رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الغضب الساذج من مسلسل الجماعة

نبيل عمر
شىء طبيعي جدا أن الفن الجيد لا يمر مرور الكرام، وإنما هو يلقي بحجر ثقيل في نهر الحياة، يثير أمواجه وتياراته، كما فعل مسلسل الجماعة الجزء الثاني، وكان ذلك متوقعا كما حدث مع الجزء الأول، ولأنه مسلسل يستند في أحداثه الدرامية إلى وقائع وليس إلى خيال مؤلفه إلا في البناء الفني، والوقائع تاريخ منقول إلينا لأننا في الغالب لم نشاهده بأنفسنا، فالجدل متوقع حولها أكثر من تقييم المسلسل فنيا، كتابة وإيقاعا وتصويرا وموسيقي وأداء ممثلين وإخراجا.

ونحن المصريين لنا عادات لا نتخلى عنها وهي «تأميم التاريخ»، اي أن كل تيار سياسي أو جماعة أو حزب يؤمم الجزء الخاص به من التاريخ، ويبني قلاعا حوله ويتترس خلفه، ويصوب أسلحته الفتاكة على كل من يحاول الاقتراب منه أو الوصول إليه، من غير الطريق الذي رسمه بخطوط حديدية، هكذا كان رد فعل الوفديين والناصريين والملكيين والإخوان.

...............................................................والتاريخ ليس كذلك..فهو يظل «مادة خام» يعاد طبخها وتفسير وقائعها كلما ظهرت أدلة أو حقائق كانت خافية، خاصة إذا تعددت الروايات عن واقعة بعينها إلى درجة التناقض..وما أكثر الروايات المتناقضة في كتب التاريخ.

ولا يمكن أن يملك أحد «الحقيقة المطلقة» لا في التاريخ ولا في الحياة نفسها.

ومسلسل الجماعة ليس مجرد عمل فني بحت، بسبب اعتماده على وقائع تاريخية تتعدد فيها التفسيرات، وليس هدفه إدانة جماعة الإخوان أو الدفاع عنها، ولا إلصاق اتهامات بشخصيات بارزة في حياة مصر أو كشف الجوانب المضيئة في تصرفاتهم العامة، وإنما هو يحاول أن يروى ما حدث في حقبة مهمة من تاريخنا، ويترك لنا عملية التقدير للأشخاص والتيارات والتصرفات، لنحكم نحن عليها، لاسيما أن كثيرا من تلك الأحداث والشخصيات مازالت مؤثرة في حياتنا حتى هذه اللحظة، وربما لسنوات طويلة قادمة.

ولن أتوقف كثيرا عند غضب الوفديين من مشهد تقبيل مصطفي النحاس لِيَد الملك فاروق، ونفيهم الواقعة تماما، ليس لأن غضب الناصريين كان أشد من مشاهد جمال عبد الناصر «الإخوانية»، ولكن لأن تقبيل اليد واقعة عابرة تنعكس تفسيراتها على شخصية النحاس باشا، لكنها في النهاية مسألة شخصية، يتضاءل وجودها ، في خضم العداء التاريخي بين الملك ومصطفي النحاس، وهو عداء وتربص له مظاهر وشواهد وأدلة من الملك يمكن أن تملأ مئات الصفحات، كما أن رأي النحاس باشا في الملك فاروق معروف ومسجل أيضا في كتب كثيرة.

أما إلصاق الإخوانية بعبد الناصر، فهي في نظر الناصريين بمثابة قبلة حياة لجماعة عملت طول الوقت ضد الوطن، وهي فرية تسىء إلى عبد الناصر أيما إساءة، لأن تلك الفترة من عضويته فيها كانت الجماعة قد شكلت التنظيم الخاص، وهو أول نواة جماعة إرهابية في العصر الحديث، ومنها نمت تنظيمات تغطي عملياتها الآن أكثر من نصف الكرة الأرضية، وكلها ورثت عن الجماعة العمل بالبيعة والطاعة العمياء.

وأتصور أن الغضب من المسلسل باعتباره زيف تاريخ عبد الناصر وجعله عضوا بالجماعة فترة من حياته هو غضب مفتعل وليس في محله، أولا لأن تاريخ جمال عبد الناصر ممتد وتجاوز هذه الفترة تجاوزا كاملا، بل أن هذه الفترة برمتها قد توارت خلف أعمال وأحداث هائلة محلية وإقليمية وعالمية كان عبد الناصر عنصرا فاعلا فيها منذ منتصف الخمسينيات إلى وفاته في سبتمبر عام ١٩٧٠، ولا يعيب عبد الناصر أنه مر على جماعة الإخوان وهو يبحث عن مخرج لمصر من مأزقها العام، وأظن أنه كان مرورا طبيعيا للغاية.

في تلك الفترة من الأربعينيات كانت مصر في حالة اضطراب سياسي، وكان الإجماع الوطني الذي صاحب ثورة ١٩١٩ وتأسيس الوفد حزب المصريين الشعبي قد تراجع ثم تفتت، وبات حال الأحزاب المصرية بائسا..الوفد نفسه انقسم وخرج منه السعديون والكتلة الوفدية، وإن ظلت شعبيته طاغية، وخفتت لديه المطالبة باستقلال الوطن وإخراج الإنجليز المحتلين خروجا نهائيا، خاصة بعد معاهدة ١٩٣٦، والأهم أن رؤيته لانتشال الوطن من وهدة الفقر والمرض والجهل كانت منقوصة، ولم تتحول إلى منهاج عمل يلزم نفسه به، كان عنده أفكار في الصحة والتعليم ومكافحة الفقر لم ترتق أبدا إلى رؤية متكاملة، وكانت أحزاب الأقلية موزعة الانتماءات بين الإنجليز والملك، ومصر الفتاة كانت حركة حماسية اكثر منها رؤية سياسية، حركة تؤججها المشاعر لا الأفكار الصحيحة..فماذا يفعل جمال عبد الناصر؟

كان طبيعيا أن يدور ويتصل ويتحاور وينضم وينفصل..

كانت جماعة الإخوان قد تأسست في عام ١٩٢٨ واعانتها شركة قناة السويس بخمسمائة جنيه في امتلاك أول مقر لها، والإنجليز من عباقرة اللعب بالدِّين في تفتيت الشعوب وصناعة الأزمات، وقد نجحوا في الهند نجاحا باهرا، فانفجرت فيها المذابح الطائفية بين المسلمين والهندوس بسهولة فائقة كلما احس الإنجليز بأن الهنود قد هدأوا ومالوا إلى المطالبة باستقلالهم.

تأسست الجماعة بوجه ديني معلن وباطن سياسي مؤجل، فاتجهت في نشأتها الأولي إلى الدعوة الدينية والأخلاقية وبناء المساجد وإنشاء المعاهد التعليمية، وعملت على نشر فروعها في كل أنحاء القطر وفق تنظيم انفردت به، ولم تعرفه حتى الأحزاب السياسية بما فيها حزب الوفد نفسه، ولم يعرفه الشرق كله قبلها، ولا يٌعلم من أين استقي حسن البنّا فكرته الجديدة في البناء، وكان مدرسا عاديا. وبالطبع أي جماعة ترفع شعار «العودة إلى الإسلام» يكتب لها قدر كبير من الانتشار، في مجتمع متدين بطبعه ، يسوده الجهل وتنعدم فيها ملكات النقد والتفكير العلمي المنظم وتركب أدمغته أهله البسطاء الخرافة والخزعبلات، ويقتصر التعليم فيه على شريحة ضئيلة للغاية.

وانتشرت الجماعة في ظرف سنوات قليلة كما لم تنتشر جماعة دينية قبلها، بسبب التنظيم الشديد في عملها والأموال التي توافرت لها.

وطبعا لعبت وظيفة مرشدها الأول عنصرا مؤثرا في الانتشار، كان مدرسا يتحرك في أوساط طلبة ومدرسين، والمدارس حضانات جيدة والمدرسون مراكز بث وتجنيد.

ولم تعلن الجماعة عن باطنها السياسي إلا في عام ١٩٣٤، في رسالته الشهيرة «دعوتنا»، ولم ينكر فيها توجهات الجماعة السياسية، ثم أعقبها في عام ١٩٣٥ في المؤتمر الثالث للجماعة حوار حول موقفها من التيارات السياسية في مصر، أي مهدت لنفسها دخول المعترك العام كعنصر سياسي لا دعوى، وبعد عام واحد كتب حسن البنّا رسالة بعنوان «نحو النور» أرسلها إلى الملك فاروق ومصطفي النحاس رئيس الوزراء، وإلى عدد من الحكام العرب، تحمل برنامجا للإصلاح السياسي والأجتماعي العام، وفِي الوقت نفسه تطالب بإلغاء الحزبية كجزء من تصفية خصومتها مع حزب الوفد، الذي كان حزب الشعب وقتها.

أي كانت الجماعة موجودة بقوة في الحياة المصرية وكان يصعب أن يتجاهلها الرجل الذي يخطط لتغيير نظام الحكم في مصر، ومن المنطقي أن يتعرف عليها عن قرب، وهذا التعرف القريب هو الذي مكنه من إدارة صراعه مع الجماعة بكفاءة، ويكاد يكون هو الرئيس الوحيد الذي تصدي لها وأجبرها على التراجع خطوات واسعة إلى الخلف. فلماذا الغضب إذن؟

و تبقي مسألة اخيرة سألت عنها الأستاذ وحيد حامد المبدع كاتب المسلسل: هل فعلا استعنت بمؤرخ إخواني؟

أجاب بثقة: الدكتور حمادة حسني أستاذ التاريخ الحديث ليس إخوانيا، وتعرفت عليه بالمصادفة، قرأت له بالصحف قبل سنوات، وأخذت رقم تليفونه من صحفي، واتصلت به، وقد أفادني كثيرا في العثور على المراجع المطلوبة فقط لتوثيق وقائع المسلسل، ومؤكد أن الكاتب صاحب عقل ولا يستطيع أحد أن يملي علىّ رأيا بعينه.

المهم ما رأيكم في المسلسل؟

مؤكد أننا كسبنا مخرجا متميزا هو شريف البنداري، ونصفق بشدة لياسر المصري في دور جمال عبد الناصر الذي أداه دون أن يقلد أحدا، هضم الشخصية وأخرجها بطريقته، أما عبد العزيز مخيون في دور الهضيبي فكان رائعا وأضاف لنفسه كثيرا، وتميزت صابرين في دور زينب الغزالي إلى درجة التفوق، أما محمد فهيم في دور سيد فقد كان مفاجأة المسلسل، وعموما الكلام الفني يحتاج إلى مساحة أخرى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق