رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الناس عندها هم صُنّاع المكان .. فلا قيمة للجنة بلا إنسان.. داليا أمين أصلان: روايتى «المختلط» هى التى كتبتنى

حوار ـــ أسامة الرحيمي
إن لم يتنبه القارئ جيدا فى أثناء توغله في رواية «المختلط»، ستختلط بذهنه بعض الأمور، وتلتبس عليه شخصيات ووقائع، كونها عملا حاشدا .لكن يبقى المكان «دُرُّتها»، ومداها، في«حي المختلط» بمدينة المنصورة، من وقت إنشائه قبل قرن كامل، إلى وقتنا الراهن. ذلك الحي الذي كانت تشيع فيه السماحة الإنسانية، وتُوّسعه رحابته المعمارية، ويمنحه تجاور الثقافات المختلفة براحا حميما، ويُضفي عليه النيل تألقاً إضافياً.

وكثرة شخصياتها، وتوالي أحداثها، وتعاقب أجيالها، يحيل المشهدإلى طبقات جيولوجية،داخل النفوس، والتفاعلات الاجتماعية، والواقع العام، بما يجعلها رواية لمصر «الكوزموبوليتان» في أهم تجلياتها، لا مدينة المنصورة وحدها، وفيها يتأمل الإنسان ذاته، ومحيطه ليفهم الحياة.

هي الاختبار الأول، الصعب، لكاتبة جسورة. «داليا أمين أصلان» التي ألقت بنفسها في نهر الأدب، وهي تُدرك أن ذكريات حميمة إلى هذا الحد كفيلة بحمايتها من الغرق، وإعانتها على مواصلة الكتابة باحترافية العوَّامين.

عادة يحتفي القُرّاء بـ «مصر الكوزموبوليتان».. وروايتك «المختلط» تعيد التذكير بها، فهل هذا بظنك رد فعل على التطرف والفرز الطائفي الذي تمادى في العقود الأخيرة، أم ميل إنساني طبيعي للسماحة؟

أظنه الاحتياج الطبيعي للسماحة؛ للتعارف والتآلف الذي خلقه الله في الإنسان تجاه الآخرين ماداموا لا يؤذونه في شيء، ولا يقتحمون حياته الخاصة. لماذا نزرع قيم العنصرية والفرز في أطفالنا؟ لو تركناهم لتكوينهم الأول لاختاروا تعدد المعرفة والاختلاط. ولم أكن أعرف مصطلح «الكوزموبوليتان» حتى قرأت مقالة نقدية عن روايتي تصف مصر بالكوزموبوليتان، فبحثتُ عن معناها. نعم.. بلادنا تتجه نحو طائفية عنيفة، وللأسف بإرادة ودفعٍ من بعضنا، لعَزْلِنا ثقافيا، داخل بيوتنا التي لم تعد تقرأ، ومنظومتنا الإعلامية لا تتصل بالعالم الواسع بشكل كافٍ، ولا بحياد. فتحولنا من مهاجمة «الآخر المستعمِر» للتخلص من عقدة الخواجة، إلى مهاجمة«الآخر الكافر» لندخل الجنة. في الحالين رسبنا في اختبار «التعايش» الثري مع الثقافات، والديانات الأخرى.

و«فهمي» تحديدا رمز لروح السماحة تلك، لكن حياته لم تخل من تعقيدات متتالية، وكأن روح الكوزموبوليتان تلاشت بكل أبعادها مع رحيل الأجانب، فهل اختفت من نفوسنا بظنك؟

السماحة اختفت من نفوسنا، وقيم أخرى كانت أصيلة فينا. لم نصبح ضد المختلف عنا في الديانة فقط، إنما ضد اختلاف اللون، والوزن، والحالة الاجتماعية، والأصول الإقليمية، والشهادة الجامعية.. إلخ. ورحيل السماحة ليس مرتبطا برحيل الأجانب، فما زال بمصر أجانب نعاملهم بسوء وجهالة كما نعامل أنفسنا. وحقيقة الكوزموبوليتان إنها مفهوم إنساني، وتفاعل بشري، وتنوع بلا تعقيدات ولا حواجز، لكن للأسف السماحة شحبت، بتلاشي التعدد الإنساني الحُر، وأُزهقت روحها بالمفاضلة والتسلط وتقديس اللون الواحد، والديانة الواحدة، والمهنة التي تجعلك أعلى من بقية المواطنين. فما بالنا بأجنبي يعيش بيننا.

واسم «المختلط» لا يعكس حالة اختلاط الإثنيات والطوائف القديمة فقط، بل يظهر أيضا اختلاط الوافدين من الصعيد والشرقية الذي بدا كاستبدال للنظام القديم بالفوضى الجديدة.. فهل هذا مقصود؟

للآن أقرأ رواية «المختلط» فأجدها عملا غير محسوم وبحاجة لتعديلات للأفضل، وأندهش من حوارات فيها.. وأتساءل لماذا أخذت هذا المسلك، أو ذاك؟، وأحاول تذكر ما دفعني لطرح فكرة، أو أخرى؟.. إن صَحّ القول فإن «المختلط هي من كتبتني» وليس العكس، ولا أفهم نفسي بالوضوح التام كما في سؤالك. ومع هذا، لو اتبعتُ مخيلتي، سأقول إنني نتاج هذا المناخ، ابنة المدينة التركيبة والبناء. ونشأتُ على وجود هؤلاء الوافدين، وتعاملنا اليومي معهم، كشركاء مكان، بحكم الجيرة، و«نوعية» لقمة العيش. يدخل المنصورة كل صباح، تبعا للإحصائية الرسمية، مليون إلا ربع وافد من محافظات أخرى، منهم مَن يغادرها نهاية النهار، ومنهم من يفضّل البقاء بيننا. أخواتي متزوجات من رجال لا ينتمون للمنصورة بالولادة، وصار لهم فيها أولاد.

أنت الراوية/الحفيدة نفذتِ إلى فضاء الرواية من زاوية «ترميم بيت الأجداد» في «حي المختلط» بمدينة المنصورة، فهل هي حيلة لإطلاق الحنين الجارف إلى جماليات الماضي، أم لتعظيم البكاء على الحاضر المنفرط؟

هل يمكن أن أختار كليهما؟ المشهد بداخلي مؤلم فعلا، أنت تعرف المختلط الحي على ما أظن، امشِ فيه الآن وستروي لك الجدران المتهالكة، الآيلة للسقوط, قصصا تدهشك. للأشجار هناك رسم وتاريخ لا يشبه أشجار الڤيكس المنتشرة حاليا في شوارع المدينة، خالية من الجمال، والثمر، والمعنى. كأنها بلاستيكية. البيوت الحديثة أيضا تخلو من الجمال والمعنى والروح.

الرواية تكشف من أول عتباتها فى العنوان الرئيسي والفرعي (المختلط/وُدّ) التماهي بين الناس والمكان، فكلاهما عنوان للآخر، من يريد قراءة البشر يمكنه عن طريق المكان، والعكس، في حالة تداخل حميمية- فهل هي الحقيقة مجردة، أم رؤية الراوية/الحفيدة، وما تبقى في وجدانها؟

الناس في كل زمان هُم من صنعوا المكان.

ما قيمة الجنة إذا لم يُشَقُّ فيها طريق لإنسان؟

فكيف الحال لو أنه مكان لايزال محتفظا بميراث إنساني ضخم، دقيق، به معمار، وزينة، مُكَلِّفة، ومقصودة،وثقافة مفتوحة، لها طقوسها المتفاوتة، وظروفها، التي نحتت تاريخها شخوص وأحداث؟

أظن حتى ولو دخلت الراوية الحي بعد غياب سنين مصابة بألزيهايمر، فبمجرد رؤية باب بيتهم القديم، ومدخله، وحديقته الخلفية، وشقة جدتها، سيعود لها الحنين، وتفاجئها الذاكرة، وتشتهي إعادة الحكاية.

لأنها رواية أجيال، وتغطي قرنا كاملا من الأحداث، ازدحمت بالشخصيات، فاختلط الأمر على البعض، وتاهت منهم الأسماء والروابط بينها، واعتبروها مأخذا على الرواية، ألم تجد لذلك حلاً فى أثناء الكتابة؟

كانت هناك حلول كثيرة، جيدة، لكنني اخترتُ المتاهة. أولا لأنني أحب تلك الطريقة في القراءة، العشوائية، كأن تكّون مشهدا بقطع پازل، والقارىء يجد طريقه من خلال العلامات، وهي طريقة تمنح كل قارىء رؤيته، عليها بصمته، فيرتب الأشخاص بذهنه، ومزاجه، ثم ينقلها إلى ورقة خارجية في الفصول الأخيرة، ويجد الحل. اختصار المغامرة وتقديمها له جاهزة يحرمه من متعة كبيرة، وربما يفقده شهيته منذ البداية.ثانيا، كان سيحرمني من تلقائية الحكي، ويضع الفكرة في قالب كلاسيكي مزدحم يهددني بالاكتئاب. تخيل نفسك وأمامك ورقة بها مئتان وخمسين شخصية، ستكتب عنهم جميعهم، هل كنت لتفعل؟

العمل بمبدأ المتاهة أمتع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق