رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

النجعاوية

مصطفى نصر
تتابع توحيدة حسان من النافذة الصغيرة فى بيتهم وسط النخل.. يراها فيقترب منها، فهو قريب لوالدها، هو لا يستطيع الاقتراب أكثر من هذا، فأبوه لو علم بدخوله بيت النجعاوية سيضربه، كما أن أمها لن تسمح له بالدخول، فهى لا تريد مشكلات مع والده أبوالغيط.

يطلق أبوالغيط لحيته، وعلامة الصلاة تتوسط جبهته، لا تفوته صلاة فى المسجد.

لم يكن راضيا عن زواج أبيها حسنين بأمها سعيدة النجعاوية، فرأيه إن النجعاويات يتدللن، ويصعب على الرجال قيادهن، لكن والدها لم يهتم، أحب أمها سعيدة وأصر على الزواج منها.أبوالغيط كبير أهل الدرب وأقواهم، يقف وسط النخل يحكى عن جده المملوك الذى هرب من جيش الفرنساوية، وتزوج واحدة سوهاجية، أنجبت له العديد حتى تكون ذلك الدرب، بينما أهل النجع (أهل أمها) أصلهم عبيد سود، كان يمتلكهم جده وأسكنهم ذلك النجع، فتناسلوا وكثروا، وبسبب ذلك جاءوا جميعا سود الوجوه.

لأبوالغيط ولد آخر غير حسان اسمه عبدالحميد، قصير القامة، نحيف الجسم، عيناه حمراوان دائما منذ أن وضع الشطة فيهما ليفسدهما حتى لا يقبلوه فى الجيش.

يسير عبدالحميد خلف والده كظله، لا يعارضه فى شيء، بينما حسان يهرب إلى الإسكندرية، يركب الأتوبيسات، ويقفز منها بمهارة، يبيع الأمشاط والفلايات والنعناع فى الأتوبيسات، ويعود وحده فيقسو والده عليه حتى يهرب ثانية.

حسان طويل مثل أمه، شعره طويل ناعم، الطاقية لا تخفى سوى بعضه، وتوحيدة تحب أن تراه وأن تحدثه:

ـ ستسافر ثانية إلى الإسكندرية؟

ـ آه، لقد اشتقت إليها وإلى الأتوبيسات الكبيرة هناك.

ـ احك لى عنها.

يحكى لها حتى تسمع صوت أمها: «أبوالغيط»، لسنا فى قدره.

ويذهب حسان بعيدا.

كان بيتهم وسط النخل، صغيرا، فوق قطعة أرض كانت آخر ما يمتلكه حسنين والدها، يمر أهل الدرب فى النخل لمتابعة نخلهم، أو للوصول إلى السكة الحديد القريبة منها ـ إذا أرادوا السفر.

لا تذكر توحيدة الآن السبب الذى من أجله غضب أبوالغيط على ابنه حسان بهذا الشكل، ربما لتكرار هروبه إلى الإسكندرية، حتى اشتهر على مستوى المركز كله بهذا، حتى سُمى «حسان الطافش» ـ أو ربما لتحرشه بامرأة أو فتاة، فاشتكت لأبيه (فهو كثيرا ما يفعل هذا).

كل ما تذكره منظر حسان وهو عار إلا من سرواله القصير، وجسده النحيل يرتعش، والرجل الجبار يقبض على يده، وأمها تشدها غاضبة:

ـ ادخلى يا بنت، ليس لنا شأن بما يحدث فى الدرب.

تسمع توحيدة ما يقال، بعض الرجال يحاولون مع والده لكى يعفو عنه، وأبوالغيط يصيح: من يتدخل بينى وبين ابنى فهو عدوي.

وتسمع توحيدة الهمهمات، وبعض الكلمات الأخيرة: مالنا ومال ابنه، ابنه ولن يهون عليه، وصوت امرأة من بعيد: سيقتله.

والرجل قلبه كالحجر، لم يستجب لأحد، وتوحيدة تنظر من النافذة الصغيرة إذا ما غابت أمها عن الحجرة، فيواجهها جسد حسان النحيل، ولون بشرته البيضاء، والحبل الملفوف حول صدره وبطنه وساقيه، والرجل كالأسد الثائر يحمل سوطا، قال عبدالحميد: أخى سيموت يا أبي.

فيدفعه بعيدا حتى يوقعه على الأرض، والأم فى بيتها تولول، لقد أقسم الرجل بأنها لو خرجت من البيت ستكون طالقا.

جاءت سعيدة غاضبة، شدت ابنتها فى عنف وأغلقت النافذة.

ـ مالك أنت بما حدث؟!

ـ سيقتله يا أمي.

ـ ربنا ما يحرمه.

ـ حرام يا أمي.

أرادت أن تضربها، فابتعدت عنها باكية.

تبتعد سعيدة عن الحجرة، وتوحيدة لا تستطيع أن تفتح النافذة حتى لا تسمع أمها صوت فتحها.

تسمع توحيدة صوت التأوه والصراخ، وكلمات بعض الرجال:

ـ يا راجل ارحم، ابنك سيموت.

ـ موته خير من الفضيحة.

تعرف توحيدة أن أبوالغيط ـ رغم شدة تدينه ـ من السهل أن يقتل أعز ما عنده، إذا كان سببا فى إهانته، أو المساس بقدره وكرامته فى البلدة.

صرخت توحيدة عندما خفت الأنين: لقد قتله يا أمي.

صفعتها أمها على وجهها هذه المرة: اصمتي، مالنا وماله، ابتعدى عن النافذة.

ابتعدت، لكن صوت أبوالغيط جاء عاليا.

ـ فليكن معلوما للجميع، إن من سيفك ابنى فهو عدوي، ولن أسامحه.

ـ مالنا وماله.

تباعد الرجال، لم يجرؤ واحد منهم على الاقتراب من جسد الولد الشقي، كلهم يخافون أبوالغيط وبأسه.. الرحمة يا ناس، هى الرحمة زالت عن الأرض؟!

...................

صمت النخل، فلم تعد توحيدة تسمع حفيف جريدة، لا تدرى ما الذى حدث للجسد النحيل، هل مات، أو حن قلب الرجل عليه ففكه وأخذه إلى البيت معه، حتى أصوات المارة الذاهبين إلى البلدان المجاورة، أو السكة الحديد، لم تعد تسمعها.

وتسلل الظلام إلى الحجرة من خلال فتحات النافذة المغلقة.

حسنين ـ والدها ـ ينام وهو جالس يحيك الأجولة الفارغة، يستيقظ أحيانا على شكة الإبرة الكبيرة فى يده، ولا يستطيع صبرا على النوم، فينام بعد صلاة العشاء.

وسعيدة تشقى فى البيت طوال النهار، كما أن الجسد لم يعد قويا كما كان، فتنام قبل أن يعود حسنين من المسجد.

وتوحيدة وحدها، تجلس تحت النافذة العالية، فربما تسمع أصوات الذين يأتون لفكه وتخليصه، لو فتحت النافذة ستصحو سعيدة وتضربها فى عنف، فقد أحست بمدى حبها لحسان من تصرفاتها وجزعها عليه.

****

عندما دخل أبوالغيط البيت، صرخت زوجته فيه: قتلته وارتحت؟!

ثم بصقت فى وجه ابنها عبدالحميد: لو كنت رجلا حقا، ما فعل أبوك ما فعله.

صاح أبوالغيط: كفى يا امرأة.

وخلع ملابسه على مهل استعدادا للوضوء، والمرأة تولول، قال فى نفسه: دعها، فهى أم.

تحرك فى هدوء وكأنه لم يفعل شيئا، والمرأة تصيح من وقت لآخر:

ـ مات حسان يا أبوالغيط، أخوك مات يا عبدالحميد.

دخل أبوالغيط ليصلى فى الحجرة البعيدة، فشدت المرأة قامتها وصاحت:

ـ سأخرج لابنى ويحدث ما يحدث.

لكن عبدالحميد أسرع إليها:

ـ لا يا أمي، لا تفضحينا فى الدرب.

بكت المرأة، فقد وهن جسدها حتى استرخي، ولولا الحائط الملتصق بها لوقعت على الأرض.

نام أبوالغيط كعادته، وظل عبدالحميد بجوار أمه يواسيها.

قام أبوالغيط قبل الفجر، وجد المرأة وقد هدها الصراخ والنواح، فتكومت ملتصقة بالحائط، لا يتضح إن كانت نائمة أو مستيقظة، وابنها عبدالحميد بجوارها، لم يغفل لحظة واحدة.

صاح أبوالغيط فيه: هيا لنتوضأ.

قام دون أن يرد بشيء، والمرأة تنظر نحوه، لم يصدر منها سوى الأنين الواهن، وكأنها هى التى جلدت بالسوط.

خرج الرجل وولده كعادته كل صباح، بعد أن ابتعد عن البيت قال:

ـ تذهب بعد صلاة الفجر إلى النخل لتخلص أخاك مما هو فيه، وتحمله بمساعدة آخر إلى البيت، ثم تأتى بسعفان الحلاق ليداوى جروحه، وسأسير أنا إلى طهطا، ولن أعود إلا مساء.

تمنى عبدالحميد أن يسرع إلى النخل لإنقاذ أخيه، لكن الرجل لن يسمح له بترك الصلاة لأى سبب.

...................

ملت توحيدة جلوسها هكذا بجوار النافذة، فلا يأتيها من خلال النافذة المغلقة سوى نباح الكلاب وعواء الذئاب من بعيد.

شدت شالها، رمته فوق رأسها، ثم سارت حذرة، بحثت عن إناء اللبن، حملته، ووضعت قدميها فى الشبشب

‎فتحت باب البيت حذرة، آه لو ضبطتها أمها سعيدة، ستقتلها تحت قدميها لا محالة. سارت نحو النخل القريب من البيت، المكان مظلم تماما، والكلاب زادت فى نباحها. آلاف القصص تحكى عن شياطين النخل الذين يتصارعون ويلهون بين نخلة وأخري، يرمون البلح من أعالى النخل، يضربون به بعضهم بعضا.

‎كان حسان يحنى رقبته فوق صدره، لقد أدركه التعب حتى فقد وعيه:

‎ـ حسان، حسان.

‎أجابها بأنينه الخافت:

‎ـ آه، آه.

‎ـ حسان، أنا توحيدة.

‎بللت أصابعها باللبن ومسحت شفتيه، صاح هلعا:

‎ـ آه، آه.

‎ـ خذ أشرب يا حسان، أنا توحيدة.

‎وضعت إناء اللبن بجوار فمه فشرب، كان جسده مبللا بالعرق من شعر رأسه حتى جسده العاري، وفكت وثاقه: آه، آه.

‎ـ انتصب يا حسان، لقد وقعت، استند على كتفي.

‎ـ آه، آه.

‎رمت الحبل الليفى بعيدا. ورفعت ذراعه فوق كتفيها: سر معي.

‎سار خطوات قليلة وسألها: إلى أين؟

‎لم تدر بماذا تجيب، هل تذهب به إلى بيتهم، حتى تصيح أمها وربما ترميه ـ هو الآخر ـ خارج البيت، فهى لا تطيق أبوالغيط ولا أهله. من كثرة الأسية التى وجدتها منه. كما أن توحيدة لا تستطيع أن تسير فى الدرب، وإلا كانت فضيحتها على كل لسان، قال حسان:

‎ـ أريدك أن تكملى جميلك، تذهبى بى إلى محطة السكة الحديد.

‎ـ ستسافر ثانية؟!

‎ـ نعم.

‎كان ذلك هو الحل الوحيد، فربما يؤذيه أبوه ثانية:

‎سارت به وهى تبكي، إنها لا تريده أن يرحل أبدا. فكيف تساعده على ذلك؟!

‎أسرعت به وجسده كله ملقى على جسدها، ذراعه تحوط رقبتها، وتستند على ظهرها، ويدها تحمله من تحت إبطه.

‎لابد أن تسرع قبل أن يخرج الرجال لصلاة الفجر، فقد يرونها، آه لو حدث هذا، لن يكون لها عيش فى هذه البلدة ثانية.

‎وصلت به محطة السكة الحديد المظلمة، والتى ليس فيها إنسان، والكلاب تعدو وتنبح بين قضبانها.

‎أجلسته فوق المقعد الوحيد هناك، قال:

‎ـ عودى قبل أن يراك أحد.

‎ـ تستطيع ركوب القطار وحدك؟

‎ـ نعم، إذهبى أنت الآن.

‎عادت فى طريقها إلى بيتها. رأت الشياطين التى تتبعها، وتشد شالها وقدميها، تكاد توقعها وهى تجرى لاهثة.

‎قد تكتشف أمها غيابها، فتوقظ أباها وتكون ليلتها ليلة لا يعلمها إلا الله سبحانه.

‎لكنها دفعت الباب، وأسرعت إلى فراشها بشالها. كانت الحجرة مظلمة، إلا من بصيص ضوء يأتى من الطرقة بين حجرتها وحجرة أمها سعيدة. شدت الغطاء على جسدها وشردت فيما حدث لها، كأنها تحلم.

‎خرج أبو الغيط من المسجد، لم ينتظر ولده ـ كعادته ـ ليعودا إلى البيت معا. تلكأ فى سيره، لم ينظر خلفه، سيترك الفرصة للولد للاهتمام بأخيه. لقد قسى على حسان وهو يضربه. أراد أن يكف عن ضربه، لكن أفعال الولد أهانته فى البلدة وهو المهاب الذى يخشاه الجميع. ود لو تدخل أهل الدرب وأبعدوه عنه ورموا السوط من يده. وخلصوا المسكين. لكنهم خافوه جميعا حتى الذين جرأوا وتحدثوا؛ كانوا يتحدثون من بعيد وبلا حماس. كان يود لو دخل أحدهم وشد السوط منه ورماه بعيدا، وفك الولد عنوة.

‎أسرع عبدالحميد وبعض الرجال الذين كانوا معه فى المسجد، قاصدين النخل، عبدالحميد كان أسرهم.

‎عندما وصلوا إلى أرض النخل، كانت الشمس قد بدأت فى الإشراق، فبدأ ضوؤها واضحا بين جريد النخل الكثير المتناثر. يعرف عبدالحميد مكان النخلة المربوط فيها أخوه. هى وسط نخلهم، بين النخلة التى وقع منها وهو صغير، والنخلة التى كفت عن الإثمار منذ سنوات قليلة.

‎عندما وصلوا إليها لم يجدوا شيئا، نظر حوله، فقد يكون أخوه مربوطا فى أخرى مجاورة، وذاكرته خانته.

‎عندما وصل آخر رجل ممن كانوا معه، بحثوا عن حسان لم يجدوه، قال عبدالحميد مندهشا: من حل وثاقه؟

‎عندما اعتادت أعينهم الرؤية فى الظلام، استطاعوا أن يروا الحبل الليفى الملقى بجوار النخلة، امسكه أحدهم وهو يلوح به، وعاد عبدالحميد والحيرة تشغله.



‎تساءل الناس فى الدرب عن ذلك الذى أنقذ حسان.

‎قالوا إن الشياطين التى تمرح بين النخل هى التى أخذته.

‎سار عبدالحميد وباقى الرجال خلفه، كأنهم عائدون من جنازة.

‎كانت الأم تعد البيت لاستقبال حسان، الولد فى حاجة إلى طعام مغذ ليعوضه عما فقده، وما عاناه من تعب؛ لهذا اختارت أكبر بطة عندها وذبحتها، وستسويها عندما يأتى الصباح.

‎دخل عبدالحميد البيت، عيناه ازدادتا إحمرارا، قالت الأم: أين حسان؟

‎ظنته قادما إليها مع الرجال الآخرين، بكى عبدالحميد: لقد أخذته الشياطين.

‎صرخت الأم: ولدي.

‎حتى اجتمع الناس حولها.

‎ذهب أبو الغيط لزيارة أقاربه فى طهطا، لم يحك لهم عن سبب قدومه اليهم، كان شاردا طوال الوقت، يدعو الله أن تمر الأزمة بسلام، وأن يكون الولد حسان بخير.

‎عندما يعود أبو الغيط مساء، سيكون الولد قد أكل وشبع وارتاح، لن يعاتبه ولن يعتذر اليه عما فعله به، نعم، سيتظاهر بالغضب منه.

‎عندما عاد وجد جمعا من أهل الدرب. نعم وبعض النجوع المجاورة، يقفون أمام بيته. والنساء فى الداخل والخارج يصرخن ويولولن. ظن الرجل ان زوجته ماتت حزنا على ولدها. فهو لم يسمع صوتها المميز بين أصوات النساء.

‎دخل الدار مهرولا. عندما رأته الأم أسرعت اليه كالمجنونة، شدت ثوبه بيديها، لم تتركه إلا بعد أن شقته حتى الذيل، قال:

‎ـ أنت بخير، الحمد لله.

‎ـ لا، لست بخير، ولدى حسان مات، قتلته أنت بقسوتك.

‎انهار الرجل، وقع على الأرض، لقد قتل ولده بالسياط. يا له من جبار، يقتله بالسياط؟!

‎قالوا إن الشياطين حلته من مكانه وأخذت تلهو به طوال الليل، كانوا يرمونه من نخلة لأخرى كما يرمون البلح. ثم أخذوه معهم ورحلوا.

‎قالت امرأة: نعم، حسان كان وسيما، وقد عشقته واحدة من بنات الجان.

استعدت سعيدة للذهاب إلى بيت أبو الغيط للتعزية، قالت توحيدة: ـ يا أمي، حسان لم يمت. دفعتها عنها قائلة: ـ من أدراك، لقد أخذته الشياطين لكى يسليها فى الليل. ـ هذه أوهام، إننا نعيش وسط النخيل منذ زمن بعيد، ولم يحدث لنا شيء. ـ حدث لكننى أخفيت هذا عنك وعن أختك فريدة. ماذا تفعل توحيدة الآن، أتحكى لها عما حدث؟ ولو قالت ماذا سيكون مصيرها، لا من أمها فحسب، فلو كان على أمها لهانت، فالأم مهما فعلت ستخفى الخبر عن الدرب كله خوفا على سمعة ابنتها، واتقاء لشر أبو الغيط، لكن الخوف كله من أهل الدرب الذين سيصمونها بالعار، وستؤثر هذه الفعلة على علاقتهم بأمها وأبيها، لن تحكى عما حدث مهما جري، فسوف يأتى حسان من غربته ليتزوجها، وحينذاك سيعرف الجميع إنه أنقذ من بنى الإنسان، وليس من الشياطين أو الجان كما يدعون.

طال انتظارها لحسان وهو لا حس ولا خبر، حتى كادت تصدق أنه مات، وانتقل إلى عالم الجان عن طريق شياطين النخل التى تمرح طوال الليل. وهدأت توحيدة واستكانت، ما حدث ليلتها كان حلما، أملا تمنته ثم رأته فى منامها من شدة ولعها به، وهل تستطيع ـ هى المسكينة ـ أن تخرج فى الليل، وتتحدى الناس فى الدرب، والشياطين فى النخل، وتسعى متحدية جبروت أبو الغيط... لا، ذلك كان حلما لا شك، لكنه كان متكاملا كأنه حقيقى وعميق فى نفسها من شدة حبها لحسان وخوفها عليه، وحزنها لما حدث له ليلتها. لكن ما حدث لحسان أثر فى أبو الغيط الجسد القوى المتين انهار فجأة. كان الرجل رغم ضخامته يحس ببرودة تزحف فى أوصاله، وارتعاشة فى جسده كله، قالوا فى الدرب إن ذلك لتجرئه وتحديه لشياطين النخل، فقد أخذت ابنه وضرته هو فى صحته، أو أن الجنيه التى اختارت حسان ليكون خليلها قد انتقمت من أبو الغيط عندما رأت آثار السياط فوق جسد حبيبها. المهم أن الرجل كانوا يسندونه ليصلى فى المسجد ونظرة التحدى التى كانت فى عينيه، انطفأت كان يبكى أحيانا دون سبب، وحاول أكثر من مرة أن يخرج ليلا فى الوقت نفسه الذى خرجت فيه توحيدة لإنقاذ حسان، يسير مستندا على الحيطان والنخيل، محاولا الوصول لمكان ابنه، ثم مات فى إحدى هذه المحاولات دون أن يعرف لابنه أثرا. عادوا به جثة هامدة، ارتاحت من عناء البحث عن روح ولدها. لكن أخبارا تسربت من الذين يأتون من الإسكندرية، تفيد بأنهم رأوا حسان، بل إن بعضهم حدثه ولمسه بيده، وهو الآخر حدثهم وسألهم عن والده، وبكى تأثرا عندما علم أنه مات، وسأل عن أمه وأخيه عبد الحميد. ما يرويه الذين جاءوا من الإسكندرية حقيقة لا تقبل شكا. هذه الحكاية كانت حديث الناس فى قهوة زايد، وفى جلساتهم على المصاطب فى المساء، بل وهم منحنون يعملون فى الأرض. ـ لو كان حسان حيا حقا، فما حكاية الشياطين التى أخذته. ـ هل من الممكن أن تحمله الجنية التى عشقته، لترميه صاغا سليما فى الإسكندرية؟! تمنى من لم يره ـ من أهالى البلدة ـ أن يراه ليتحقق من هذا كله، فلا شك أن مشاهدته معجزة تستحق الاهتمام والرؤية والتأمل. قالت توحيدة لامها: ـ لماذا لا نذهب للإسكندرية؟ ـ وماذا نفعل بها؟ ـ النجعاوية ـ أقاربك ـ يقيمون فيها، كما أن أختى فريدة متزوجة هناك. نظرت المرأة إلى ابنتها كأنها تنظر إلى مجنونة أحست بأن خير رد عليها هو الصمت. لكن توحيدة لم تكف عن هذا أبدا، ألحت وحدثت والدها فى ذلك قال الرجل: ـ أى مكان يا ابنتى خير من بلدتنا هذه، هناك أجولة الدقيق كثيرة والمطاحن فى كل مكان، والرزق أوسع. فى ذلك الوقت جاء عبد الحميد، وبعض أصدقائه وأقاربه طالبين يد توحيدة، لكنها بكت وهددت بحرق نفسها لو أجبروها على ذلك، فعبد الحميد يشبه العفريت بعينيه الحمراوين دوما، كما أن شقيقه حسان لن ينسى جميلها، فقد أنقذته من سوط والده، ومن شياطين النخل. لكنه نسى كل شيء، جميل توحيدة، وأسرته وبلده، وتزوج ابنة صاحب محل ملابس بالإسكندرية، هكذا جاءت الأخبار المؤكدة، والتى لا تقبل شكا، بل أرسل حسان هدايا لأمه وأخيه عبد الحميد وأقاربه، ودعا العديد من أهل البلدة إلى الدكان الذى أصبح الآن تحت أمره. لم تجد توحيدة سببا واحدا يجعلها تنتظره، بكت حتى أدمت عينيها وشردت الساعات الطوال. ليس أمامها الآن سوى أن تقبل النصيب وتتزوج عبد الحميد الذى تخاف الأطفال من عينيه، وتتندر البنات على من ستقبل الزواج منه، وهو بهاتين العينين الحمراوين. قالت له: ـ لى شرط واحد يا عبد الحميد.ــ أؤمري.ــ أن نذهب معا إلى الإسكندرية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق