رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

خادم السيدة (ميم)

فاطمة العبيدى
فقدتُ قدرتي على العمل منذ عقود طويلة، حيث أسدلت الحياة ستائرها على وَهَجي، وأصبحتُ خاويًا من كل شيء إلاّ مظهرًا قديمًا يذكّر الناس بتاريخ ملوكهم، فينظرون إليّ نظرتهم إلى مومياء حزينة، لأنها وحيدة .. لكنني لم أفقد ذاكرتي بعد.

لقد خدمتُ بقصر ملك عظيم، لا يهمني إن كنتَ لا تعتقد بعظمته، أو أنك تشعر نحوه بالكراهية، أنا لا أهتم بالسياسة مطلقًا، أنا خادمٌ مطيع، أمينٌ على الأسرار، سعيدٌ بما كنتُ أقدّم للحياة، لكن الحياة لا تسعد بنا كثيرًا، بل تحكم علينا بانتهاء الصلاحية بتقادم الزمن والتطور الذي يصيبها، هل التطور داء يصيب الحياة ؟ أشعر بهذا أحيانًا، لا أدري، ربما أنا قديم إلى درجة تفقدني القدرة على تقبل هذا التطور الحاصل في الحياة، وقد يكون الحنين إلى زَهو عهدي هو السبب، دعنا من هذا الحنين الآن، فقد عادَ لي الأمل بالحياة وعودتي إليها مع قدوم تلك السيدة (ميم) لتأخذني معها إلى بيتها، أخيرًا وجدتُ من يؤمن بي وبقدرتي على العطاء من جديد، رغم كِبَر سنّي ومظهري القديم، يبدو أنها تؤمن بالتاريخ، ولكن مهلاً .. ماهذا البيت الصغير الفقير؟ هل أتت هذه السيدة لتجعلني خادمًا لها، وهي لا تملك إلا حجرة لا يتجاوز حجمها إلا بضع سنتيمترات زائدة عن علبة سجائر الملك؟ ما هذا الغباء؟ وإن كانت فقيرة إلى هذا الحدّ، فما حاجتها بخادم ملكيّ مثلي؟
ما هذا الحظ العاثر؟ أبعد كل هذا الانتظار، يكون نصيبي العمل مع سيدة فقيرة لا تكاد تملك قوت يومها؟ حسنًا، يبدو أنه لم يعد لي خَيار في هذه الدنيا، لابد من قبول ما لم يكن قبوله ممكنًا في السابق، لابأس .. فهي سيدة جميلة على أي حال، إنها جميلة للغاية، لها عينان واسعتان عسليتان، تحملان غموض الدنيا وبهجتها، صوتها عذبٌ إلى درجة لا تصدّق، جسدها الممشوق اللدن مثيرٌ للاهتمام والرغبة في امتلاء الذاكرة من تفاصيله، حسنًا، ربما هي مغامرةٌ جيدة، العمل مع سيدة بهذه الصفات، إنها دمثة الخُلُق معي جدًا، فهي لا تناديني إلاّ بـ (صديقي الملك)، قالت لي بفرح طفولي وهي تأخذني إلى بيتها : ستكون شاهدًا على مغامرات كثيرة في حياتي وموتي يا صديقي الملك!! لم أفهم ما تقصد، لكنها فعلاً غريبة الأطوار، كيف لسيدة فقيرة أن تحمل في دولابها زجاجات العطر الفاخر، والنبيذ النادر(وخادمٌ مثلي)، وهي لا تأكل سوى بضع لُقيماتٍ من الفول النابت أو الجبنة القديمة أو فطيرةٍ خاليةٍ من الحشو؟ لا أدري، لكن أشيائها غريبةٌ مثلها، دولابٌ واحدٌ بأبواب زجاجية فيه كل شيء، الملابس، الكتب، النبيذ، العطور، المناديل الملونة، وصور قديمة لأشخاص كُثر، من بينهم الملك الذي كنت خادمًا له يومًا ما، آها .. الآن فهمت، لقد جاءت بي لأنني خادم الملك الذي تحبه!! إنها حقًا تهتم بالتاريخ، فلوحات البيت تنتمي لعصور مختلفة، من الفراعنة وحتى ملكي الراحل رحمه الله.
مرّت أيامٌ على وجودي في هذا البيت، لم أنَم مطلقًا، هي أيضًا لا تنام إلا نادرًا، تبدو متيقظةً دومًا وكأن شيئًا ما يؤرقها، لقد أصبح هذا الشيء يؤرقني أيضًا رغم جهلي بكنهه، فأنا أفكر بتفاصيل هذه السيدة منذ أن دخلتُ بيتها، لكنني تعبتُ حقًا، أليس في هذا البيت سبيلاً إلى الراحة أبدًا؟ أليس في شعاع الشمس ما يثير فضولها كي تفتح النافذة وترحمني؟ أليس في هدوء الليل ما يُسكن روحها فتنام وترحمني؟ لقد تعبتُ حقًا، وفضولي في التعرف إلى هذه السيدة (غريبة الأطوار) لم يخفف من وطأة الإرهاق الذي يُصيببني نتيجة عملي ليل نهارٍ بلا نوم، لم يخفف من الصداع الذي يصيبني نتيجة صراخ الأطفال في حارة السيدة، ونداء الباعة الجائلين على بضائعهم الرخيصة نهارًا، وعليّ أن أتحمل كل هذا الصراخ وأقرأ لها صحف الصباح، وأخبار الطقس لهذا اليوم، ربما كان الليل أخف وطأة فلا تسمع صوتًا في الشارع إلاّ نادرًا، لكنها لا تنام، بل يزداد عملي معها ليلاً، فأجدني أقرأ لها الشعر المقفّى وتاريخ السحرة والكهّان، وأصول الأنساب، وروايات الرعب والجاسوسية، ومسرحيات شكسبير، وقصص الكوميديا السوداء، ونظريتا التطور والنسبية، وسحر الشرق، ومجون الغرب، ما كل هذا التناقض؟ إلى ماذا تريد الوصول هذه السيدة؟
مرّت عشرة أيامٍ على وجودي في هذا المنزل الغريب، انتهى فضولي بفعل الإرهاق، لكنه بدأ اليوم من جديد بفعل الباب الذي فتحته لأول مرة لغريب يدخل البيت!! تبادلا القبلات الحارّة، لكنها لم تُطل الاستسلام لقبلته، بل ألقت به جانبًا كي تخلع بعض من ثيابها، كانت غامضة ومثيرة، ظل يلهث خلف غوايتها طويلاً، بلا فائدة، فلا هي تمنعه فيتركها يائسًا، ولا هي تمنحه فيمتلئ بها وتملئ به، شعرتُ بالخجل من مشاهدة أفعالها، كما شعرتُ بالحيرة، لماذا تفعل هذه الأشياء؟ أتراها تنتقم منه؟ أتراه خانها يومًا؟ أتراه أورثها حبًّا لم يشتعل يومًا بناره؟ لا أدري.
وجاء يومٌ آخر يُفتح فيه باب البيت الصغير، لتدخل منه مغامرة أخرى، سيدةٌ عجوز تجرّ ورائها ثلاثة أطفالٍ يتامى، فتفتح السيدة (ميم) خزانتها الخشبية وتمنح العجوز مالاً كثيرًا، وتعدها بالحصول إلى نفس المبلغ شهريًا، من أين لها كل هذه الأموال؟ ولماذا تعيش حياة الضنك إذا كانت غنيّة هكذا؟ .. تخرج العجوزبأطفالها الثلاثة، فتهوي (ميم) راكعةً على قدميها وتبكي " اللهم أجعلني سببًا في إنقاذ هؤلاء الأطفال".
ويومُ ثالث يشهد معي مغامرة جديدة للسيدة (ميم)، فلأول مرة منذ أن عملت معها أجدها تفتح الباب لتخرج، لكنها لم تخرج بثياب عادية، ولا بملامح عادية، بل خرجت ممتلئة بثياب غريبة، واضعة على وجهها مساحيق غريبة، مستبدلةً ملامحها الجميلة بوجه مبتسم حزين يقولون عنه أنه المهرّج !! لم أحضر يومًا فقرة مهرّج في حياتي، لكني قرأت عنهم وشاهدت صورهم في قصص الأطفال . فتعود لتدرك أنني مازلت أعمل بإخلاص، فتشكرني ونبدأ القراءة معًا.
ويومٌ رابعٌ يأتي بمغامرة جديدة، فزوّارها اليوم كُثُر، نساءٌ ورجال، يعتصرون الخمر في بطونهم كأنهم أقسموا على تعذيب أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة، ويتدارسون أحوال البلد كأنهم عصبة الأمم المتحدة، ويكتبون ميثاقًا بينهم على ألاّ يخرج من بينهم خائن، وإن خرج، فنصيبه الموت الزؤام.
لكن أصعب الأيام مع السيدة (ميم) كان يوم أن حضرإلى بيتها أحدهم منفردًا، يرجوها الغفران، وتتلعثم الحروف من بين شفتيه، فتهدئ من روعه، وتسقيه الخمر حتى يثمل، هل ثمِل أم مات؟ لا أدري !! .. لكنها تبدأ بانتزاع بضع بلاطات من أرض غرفتها لتحفر تحتها قبرًا يسعُ هذا الرجل !!
هكذا مرّت أيامي مع السيدة (ميم) ومغامراتها، لأكون شاهدًا على طهرها ومجونها، إخلاصها وغدرها، حبها وكرهها، رفقها وقسوتها، وعليّ أن أبقى خادمًا مخلصًا، أمينًا على أسرار مخدومي رغم الألم الذي يصاحبني مما أنا شاهدٌ عليه.
بدأتُ أرجو الرحيل، ويبدو أن إله السماء تقبّل دعائي، حين جلست سيدتي بالقرب مني تبتسم ابتسامة حزينة، وتخبرني بألم أن عليّ وداعُها، فقد قدّمَتْ ما يكفي لهذا العالم من تضحيات، وأمنيات، وابتسامات، ولم تنل منه سوى الخيبات، إنها سيدة الأسى التي دخلت سجون الحاكم الظالم على يد حبيبها الخائن، لتخرج منه مهرّجًا يبكي على البسمات، لتقطع طريقًا طويلاً في محاربة التحرش والتوحش وانتزاع الإنسانية من أطفال الشوارع، دون جدوى، لتنقذ العالم من سفّاح النساء، دون جدوى، لتعبر على الشوك في سبيل الوصول إلى بر الأمان، دون جدوى، لم يبقَ لها سوى دربُ الإله، إنها تبكي وتضحك وقبل أن تنمحني آخر ابتسامة لها في الدنيا، تقول لي : " مصباحي الجميل، صديقي الملك، لقد كنت شاهدًا على قصري وقبري معًا، فلتَنَم هادئ الرؤى فاليوم عليّ أن أفتح نافذتي وأرحل ".

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق