رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر القديمة

محمود فطين
عشقها ولم يكن فيها ما يفردها عن غيرها باستحقاق العشق، ربما لأنه لم يجد غيرها منذ وعت عيناه على الدنيا، نفس السبب الذي جعله يحب أباه وأمه وإن لم يكن فيهما شيئاً غريباً عن باقي البشر، نفس الوجوه المعروفة المحببة إليه لأن فيها شئ لله وهي بلا نصيب من الجمال،

ليس فيها ما يفردها عن غيرها باستحقاق العشق، فمدرسة الفسطاط الثانوية ليست إلا مدرسة ثانوية عادية، بها بعض الأبنية العريقة ولكن الكثير غيرها به نفس الأبنية ونفس الطرز، وربما به ذكريات مماثلة لشباب آخرين أوقفهم ملاحظ الدور يوماً مثله عندما سمع ضجة منبعثة من الفصل، فلما رأى فيه شيئاً من اللماضة والمناكفة سأله عن مهنة أبيه ففهم الورطة التي أوقع نفسه فيها وأجاب معترفاً بالذنب: «موظف» منتظراً العقوبة التي فاجأته رغم توقعه الأسوأ، في تلك اللحظة اجتاح الفصل صمت جليل متلفع بفرحة النجاة رغم الأسى للمشهد، وكانت كل رغبات التشفي والمعايرة عند أولئك المراهقين المستقوين عاجزة حتى عن تقبل الصفعة الأسطورية التي خرقت آذانهم على حين غرة، حتماً حدث ذلك لآخرين في مدارس أخرى ولكن الفسطاط تظل عزيزة بأيامها وذكرياتها كلها، سنوات الثانوية تلك وأوائل أيام المعهد الذي كرموه فوصفوه بالمتوسط، عندما خرج ورفاقه من العشش وقصر الشمع والخارطة والشيخ مبارك إلى مرحلة أخرى من الحياة تتجاوز اللعب بالتراب والطين في الأزقة القديمة، وفي تلك الأيام اكتشفوا المنيل التي كانت واحة النعم عند المقارنة، في البلد مناطق أخرى غير المنيل أفضل للتسكع وأكثر تلبية لرغبات من كان معه قرش يحيره، ولكنهم جميعاً لم يحتكموا في تلك السنوات على ورقة بمئة جنيه، ولهذا ظلت المنيل مقصده الدائم إذا ما لاحت له فرصة مع امرأة تهوى المناظر الجميلة وتفضل أن يتم اللعب إياه من فوق الملابس في مكان هادئ بعيد عن الأعين بعض الشئ، كورنيش الفرنساوي وحلقة السمك هو الذي رعى مغامرته الدماغية الأولى، كانت لحظة المتعة المحرمة فيما قبل امتحان الفلسفة للسنة الثالثة الثانوية، لأول مرة الحشيش في الهواء الطلق، الانبهاج بالرائحة العطرية مع التخوف من انتشارها لتجذب أعداء المزاج، والترحال بالعقل بعيداً في عالم ليس بلا هموم؛ فيه هموم ولكنها بسيطة لا تعكر صفواً ولا تقهر النفس، كندبة في الوجه مرت عليها عقود حتى صارت جزءاً أصيلاً من شخص صاحبها، وكل هذا مع محاولة إبقاء الرجل على الأرض التي يمد جذوره العملاقة فيها غير بعيد عن الشلة قسم مصر القديمة، قلعة الرعب التي منذ الطفولة كانت معقلاً لمخاوف بلا ملامح، الرهبة دائماً والاحترام أحياناً قليلة والفخر بالصلة بأحد ذو علاقة بالسلم الوظيفي فيها إن وجد والإعجاب المضمر بمن تحداها من أشقياء أم الدنيا الذين خلدوا في حكايات دامية عن رجال يحملون السيوف في سراويلهم ويهرشون أقفيتهم حين المزاج بالكزالك، أفراحهم يلعلع فيها رصاص الآلي وصراعاتهم تخلف جثثاً مشوية تجري في الأزقة يأكلها الجاز محترقاً ولا يقدر على رفعها من الأرض أحد ولا حتى برغم كل جبروتها –عليهم- الحكومة، القلعة التي جاءت عليها لحظة انفلت السخط من مخبأه العميق فأحرقها كغيرها في ليلة مشهودة، ولكنها ليست كغيرها، وفي تلك الليلة العادية، التي لم يكن فيها ما يفردها عن غيرها باستحقاق الذكر، غادر قهوة الغرباوي وصعد السلم المقام من فوق شريط المترو وتمشى قليلاً بجانب سوق الغلال في أثر النبي، وصعد إلى الطريق الدائري، مستعرضاً تحته السوق الذي تملكه بضع عائلات قدمت من الجنوب مطرزة سيالات جلاليبها على قروش معدودة منذ عقود معدودة، فتاجروا وتاجروا وصاروا عزوة وخرج منهم كل نواب المنطقة في مجلس الشعب، ولما جاءت ليلة انهيار السلطة صاروا هم السلطة وأسفروا عن ترسانة من البنادق الآلية منعت من اندفعوا –أو دُفِعوا- خارجاً من السجون من الاقتراب من المنطقة، وبعد ذلك لما انعدم التغير فيما حولهم انعدم التغير فيهم، فظلوا في تجارتهم وظلوا في تنفذهم وأموالهم وبنادقهم الآلية، تمشى ببطء ناحية النيل، بطء من لا يستعجل الوصول لأنه لا يعرف إلى أين يصل، حتى جاءت لحظة عادية ليس فيها حدث جسيم ولكنها ربما تنفرد باستحقاق الذكر، استند بمرفقيه على سور الكوبري فوق ترعة أثر النبي فشاهد تحت في السوق ذلك الطفل، طفل عادي من عمال السوق أسمر اللون قد جلس على أكوام القش في سلام مع المعيز التي ترعى فيه وبعض الحلاليف، ولما أطال النظر وجده قد أتى بحبل قصير وربطه في حديدتين فوقه مدقوقتين في الحائط كالخوازيق، ثم ربط فيه بالأسفل فردة كاوتش مهترئة وأخذ يتأرجح بسعادة غريبة عنهما، سعادة الطفل، في تلك اللحظة العادية المقدسة أدرك أن لا مفر، وأنه سيظل يعشقها بلا تفكير في انفرادها عن غيرها من عدمه، منذ أن رأى الطفل يضحك في أرجوحته وقد تباعد ركنا شفتيه حتى وصلا إلى وجنتيه البارزتين كمسمارين صدئين، في ضحكة واسعة متباعدة الأطراف سوداء الخلفية؛ مثل جرح انفتق.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق