رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«أيام الفداوى» .. رحلة جمعية أهلية .. تحارب نسيان العرب وتدافع عن التراث
أرأيت سوسة والحكواتى الاصيل يَلفَّها..«دار قمر» يشهد أول حوار صحفى مع الجازية الهلالية.. وسخرية جحا تحارب الإرهاب

رحلة إلى تونس يحكيها لكم : أبوالعباس محمد
هى رحلة إلى عالم الأقدمين .. الهدف منها أن تعرف من أنت ، وإن كنت حقيقة أم خرافة .. أن اغسلكم بالتراث العتيق.. أن اضع كل منكم أمام ذاكرته لعله يكتشف فيها كنزا مدفونا بها كان منسيا .

وفى هذه الرحلة التى غالبا ما يكون موعدها سنويا ثابتا لايتغير ، الأسبوع الأول فى شهر مايو من كل عام ، ستجد أطفالا لن يسألوك كما هى عادة الأطفال عن قطعة حلوى او نقودا لشراء لعبة .. إنهم يسألونك ولو قليل من حكايات كان ياماكان ، حكاية من حكاية الاجداد حتى لو كانت خرافة .



............................................................................

والمفاجأة المدوية فى هذه الرحلة أن تجد نفسك جالسا مستمعا مندهشا بين حكايات « العاشق الأعمى والفارس ذو الرأس المقطوع ، ومرعب الاطفال عبروق الغول والهر إبن العلاف وجحا الذى كتب عليه أن يبعث السعادة ويضحك هؤلاء جميعا.


وقبل السفر عرفت أني من المحظوظين فعلا .. عندما استمعت الى نصيحة أحد الاصدقاء وتدربت على صعود الأماكن الجبلية المرتفعه مترجلا ماشيا على الاقدام والادوار المرتفعة بالسلالم مستغنيا عن المصاعد ، دون ذلك لكنت بطلا لمأساة حقيقية ، فمن عادة المنظمين أصحاب هذه الدعوة ، أنهم إذا إطمأنوا اليك وأحبوك ، قبل المغادرة بيوم يصطحبوك إلى قرية أثرية تسمى تكرونة تقع على قمة جبل فى منطقة الساحل التونسى تبعد عن العاصمة التونسية 100 كيلو تقريبا ويسكنها البربر ، هذه القرية وفى مثل هذا الموعد من شهر مايو فى كل عام اعتادت أن تستقبل خبراء ورواة الحكاية والتراث الذين جاءوا تلبية لتلك الدعوة من مختلف بلدان العالم يقدمون بعضا من عروضهم الحكائية فى أجواء اسطورية بالغة المتعة ، لذا فالشخص الذى ينجح فى الصعود إلى هذه القرية من هؤلاء «الحكواتية» يستحق عن جدارة لقب الفداوى.. وما زلت أتذكر وأنا أكاد التقط أنفاسى بالكاد عقب نجاحى فى الصعود ووصولى إلى تكرونة من سألنى أحد أهالى القرية ضاحكا : ياترى ماهى أجمل أغانى أم كلثوم لديكم ايها المصريين .. فقلت : إنها أغنية استلقى على ظهرك ونام طويلا ، وتمددت .. فقد كانت طلعة جوية وليست جبلية.




طائرة آخر الليل

على كل حال هبطت بنا طائرة الخطوط التونسية فى مطار قرطاج الدولى متأخرة عن موعدها ساعتين إلى ما بعد منتصف الليل ، ولو سألتنى ولماذا لم تكن طائرة خطوط مصر للطيران ، لأجبتك على الفور الفارق فى السعر كبير ، ومن ثم الفارق فى رغبة تشجيع السياحة وأستقطاب السائح كبير ، إنما خفف من وطأة هذا التأخير وجود سائق سيارة موفد من جمعية أحباء المكتبة بسوسة كان بانتظارى إلا أنه أبلغنى بمجرد التعارف عليه أنه ينتظر ايضا وصول ضيف آخر سيكون بصحبتى بالسيارة ، أستاذ جامعى سودانى قادم من القاهرة على نفس الطائرة إسمه الدكتور محمد المهدى البشير أحد أهم المتخصصين والأكاديميين فى التراث الشعبى السودانى ، وفى السيارة وبمجرد ركوبنا عندما حاولت أن اضفى جوا من المرح على السائق، قائلا: اسمع يا أسطى .. إنت عارف طبعا أن طريق مصر والسودان اللى هتمشى فيه اتجاه واحد .

كان رد السائق ذكيا : طبعا عارف ، لكن دايما بدايته تكون من تونس.

دعنى اعترف إليك ، لقد كانت سعادتى لاحد لها عندما تبين لى أن الطريق الذى تقطعه السيارة من تونس العاصمة الى سوسة طريقا خاليا من إعلانات الفضائيات برامج كانت او مسلسلات ، وليست مثل الطرق والمحاور فى مصر دور عرض من الأسفلت محاصرة بالاعلانات .. وهنا قلت متشجعا : هل تم غلق وإلغاء الفضائيات فى تونس.

ضحك السائق : نادرا ماتجد إعلانات للفضائيات فى طرق والمحاور والكبارى فى تونس كما فى مصر.

وبينما كانت السيارة تقطع الطريق والذى يبلغ طوله 140 كيلو مترا من جنوب تونس العاصمة ، ، تفرغت وصديقى السودانى للاستمتاع بذلك الاخضرار المتسع وهو يلاحقك بسرعة السيارة ، يقتل كل ملل يمكن أن يتسرب إليك أو كل تعب بالفعل هو مسيطر عليك ، وزاد إعجابى عندما تأكدت واطمأن قلبى أن الأراضى الزراعية المترامية الاطراف على جانبى الطريق هى بخير خالية من بناء أو أية محاولة لبناء منتجعات سكنية او فيلات وقصور كما هو الحال فى طريق مصر اسكندرية وغيرها من الطرق الصحراوية لدينا ، كم أحسست بفارق كبير بين رمزية ودلالة الطريق الذى نسير فيه والطريق الذى فيه التوانسة ، فكلانا عاش ومر بتجربة متشابهه، نحن طرقنا صارت رهينة لإعلانات التفاهة والمسلسلات والمنتجعات السكنية الفاخرة المستفزة لشعب يعانى أزمة اقتصادية حادة ، وهم طرقهم بدأت تستعيد قدراتهم بجدية ملحوظة ، بإعلانات جادة تدعو للاسترشاد بالتخطيط العلمى والتوسع فى مشروعات الشباب الانتاجية ، وارشادات تكاد تصرخ فىاذنيك وهى تدعوك للقراءة والمعرفة والحفاظ على التراث والهوية ، وفيما بدأت هذه المقارنة كانت تزيدنى ألما ووجعا ، كانت الساعة تقترب من بزوغ فجر يوم جديد ، وكان التعب المسيطر على جسدى صار أقوى من خيالى ومن بقايا أحلامى ، فاستسلمت وارتميت نائما كأننى قطعة من الحديد الملتهب اسقطت فى ماء بارد ، لا أستيقظ على صوت سائق السيارة قائلا : أهلا بكم فى سوسة إحنا وصلنا الفندق الذى كان نائما تماما ولم نجد إلا موظف الاستقبال الذى كان يغالب نومه فى انتظارنا .

سوسة المحروسة

إذن نحن وصلنا إلى سوسة وخيوط الفجر تلفها .. ولعلك مثلى مازلت تتذكر أيام الصبا عندما نردد: « أرايت سوسة والأصيل يلفها .. حلة نسجت من الأضواء «المفاجأة أنه إذا سألت من هو ذلك الشاعر الذى نظم هذا البيت الشعرى الأشهر ، قليلون هم الذين يعرفون أنه كان مطلع لقصيدة شهيرة’ بعنوان « من وحى سوسة»، نظمها شخص اسمه على محمد أحمد كان يعمل مدرسا للغة العربية بمدرسة بنغازى الثانوية بليبيا ، ولد عام 1918 فى واحدة من قرى طنطا ، وتوفى عن عمر يناهز الأربعين عاما، لم يكن يقصد سوسة التونسية إنما سوسة الليبية، فهناك ثلاث مدن فى بلدان المغرب العربى « تونس والمغرب وليبيا « تحمل إسم سوسة ، وهنا إسمح لى أن أحلم أن ياتى يوم ومثلما سجل التاريخ أن شاعر مصرى هو صاحب بيت الغزل الشهير فى سوسة الليبية ، قد يفعلها التاريخ ثانية ويسجل أن حكواتى مصرى فى النصف الاول من شهر مايوم 2017 ميلادية ، كاتب صحفى وهوايته الحكى الشعبى وباحث فى التراث هو صاحب البيت الشعر - الذى سيكون أشهر باذن الله – « أرايت سوسة والحكواتى الاصيل يلفها ، حكاية مجد نسجت من زمن قديم»..

على أية حال لم يكن من الصعب على موظف الاستقبال بالفندق أن يلاحظ ويظن أنه من تعب وإجهاد السفر والسهر بلغت مرحلة الهذيان والخيال وصرت أكلم نفسى ، فيشفق على حالتى ويسلمنى مفتاح الغرفة وقال : يبدو إنك متعب جدا من عناء السفر.. تفضل إترك جواز سفرك وإصعد إلى غرفتك.




إذن لابد من النزول فورا لمقابلة الفريق المنظم واللحاق على الأقل برؤية ومشاهدة شوارع وأسواق حى الرباط القديم وقد تزينت بحكايات الأقدمين ، والرجال والنساء والأطفال وهم يصطفون على جانبى الشوارع يتوسطهم الفداوية بأدائهم الحركى التمثيلى المتقن ، واصواتهم المتقمصة لكل شخصيات الحكاية ، كانت الدهشة تسحب وجوه الأطفال وتحركها وكانوا كلما انتهى الحكواتى من سرد حكايته يطالبونه بالمزيد ، لكن الذى لم أتوقعه أن تسوقنا أقدامنا خلف أحد الفداوية باتجاه باب بحر أحد أبواب سور المدينة المنيع وهو بالمناسبة سور من الصخر يحيط بمدينة سوسة به 8 ابواب ولا يختلف كثيرا عن سور القاهرة وابواب النصر والفتوح وزويلة ، وربما يفسر لى ذلك معنى أن هذا السور سبب فى أن يكون اسم المحروسة لقب منحه الفتح العربى الاسلامى لسوسة تماما مثلما منحه للقاهرة.



الجازية الهلالية والرأس المقطوع

وبالصدفة وبينما كنت منهمكا بمتابعة عرض حكواتى وجدت كيارا فونتانا باحثة الدكتوراة الايطالية بجامعة لاسبينزا بروما - والمتزوجة من الليبي الاستاذ بجامعة روما والخبير بشئون التراث الدكتور ابراهيم المقدود ، والذى قد قدم لنا بحثا مهما عن وشوشة الصحراء وعلاقة الأسطورة بالديانات والمعتقدات القديمة كما هو الحال فى الحضارة اليونانية والفرعونية .. هذه الباحثة الايطالية وهى من صقلية تتكلم اللغة العربية بطلاقة قالت لى وهى تستمع الى مايسرده الفداوى من حكايات : أن كثير من حكايات التراث الصقلى الايطالى الشفهى وكنز الاساطير والتقاليد الاحتفالية خاصة المتعلقة بـ «الحزن والموت» هى متقابلة ومتشابهة مع ما اسمعه الآن من حكايات بل هى متشابهة ايضا مع عاداتكم واحتفالاتكم وطقوسكم الدينية فى مصر تحديدا فى ذكرى عاشوراء ، هى نفس الحكايات ربما تختلف أسماء الاماكن الجغرافية ، لكن فى النهاية يمكن الحديث عن تراث انسانى مشترك.

قلت : وأنت كم كنت رائعة بالامس وانت تسردين حكاية الفارس الأسود والرأس المقطوع على الملتقى العلمى للحكاية ، فلقد أحببنا زهرية الورد ورائحتها رغم أننا نعرف أنها لرأس مقطوع من فارس عاشق.

وفى «دار قمر» أحد البيوت الثقافية المعروفة فى حى الرباط العتيق بمدينة سوسة ، كان الحضور والإقبال طاغيا عندما كنت أجلس أنتظر دورى لتقديم رؤيتى المصرية فى حكاية الجازية الهلالية ، فحسب وصف المؤرخين كانت إمراة تصنع الرجال وبألف رجل ، وحسب وصف الحاضرين فى العرض كم كانت خطوة جريئة أن يغامر حكواتى بينه وبين هذه المرأة الاسطورية البديعة الجمال وفصيحة المقال الف عام ، تقديم حكايتها باسلوب الحوار الصحفى العصرى ، مما اعتبره البعض من حضور العرض تجديدا مصريا جريئا فى أداء فن الحكاية ، قد يجعلنى منافسا حقيقيا لحكواتية آخرين مخضرمين مثل أسماء مصطفى من الاردن ، السيدتين المخضرمين نعيمة ومينا من الجزائر جميعهم سبقونى فى سرد هذه القصة وحكايات أخرى.

اللافت أنه وعقب انتهائى من تقديم هذا العرض لمحت طارق الزرقاطى أحد الحكواتية المشاهير فى تونس والمسئول الإعلامى والصحفى للمهرجان ، وهو يلوح بإشارات وحركات تملؤها السعادة الغامرة لنجاح تنفيذ فكرته «حكاية ومناظرة حكواتية «وعرفت فيما بعد أن سر سعادته يكمن فى أن ظاهرة «الفداوي» بدأت تعود بقوة إلى عادات رمضان لتحتل مرة أخرى مكانها المعهود في المهرجانات والأنشطة الثقافية في العاصمة والمناطق، بعد أن كانت اندثرت مع الحرب العالمية الثانية وظهور الإذاعة .

إلا أن كثيرا من الباحثين والدارسين للتراث وعشاقه كشفوا لى عن السر الحقيقي لهذه السعادة لا تكمن فى نجاح تجربة مناظرة الحكواتية حول حكاية الجازية ، إنما هو نجاح جمعية أحباء المكتبة بسوسة وبتناغم تام المدير الثقافى الجهوى الشاذلى عذبو ، بأن تظل ومنذ تأسيسها حارسا لمهرجان أيام الفداوى والحفاظ على بقائه واستمراره بانتظام على مدار 17 عاما بقيادة كتيبة ثقافية مقاتلة يطلق عليها « 4 + 2 «أى اربع سيدات ورجلين وبصحبتهم شباب وفتيات» هذه الكتيبة المكونة من دليلة الدهمانى رئيسة الجمعية وحياة الزروماطى المنسق العام للمهرجان والملتقى العلمى وجليلة عجبونى للمتابعة وام كلثوم حسن للتوثيق والرجلان هما الدكتور عبد الرحمن ايوب المشرف العلمى على الابحاث التراثية وطارق الزرقاطى الحكواتى المعروف « .. فقد إستطاعت هذه الكتيبة أن تجعل من ايام الفداوى ملتقى حقيقى لحكايات الاقدمين ، حكواتية وباحثين ودارسين ومشاركين من دول مغاربية واوربية ومصر ، بل صارت حلقة تفكير ملهمة للذاكرة الشعبية تستقطب كل عام المزيد من الاجيال الجديدة الناشئة، تحثهم على القراءة وتزيد من ارتباطهم بتراثهم الوطنى وتاريخ بلدانهم والاقبال على دراسته ، وكثير من هؤلاء الشباب الباحثين والدراسين نجح ومن خلال ماتقدم به من اوراق علمية فى الندوة العلمية « الحكاية وفنون الاداء « والتى أدارها باقتدار احد اساتذة المعهد الوطنى التونسى الدكتور عبد الرحمن ايوب ، أن يقوموا بتوظيف الحكايات القديمة لخصوصية المرحلة الراهنة التى تمر بها البلاد ، مما استحق أن يكون هذا الملتقى واحدا من الجدران الصلبة التى تحمى الهوية العربية التونسية و الحفاظ على اعتدالها ضد الارهاب والأفكار المتطرفة، وكل السعادة رأيتها فى عيون هؤلاء الشباب وهم يسمعون من جيل الاساتذة خبراء التراث مصطفى يعلى من المغرب ، مهدي البشير من السودان ، عبد الحميد بواريو من الجزائر ، ابراهيم المقدود من ليبيا ، المهدى مقدود ومنى عباس ويتقدمهم عبد الرحمن أيوب من تونس النصائح وكلمات المديح عن ذلك الاتساع الملحوظ اذكر منهم رملة الحصايرى وعواطف منصور وعاشور سرقمة عميد كلية الاداب بالجزائر وسمية بالحاج والمعز الوهايبي قدموا اوراق عمل تؤكد أننا امام جيل واعد من باحثين وباحثات التراث.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق