون لاستقبال الضيوف، ويمكنك عندما تدخل هذا الصالون أن تشاهد من فوق رأسك فرقة السابحات الفاتنات. وما دام البشر يضعون السمك الملون فى أحواض السمك ويستمتعون برؤية الأسماك الملونة، فلماذا لا يتمتع هذاالثرى العربى برؤية أجساد الفاتنات وهو جالس فى حجرة الصالون. إنهن يسبحن فى حوض زجاجى تماماً كما يسبح السمك. ولا يهم إذن أن يكون ثمن هذا الحوض السويسرى قد جاء بالمضاربة على أسعار البترول أو تجارة السلاح أو أى شئ من هذا القبيل. ولكن المهم أن حقوق الإنسان غير المطبقة تتيح لمثل هذا الرجل أن يمتلك هذا الحوض البشرى ولا يتيح للشاب أن يرى المال العربى وقد ساهم فى التنمية. ولذلك فلنر بأعيننا رحلة الحق النازف دماً بدعوى تدمير حق بشر فى الحياة اللائقة .

وتصحو فى ذاكرتى صور قديمة ؛استيقظت فى الثانية من منتصف ليل أحد الأيام من عام 1950 على صراخ الجيران رأيت رأى العين ما تسميه الروايات بزائر الفجر، وكانت هناك قوات من البوليس تحاصر منزل الجيران، وكانوا ينثرون قطن المخدات والمراتب من الشرفات وتساءلت بدهشة: عن أى شئ يبحثون فى قطن المراتب والمخدات ؟ فتمتم أبي: إنهم لا يبحثون إلا عن إذلال هذه الأسرة التى اشترك واحد منها فى عمل ضد الملك فاروق . سياسى ضد الدولة.

وكان ذلك صعباً على الفهم فالصحف والمجلات الملونة فى تلك الأيام كانت تحكى عن تقوى الملك فاروق وصلاحه، لا أنسى أننى قرأت مقالاً لواحد من أكثر الكتاب انتشاراً هذه الأيام، وكان فى رحلة ملكية مع الملك فاروق أثناء رمضان إلى إيطاليا وكان الملك فاروق قد صحب معه عدداً من الصحفيين فى رحلة الصيف وكان رمضان فى الصيف وكان المفروض أن يصوم كل الناس. وقال الصحفى الكبير إن الملك طلب منهم أن يستعدوا لزيارة أحد مصانع الحديد والصلب. وذلك لأنه يحلم أن يدخل بتلك الصناعة المتقدمة إلى مصر. ووقف الملك فاروق أمام الحديد المصهور وسأل الحاشية والصحفيين:عن نفسى إرتبطت تلك الواقعة بما قرأته عن الإجازة الصيفية لجلالة الملك فاروق ، ففى مجلة مصورة قرأت بقلم محررها أن الملك فاروق زار مصنعا للحديد والصلب فى إيطاليا ، وكان الوقت رمضان ،:هل أنتم صائمون؟

وأجاب الجميع بنعم.

وهنا قال الملك فاروق كما روت المجلة: «الحمد لله انكم صائمون وإلا لكنت مسئولاً عنكم يوم القيامة فكل راع مسئول عن رعيته. وبذلك ننجو جميعاً من عذاب النار الذى سيكون أشد هولاً من الحديد المصهور.

كتبت الصحف المصرية ذلك فى الوقت الذى كانت ليالى القاهرة تحكى عن مطاردة الملك فاروق لكل امرأة جميلة ، وكيف كان مكتوبا على جدار البيت المواجه لبيتنا:

«أين الغذاء والكساء يا ملك النساء».

..............

ذهب فاروق وعشرات غيره ؛ ولم يستطع بطرس بطرس غالى إقناع أغبياء الكون بالسير فى طريق الخلاص . ووقفت وحدى أمام عين المياه الحلوة بجانب أمواج البحر لتدور فى رأسى الكلمات السابقة التى يعرفها بعض من ركبوا القطار المكون من قطرات مياه السحاب

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق