رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى
صراع الجبابرة!

أنا رجل عمرى ستة وأربعون عاما، ولدت فى القاهرة الفاطمية لأب وأم كانت لكل منهما تجربة زواج،

ولى ثلاثة أخوة ذكور منه، وخمسة أخوة يتامى من أمى التى تزوجت بعد رحيل زوجها «ثلاثة أولاد وبنتان»، ولم يكن أهلهم أمناء عليهم، إذ كانوا يرغبون فى تعليمهم أى حرفة تدر عليهم عائدا ماديا، وأن تتزوج أمى من أحد أخوته، وقد تصدى أبى لما كانوا يفكرون فيه، واحتوى أخوتى، وتكفل بتربيتهم وتعليمهم، وكان مجيئى إلى الحياة صدمة كبرى لزوجته الأولى وأولادها مع أنه لم يتخل عنها، ولم يطلقها، وحرص على إعطائها المصروفات اللازمة لهم كل شهر بانتظام، وأرادت أن تتخلص منى بأى شكل ليخلو لها وجه أبى، ووجدتنى أعيش مع أخوتى من أمى واعتبرت أننى ليس لى إخوة غيرهم، ولكن أختى الثانية بعد الكبرى لم تحبنى، وكانت تغار على أمها من أبى، ومرت الأيام وعملت ممرضة، وجاءها عريس وطلب من أبى أن يتزوجها ففاتحها فى أمره وعاملها وكأنها ابنته، وبعد خطبتها له رفض أبى أن تخرج معه إلا بعد الزواج، فلم يعجبها ذلك وكرهته وكرهتنى، أما أختى الكبرى فقد أخذتها قريبة لجدتى ليس لديها أولاد، وربتها وعلمتها إلى أن صارت معلمة، والحق أنها كانت سيدة فاضلة تحترم أبى لأنه يربى أيتاما، ومن باب العشم طلب منها إعطاء أختى المخطوبة شقة خالية لديها بالإيجار لكى تتزوج فيها، فأعطتها الشقة ليس حبا فيها، ولكن إرضاء لأبى ولمعدنه الطيب على حد تعبيرها، وأصبحت أكثر قربا من أخوتى الذكور لأمى بعد زواج البنتين، وجمعنا الحب و«لمة العائلة» على الطعام واللعب معا، إلى أن صدر قرار بإزالة البيت لأنه آيل للسقوط، وهنا تفرقت بنا السبل كل واحد فى مكان بعيد عن الآخر، وانتهى بى المطاف للمعيشة مع أبى فى غرفة صغيرة بمنزل زوجته، وقد تجنبتها ولم يدر بيننا أى حديث، وبعد أيام ذهب إلى أمى فى منزل أختى الثانية بالعجوزة، وطلب منها أن تضمنى خوفا من أن تفتك زوجته بى، فلم تمانع لكننى زقت الأمرين على يد أختى التى كانت تضربنى أمام الجميع، ولم تكن بيدى حيلة، وكنت أذهب كل يوم إلى المدرسة الابتدائية من العجوزة إلى مدرستى فى القاهرة الفاطمية، ثم أعطاه أحد أصدقائه شقة صغيرة فى المعادى وفقا لاتفاق بينهما، وانتقلنا إليها إلى حين حصولنا على شقة من المحافظة، ووقضينا بها فترة بسيطة ثم أخذنا شقة مشتركة فى مساكن الإيواء بالدويقة مع أختى المتزوجة التى كانت قد تقدمت بطلب هى الأخرى للحصول على مسكن، وصارت حالنا مثل حال أبطال فيلم «كراكون فى الشارع»، وكانت مساكن الإيواء فى أوائل الثمانينات مقامة فى أعالى الجبال بلا مياه ولا صرف صحى، والكهرباء فيها ضعيفة جدا، وكنت وقتها قد انتقلت إلى المرحلة الإعدادية، وكان أخى لأمى الذى يكبرنى مباشرة قد حصل على الثانوية العامة، وألحقه أبى بالمصلحة الحكومية التى يعمل فيها فنى طباعة، أما أكبرنا فلم يحب الدراسة وعمل ترزيا، وبعد سنوات جاء الفرج من عند الله بشقة فى إحدى المدن الجديدة على طريق القاهرة ـ الإسماعيلية، ولازمتنا أختى كعادتها حيث سكنت إلى جوارنا، وقاسيت الأمرين هناك أيضا فى حمل المياه الصالحة للشرب، وشراء الخبز، والذهاب إلى المدرسة، وكنت أجد الأطفال حولى يلهون ويلعبون ويجدون كل الرعاية من أسرهم، وكافحت قدر استطاعتى، والتحقت بمعهد فنى بمؤسسة قيادية كبرى، وبعد أن تخرج أخوتى من أمى التحقوا بوظائف مستقرة، وصارت لهم دخول معقولة، فافتعلت أمى شجارا مع أبى، وطردته من الشقة التى كتبها باسمها، ثم طردتنى بعده بأيام، ولحقت به، وجاءتنا عمتى واستنكرت ما صنعته أمى معه، وقالت له إنها ستزوجه ابنة خالته، وهى أرملة لم تنجب، وأكبر منه سنا، وبالفعل تزوجها ومنذ اليوم الأول لها معنا، قالت إنها مريضة، ولا تستطيع أن تغسل ملابسى ولا يصح أن أجلس معها بمفردنا لدرجة أننى كنت يوميا أقضى وقتا طويلا فى الشارع أو بأى حديقة بعد خروجى من المعهد إلى أن يأتى أبى من العمل، وقبل تخرجى مباشرة جاءتنى أمى باكية وطلبت منى أن أنتقل للإقامة معها طمعا فى أننى سأعمل وسيكون لى دخل شهرى، وذهبت معها، باعتبارها أمى فى النهاية، ثم صالحها أبى، وكان يذهب بين حين وآخر إلى زوجته الثالثة.

ومرت الأيام وجاء يوم قابلت فيه جارة لنا تسكن فى منزل زوجة أبى القديم، وقالت أن لديها عروسا لى سوف تعيش معى على الحلوة والمرة، فهى إبنة أختها ومن أسرة سوهاجية، وموظفة فى شركة حكومية وحاصلة على مؤهل متوسط، وفكرت فى الأمر، وحددت معها موعدا لزيارة العروس المنتظرة، وهناك وجدتها طويلة وسمراء وبدا لى أنها تتمتع بأدب جم، ولاحظت أن أمها لم تتكلم وظلت صامتة طوال فترة وجودى عندهم، فخطر ببالى أنها خرساء، ولما تكلمت بعد طول انتظار نطقت بكلمات كلها طيبة وحياء قائلة: «اعمل اللى تقدر عليه»، وتمت خطبتنا، وترددت عليهم فى أيام إجازتى الأسبوعية، وبعد عدة زيارات لاحظت تغيرا شديدا على حماتى، فأصبحت تقابلنى بفتور، ويبدو على ملامحها الغضب من كلامى، واندهشت من تصرفاتها معى، وسألت خطيبتى عن سر موقفها منى، فردت علىّ بأن أمها تريد أن تراها فى «بيت العدل»، فاجتهدت فى تجهيز عفش الزوجية، ودخلت فى أكثر من «جمعية»، وأعددت غرفة نوم عمولة، وغرفة معيشة كاملة، وشاركتنى بمبلغ من المال فى الحصول على شقة فى الحى نفسه الذى نقطن به، وكتبتها باسمها وفقا لشرط أمها من أجل إتمام الزواج، وقالت لى إنها على استعداد لتغيير العقد باسمى فيما بعد، وتوليت تشطيبها وضغطوا علىّ كثيرا، فلجأت إلى أبى الذى اصطحبنى إليهم، لكن حماتى جمعت أولادها الذكور، وقالت أمام الجميع بطريقة مستفزة «اللى عاجبه الكحل يتكحل، واللى مش عاجبه يرحل»، فانتفض أبى وجذبنى من يدى, وخرجنا وأنا فى ضيق شديد وتملؤنى الحسرة على ما حدث، وأدركت بعد ذلك أن الحكاية كلها «خدعة»، وبعد أيام تلقت أمى مكالمة هاتفية من خطيبتى وهى تبكى وترجوها إتمام الزواج فى أسرع وقت لأنها تحبنى، وقالت أمى لأبى «البنت مظلومة وشريانا»، وعادت المياه إلى مجاريها وتزوجنا وأنجبنا بنتا أطلقنا عليها إسم «ندى»، وبعدها بثلاث سنوات أنجبنا ولدا أسميناه أحمد، ويبدو أن حالة الهدنة المؤقتة مع حماتى قد انتهت وأصبحت لى بالمرصاد فى كل قول أو فعل، وتعب أبى وتوليت علاجه من مالى الخاص بعد أن تنصل أخوتى منه من المساهمة فى شراء الأدوية اللازمة له، وتحسنت صحته وبعد فترة وجيزة أحضرت أمى موظفا من الشهر العقارى إلى المنزل لعمل توكيل من أبى لها لصرف المعاش، وحرمت زوجة أبى من الجزء المخصص لها منه مع انها ابنة خالته ومسئولة منا، وتحدثت فى هذا الأمر مع زوجتى فإذا بها تبلغ أمى بكل ما قلته، فأشارت عليها بأن تترك لى المنزل وتذهب إلى أهلها فنفذت كلامها وأخذت ابنينا ورحلت إليهم، أما أنا فذهبت إلى زوجة أبى وكانت امرأة عجوزا تقترب من سن الثمانين وعشت معها وتوليت تمريضها وغسل ملابسها وإعداد الطعام لها، وتذكرت وقتها عندما رفضت غسل ملابسى وأنا صغير، وتعجبت لتصاريف القدر.

وفوجئت ذات يوم بأن زوجتى رفعت علىّ ثلاث دعاوى أمام القضاء وهى ضرب أفضى إلى إجهاض وتبديد ممتلكات، ونفقة، وتمكنت بعون الله وبعد جهود مضنية من إثبات براءتى مما هو منسوب إلىّ وجاءتنى زوجتى باكية، واعتذرت لى عما صدر منها، وعادت إلى المنزل، وعاشت مع زوجة أبى التى أصيبت بوعكة صحية شديدة وغرغرينا فى الساق ولأن سنها كبيرة، فقد كان الخوف على حياتها هو كل ما يشغل الأطباء، ولم يطل بها الوقت فرحلت عن الحياة، وتحملت كل ما يتعلق بالدفن وليلة العزاء برغم ثراء أهل أبى وبعضهم يملك مشروعات فى دول أوروبية!، وعشت أنا وزوجتى وابنىّ فى منزل زوجة أبى، وربيتهما على الخلق والأمانة والاحترام، وكنت أبا حكيما لهما، وعدت إلى ممارسة هواية القراءة فى الأدب والثقافة والفن التشكيلى الذى نلت فيه جوائز عديدة، ثم حدث شجار مفاجىء بينى وبين زوجتى بسبب وجود كتابة غريبة على ملابسى الداخلية، وبعد مناقشات ساخنة أفصحت لى عن أنها «حجاب» من شيخ لكى يهدينى!، فأخذت إبنىّ وتركت لها المنزل، وبعد ذلك تعرضت لحادث من كثرة الضغوط النفسية ظللت على إثره فى المستشفى عاما ونصف العام فاقدا النطق غير قادر على الحركة، وخضعت لعلاج مستمر وأنا بين الحياة والموت،.. كل ذلك وزوجتى تتجاهلنى، ولم تفكر ولو مرة واحدة فى زيارتى، ولما علمت أننى سوف أحال إلى المعاش بإصابة عجز، وسوف أتقاضى معاشا جاءتنى باكية بدموع التماسيح، نادمة على ما اقترفته فى حقى، لكنى لم أرض عما فعلته بى، وركزت فى حياتى بعد فترة علاج كبيرة، ونلت دبلوما فى الموارد البشرية، وأقمت محلا للملابس والإكسسوارات والهدايا والعطور، وأسست مع جارة لنا جمعية أهلية للأنشطة الثقافية والعلمية والفنية والاجتماعية، ثم استقلت منها عندما أحسست بوجود شبهة فى جمع الأموال، وعدم وضوح نواح عديدة, وتفرغت لإدارة المحل، ولم يدر بذهنى أن تؤذينى رئيسة الجمعية لموقفى الرافض لممارساتها غير المقبولة، وبمرور الأيام ترددت سيدة عجوز على المحل ودارت بيننا أحاديث كثيرة، وقالت لى: عندى لك عروس سوف تريحك وتقف إلى جوارك وهى أرملة ليس لديها أولاد، وبالفعل قابلتها وعرفت أنها تكبرنى بستة أعوام ولم يشغلنى فارق السن، إذ وجدت فيها الحبيبة والصديقة والأم، وتتمتع بوجه مريح وخفة دم ورقة واحترام، وقد أبلغت زوجتى الأولى أننى ارتبطت بهذه السيدة، فلم تهتز وطلبت منى أن تتعرف عليها، ووجدتها تتودد إليها، وتبادلا أرقام الهواتف، وأصبحا على اتصال مستمر ببعضهما، وسعت كلتاهما لإرضائى، وأحسست أن الأولى تفعل ذلك وفى داخلها نية الانتقام، وأن الثانية صادقة فى مشاعرها وتصرفاتها معى، لكن الأولى استدرجتها إلى أن تبوح لها ببعض ما أفضيت إليها به من أسرار، وهكذا تمكنت من الإيقاع بيننا، ودبت الخلافات مع زوجتى الثانية، وغضبت عند أهلها، وتوفى أبى، فلم تحضر عزاءه، وتدهورت تجارتى، وفوجئت بأن علىّ مبلغا كبيرا للضرائب لا أستطيع تسديده فسقطت على الأرض مغشيا علىّ، وجاءتنى للإطمئنان علىّ لكن زوجتى الأولى انفعلت عليها بحجة أنها لم تستأذن قبل أن تدخل غرفة نومها، واضطررت إلى إغلاق المحل وجلست فى المنزل بلا عمل، وعرضت علىّ الثانية أن تشترى لى محلا فى مكان مميز وتزوده بالبضاعة بشرط أن أطلق الأولى، فلم أتمالك نفسى وقلت لها «أنت طالق»!، فما طلبته منى من المستحيل أن أقبله ولا يعقل أن تسيطر علىّ بمالها وتجعلنى أبيع أولادى، وهكذا خرجت من حياتى، والتفت إلى زوجتى الأولى وأولادى فهم الأبقى لى، ولكن حدث منها ما لم يكن فى الحسبان إذ تبدلت من ناحيتى، وشعرت أنها سوف تنتقم منى لزواجى من غيرها وقلة حيلتى بعد نفاد أموالى، وتزامن ذلك مع ترقيتها سكرتيرة خاصة لرئيس الشركة التى تعمل بها، وكانت تتأخر كثيرا، وتظل وقتا طويلا فى مكتبه، وكان هذا مثار لغط بين زميلاتها وحدثتنى عنه زميلة لها، ولما فاتحتها فى هذه المسألة قالت إن رئيسها يعطيها مقابل الوقت الإضافى الذى تعمله، فشككت فى كلامها، وعنفتها كثيرا فتركت البيت من جديد، وأصبت بأزمة نفسية حادة، فلقد رحلت أمى، وانفض الجميع من حولى، فابتعدت عن المنطقة واشتريت شقة جديدة بما كان معى من مدخرات وميراثى من والدتى، وحاولت أن أصلح زوجتى أم أولادى لكنها أبت تماما العودة إلىّ، وما هى إلا أسابيع حتى اندلعت ثورة الخامس والعشرين من يناير، وعند عودتى من الخارج وجدت شقتى «كوم تراب»، فلقد احترقت بكل ما فيها من أثاث، وعندما توجهت إلى قسم الشرطة للإبلاغ وجدته محترقا أيضا، وانتقلت إلى قسم آخر فوجدته قد لقى نفس المصير، ولم يسمعنى أحد، ولم أجد مكانا أتجه إليه، فتحاملت على نفسى وذهبت إلى أم أولادى فهى مازالت زوجتى، لكنها قابلتنى بشماتة، وقالت لى: «ده ذنبى لأنك ظلمتنى واتجوزت عليا»، وخرجت أجر أذيال الخيبة، واستأجرت مكانا عشت فيه وبعد شهور تلقيت حكما بنفقة مجمدة لها بأثر رجعى لأكثر من أربع سنوات!

وللأسف فإن إخوتى هم أيضا أخذوا موقفا معاندا لى لدرجة أن أخى رجل العدالة والقانون قال لى: «نفسى أشوفك شايل صندوق عسلية وبتسرح فى الأتوبيس»، وبالفعل أصبحت حالى كذلك بعد أن دمرنى الجميع ولم تعد لى رغبة فى الحياة.. وبلغ السيل الزبى بعد أن خلعتنى أم أولادى، وتزوجت أخى الأكبر من أبى، وهو الذى ادّعى المرض واعتبروه من ذوى الاحتياجات الخاصة، وحصل على معاش أبى الذى لم يبره حتى وفاته، وهى تعمل الآن لدى طبيب ومسئولة عن شئونه الخاصة وهكذا تتقاضى أجرا من الطبيب ومرتبها من عملها ونفقة شهرية تأخذها منى للأولاد، ومعاش أبى الذى استولى عليه أخى، وأيضا عائد عمله التجارى، وصرت أخشى أن يتسلل الفساد وانعدام الضمير والأخلاق إلى أولادى، فأين الحق والعدل، وكيف أواجه الدمار الشامل الذى تعرضت له فى عملى وأسرتى وحياتى وأولادى وأهلى؟، وهل هناك أمل فى أن أستعيد حياتى؟، لقد فكرت فى الانتحار للخلاص من العذاب الأليم، والتفكير القاتل، ولم أعد قادرا على الحياة وأنا أرى الباطل يترعرع، والحقيقة تموت، فبماذا تشير علىّ؟.


ولكاتب هذه الرسالة أقول:

يرجع الصراع الذى تعيشه منذ مولدك إلى عاملين مهمين: الأول هو تعدد الزوجات فى محيط أسرتكم والأسر التى تربطكم بها علاقات نسب، والثانى هو وجود أخوة كثيرين لك من الأب والأم، وجاءت نتيجة تفاعل العاملين معا مزيدا من المشكلات التى تتفاقم يوما بعد آخر، فبالنسبة للزواج المتعدد فقد لاحظته فى زواج أمك برجل قبل أبيك، وزواج أبيك قبل الارتباط بها، وكذلك أخوتك وانعكس ذلك عليك فتزوجت مرتين، وتسعى للزواج بثالثة، ويبدو الأمر وكأنه مرتبط بجينات عائلتكم التى تحكمها كثرة الزيجات للرجال والنساء على حد سواء، وبدا من السهل جدا ان تطلب أى واحدة الطلاق أو تتصيد الأخطاء لزوجها لكى تنفصل عنه وتتزوج بآخر، بمعنى أن هناك كيمياء فى أدمغة الرجال تدفعهم إلى التعدد بجانب عوامل أخرى بيولوجية وفطرية وبيئية واقتصادية وثقافية أو قد تسهم فى كثرة الزواج والطلاق، وهذا الاستعداد لا يقتصر على الرجال فهو موجود لدى النساء أيضا.

ولا شك أن الزواج الثانى للرجل يصيب الزوجة الأولى بمتلازمة مرضية تبدأ برد فعل عصبى برفض هذا الزواج وإبداء الغضب والمقاومة ثم تتجه إلى الاتزان والاستقرار وقبول الواقع الجديد، وإن سعت فى قرارة نفسها إلى الإيقاع بين زوجها وزوجته الأخرى، وهذا ما حدث معك حين استطاعت زوجتك الأولى أن تتخلص من الثانية ثم تفرغت للإنتقام منك وأباحت لك بذلك، بينما انجرفت أنت إلى تصديق وشايات زميلة لها عن وجود علاقة بينها وبين رئيس الشركة الذى تعمل سكرتيرة له، ثم مع الطبيب الذى تدير عيادته فى المساء، فماذا كنت تنتظر منها بعد كل ما صنعته بها؟.. لقد كان طبيعيا أن تنتقم منك بخلعك، ثم تراءى لها أن تتزوج بأخيك الأكبر، وهو ما يؤكد حالة التفكك بينك وبين أخوتك من الأب والأم، فعلاقتك بهم يصاحبها انعدام صلة الرحم، ولا شك أن الأب والأم مسئولان عن إيجاد علاقة طبيعية بين أولادهما وأولاد كل منهما إذا كان كلاهما أو أى منهما قد تزوج من قبل وله أبناء من ذلك الزواج، وفى ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، بمعنى أن يكون الآباء والأمهات حريصين على غرس معانى الأخوة والتسامح والتعاون والمحبة حتى ينشأوا وقلوبهم خالية من الأحقاد والكراهية لا سيما إذا كان العدل والتضحية أهم ما يحرصون عليه.. والحقيقة أن موقف الأمهات فى هذه القضية أراه الحد الفاصل فى تقريب المسافات بين الأخوة منذ نعومة أظافرهم، فالقلوب الطاهرة البريئة أمانة بأيديهن، وينبغى ألا تشحذها كل أم بالأحقاد ضد إخوة أبنائها، ويجب عليها أن تزرع فى قلوبهم محبة إخوتهم، فلا تتحدث أمامهم عن معاداتها زوجة أبيهم، وأن تغرس فيهم معنى حب الأسرة وصلة الرحم والتماسك فالطفل حين يتربى على الحنان فإن سلوكه ينعكس على كل من حوله.

ويجب على الأب ألا يشبع حاجاته على حساب تماسك الأسرة وتآلف الإخوة، ولا ننسى أن أول جريمة فى التاريخ وقعت بين شقيقين هما «قابيل وهابيل»، ولا ننسى أيضا غيرة أخوة يوسف عليه السلام عندما شعروا أن أباهم يحبه، ويرى فيه ما لا يراه فيهم، فصراع الأخوة قد يكون سببا ونتيجة لتناقض مشاعر الأبوة تجاه الأبناء.. إن الأبوة فعل وليست كلاما، فليس الود باللسان ولكنه بالفعل والمساندة، وهذه نعمة كبرى لقوله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ» (النحل 72)، وعلى الأخ أن ينصر أخاه دائما، وفى ذلك يقول الشاعر:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

فى النائبات على ما قال برهانا

من هنا أرى أن تكون لك ولإخوتك وقفة جادة مع أنفسكم لتلاشى دور آبائكم وأمهاتكم السلبى وأن تسعوا إلى التواصل والتآخى والتآلف فيما بينكم، وأن تحاولوا رأب الصدع لكى لا تورثوا أبناءكم القطيعة والكراهية، ويجب أن يكونوا جميعا منسجمين مع بعضهم، فالانسجام يتحقق فى الحب والإيثار والتحية والتفاهم، وكظم الغيظ لقوله تعالى: «الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (آل عمران 134)، ولعل أخاك الذى ارتبط بمطلقتك بعد أن خلعتك يدرك ذلك، ولعلها هى الأخرى تعلم أن زواجها به قد يجر عليها المتاعب، وربما يلفظها من حياته بعد أن ينال غرضه منها ويستنزفها ماديا، والمهم أن تتعلم من تجاربك فى الحياة وخبراتك المتراكمة فيها.

إن إحكام العقل هو الذى يساعد الإنسان على أن يحيا فى هدوء واستقرار فبرغم أن هناك جوانب كثيرة رأيتك فيها عاقلا على مدى مراحل عمرك منذ طفولتك التى وصفتها بالتعيسة عندما كنت تحمل المياه من مناطق بعيدة وتشترى الخبز ومتطلبات الأسرة، ثم دراستك وعملك واشتغالك بأكثر من مهنة.. أقول برغم ذلك تخبطت فى حياتك الزوجية، ولا اعتقد أن رئيسة الجمعية التى كنت تعمل بها لها يد فيما حدث لك سواء فى ارتباطك بزوجتك الثانية أو بالنسبة للضرائب التى وجدت نفسك مكبلا بها، فالحقيقة أنك طلقتها بإرادتك لمجرد أنها طلبت منك تطليق زوجتك الأولى، فأنت الذى جنيت على نفسك مدفوعا بالظروف الأسرية والعلاقات المتشابكة والمعقدة التى صرت أسيرا لها.

لقد حان الوقت لإعادة النظر فى علاقتكم جميعا ببعض، فلتنسوا الماضى بكل مآسيه، ولتنظروا إلى المستقبل ببدء علاقة جديدة خالية من الشوائب، فتمد جسور المحبة مع أخوتك من أبيك وأمك، إذ لن تجنوا شيئا من الضغائن والأحقاد، وعليك أن تقاوم اليأس بالصبر والرضا والتحكم فى ردود الأفعال، والثقة بالنفس دون غرور والتسامح والتغافر، فلقد روى عن رسول الله أنه قال: «يدخل عليكم رجل من اهل الجنة الآن، فدخل رجل لم ير فيه الصحابة تميزا، فلحقه عبدالله بن عمرو رضى الله عنه، فمكث عنده ثلاثة أيام فلم ير منه شيئا مميزا، فقال له ما سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم، وسأله عن أفضل عمل يرجوه فقال الرجل: إنه لا يجد عملا غير أنه إذا ذهب إلى فراشه قال: اللهم أيما امرؤ شتمنى أو آذانى أو نال منى، فإنى عفوت عنه، اللهم فاعف عنى»، فبعفوه وتسامحه للآخرين صار من أهل الجنة، فما بالك بالأخوة.. إننى أدعوكم جميعا إلى الاحتكام لصوت العقل، وأرجو أن تعيد تخطيط حياتك وفقا لإمكانياتك، ولا تتسرع فى الزواج الثالث، ولتكن خطواتك محسوبة من الآن، وأسأل الله أن يفتح لك الأبواب وأن ينير بصيرتك، ويرشدك إلى ما فيه مصلحتك القائمة على طاعته والإلتزام بأوامره واجتناب نواهيه، وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق