رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بوتين وأردوغان ... بين التكتيك والإستراتيجية

د. سامى عمارة
بعد قطيعة لم تدم طويلا، وإن اتسمت بحدة بلغت حد السباب، عاد الرئيسان فلاديمير بوتين ونظيره التركى رجب طيب أردوغان الى درب المصالحة والتعاون واللقاءات المكثفة التى بلغ عددها الخمسة خلال أقل من العام.

ورغم ما يبدو من مظاهر وفاق واتفاق بين الرئيسين والبلدين فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، ومنها ما يقترب من العسكرية، فان المتابع لخطوات كل من الجانبين، يقف حائرا امام مدى مصداقية ما يصدر من تصريحات، تقف فى بعض جوانبها على طرفى نقيض من حقائق التوجهات.

تظل العلاقات الروسية التركية تستقطب اهتمام المراقبين المهتمين بشئون المنطقة من منظور كونها حجر الزاوية للكثير من قضاياها المؤثرة إقليميا ودوليا.

وفيما يعتقد البعض بأن العلاقات بين البلدين نفضت عن كاهلها ما كانت تنوء به حتى أمس القريب، بما يمكن معه الاقتراب من «حالتها الطبيعية»، فان هناك من يقول ان الشكوك لاتزال تراود موسكو تجاه امكانية الاعتماد على تركيا كشريك استراتيجي، وإن تظل على استعداد للتعاون معها كشريك «تكتيكي»، فى توقيت تتعلق فيه الانظار بما سوف تسفر عنه زيارة الرئيس التركى اردوغان لواشنطن ولقاؤه مع الرئيس الامريكى دونالد ترامب من نتائج.

وجاء تكرار اللقاءات بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان والتى كان آخرها فى سوتشى الاسبوع الماضي، بعد لقائهما فى موسكو فى منتصف مارس الماضي، ليقول ان تعدد الزيارات واللقاءات مؤشر لا مراء فيه، اما نحو دعم العلاقات وتطورها فى خط صاعد، واما صوب التوتر والحاجة الى من يرأب ما تتعرض له هذه العلاقات من متاعب ومشكلات. وذلك ما كان محور الكثير من التعليقات والتصريحات التى نقلت وكالة «نوفوستي» منها ما صدر عن جيفورج ميرزايان أستاذ العلوم السياسية بالجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية. قال ميرزايان «ان أردوغان جاء إلى سوتشى ليطلب من بوتين عددا من التنازلات مقابل «الولاء»، لكن الجانب الروسى أبلغه بعدم استعداده لحل المشاكل التركية على حساب مصالح موسكو، ولاسيما مقابل «الولاء» الخيالى الذى لا وجود له فى حقيقة الأمر». ويذكر المراقبون رحلة المصالحة بين الزعيمين عقب إسقاط الطائرة الروسية وقتل طيارها، واعتذار اردوغان ، وهى الرحلة التى لم تدم طويلا حيث سرعان ما خيًمت الغيوم على علاقات البلدين ثانية «على خلفية انتهاك الهدنة فى سوريا، والترحيب التركى بالضربة الأمريكية ضد «قاعدة الشعيرات» الجوية السورية، والحظر التركى الذى فرضته انقرة على توريدات القمح الروسي»، وهو ما نجح اردوغان فى لقائه الاخير مع بوتين فى سوتشى فى تجاوزه على ما يبدو، وإن لم يبدد الكثير من الشكوك التى تظل تراود موسكو تجاه علاقاتها مع تركيا . وذلك ما دفع عددا من المراقبين ومنهم ميرزايان الى القول «أن أردوغان يريد خلال زيارته طرح تركيا على مزاد بين بوتين وترامب، ليحصل من يقدم العرض الأفضل على الولاء والدعم التركي»، فى نفس الوقت الذى يحذر فيه من «ان تركيا تظل شريكا تكتيكيا لروسيا، لكنها ليست شريكا استراتيجيا يمكن الاعتماد عليه». ونقلت «نوفوستي» عن الخبير الروسى «إشارته» إلى «مزاج أردوغان كشخصية، وكونه معروفا بالغطرسة، وشكوكه تجاه أن يكون من المجدى تقديم تنازلات خطيرة بالنسبة لروسيا لمثل هذا الشريك».. وكانت مباحثات سوتشى أسفرت عن رأب الصدع الذى كان اصاب العلاقات الاقتصادية، بعد ان كشف الجانبان عن رفع القيود على التجارة البينية، بما فى ذلك ما كان فرضه الجانب التركى من قيود على وارداته من القمح الروسي، وإن لم تتخل موسكو عن شروطها المفروضة على صادرات تركيا من الطماطم والتى قد تستمر لمدة 3-5 سنوات حسب المصادر الروسية. وقد عزا الجانب الروسى ذلك الى إجراءات الحماية التى تلتزم بها الحكومة الروسية امام مزارعيها، وما يتعلق بالضمانات البنكية التى قد تتأثر بسبب رخص اسعار الطماطم التركية عن مثيلتها الروسية . وكانت موسكو اعربت ايضا عن استعدادها «للتعاون مع أنقرة حول المسائل الاستراتيجية التى لا تضر بالمصالح الروسية، ومنها بناء محطة «أكويو» الكهروذرية، والتى قال بوتين إن الاستثمارات الروسية فيها ستبلغ 22 مليار دولار، الى جانب المسائل المتعلقة ببناء خط انابيب «السيل التركى» ـ فضلا عن احتمالات التعاقد حول توريد المنظومات الصاروخية «اس-400» إلى تركيا. ولا نستطيع هنا اغفال ما يمكن ان تدره السياحة الروسية على تركيا من مليارات الدولارات نتيجة احتمالات تدفق ما يقرب من خمسة ملايين من السائحين الروس على المنتجعات التركية، بعد استئناف حركة السياحة والطيران مع تركيا . وكان الرئيس بوتين توقف عند هذه المسألة فى مباحثاته الاخيرة مع نظيره التركي، حيث اكد ضرورة الاهتمام بقضايا الامن ، مشيرا الى ما يجرى من تعاون على مستوى أجهزة المخابرات والامن لتنسيق الجهود فى هذا المجال.

وكانت الايام القليلة الماضية شهدت الكثير من المباحثات والمشاورات التى كشفت عن اتساع مساحات الخلافات بين البلدين تجاه عدد من القضايا المحورية، وفى مقدمتها الموقف من مصير الرئيس السورى بشار الاسد، والمسألة الكردية، الى جانب قضايا التسوية السياسية للازمة السورية، وما يتعلق بدور ايران فى سوريا، رغم ما سبق وتوصلت اليه موسكو وانقرة بشأن التعاون مع طهران لتكون الضلع الثالث فى التحالف الذى توصل فى وقت سابق الى اقرار الهدنة فى سوريا. واذا كانت تركيا اضطرت على مضض قبول وجهة نظر موسكو تجاه الموقف من بقاء الرئيس الاسد، والتراجع عما سبق ونقله اردوغان عن بوتين وكأنما قال انه «لن يكون محاميا للاسد»، فى محاولة من جانب الرئيس التركى لـ «توريط» نظيره الروسى بالكشف عما دار خلال مكالمته الهاتفية معه بهذا الشأن، ما كاد يتسبب فى ازمة دبلوماسية، وما دفع اردوغان فيما بعد الى النزول الى قبول التفسير الروسي. وكانت موسكو قالت إن موقفها من بقاء الاسد، لم يتزحزح قيد أنملة عن التفسير السابق الذى يقول إن مصير الاسد رهن إرادة شعبه وانه يظل يمثل الشرعية فى سوريا، وان الاسد وحكومته وجيشه فى صدارة القوى التى يجب التعاون معها على صعيد مكافحة الإرهاب الدولى ، على حد تصريحات الرئيس بوتين التى كان كشف عنها فى اكثر من مناسبة.

اما عن التسوية السياسية وما يتعلق بما اقترحته تركيا حول إنشاء مناطق وقف التصعيد، أى مناطق التهدئة، فقد اكدت المباحثات التى جرت فى سوتشى سواء مع المستشارة الالمانية انجيلا ميركل فى الثانى من مايو الحالى، او عبر الهاتف مع الرئيس الامريكى دونالد ترامب، او بعد ذلك مع الرئيس التركى اردوغان فى الثالث من مايو، ان موسكو تقف الى جانبها، بعد تاكيدها غير مرة، انها لم تكن يوما تقف ضدها، وهو ما أكده ايضا وفدها فى مشاورات الاستانة التى جرت فى 3-4 مايو. وبهذا الصدد قال بوتين فى ختام مباحثاته مع اردوغان فى سوتشى «إننا مع الرئيس التركى متمسكون بموقف يؤكد استحالة حل النزاع السورى إلا بالوسائل السياسية الدبلوماسية. وفى نهاية المطاف، يجب أن تؤدى هذه العملية السياسية إلى استعادة وحدة أراضى البلاد بالكامل وتشكيل قيادة موحدة بغض النظر عن الآراء التى تعبر عنها هذه القوى السياسية أو تلك اليوم». ويبقى الخلاف حول المسألة الكردية ورفض موسكو التخلى عن علاقاتها مع الاكراد وعدم إدراجها لحزب العمال الكردستانى ضمن قائمة التنظيمات الارهابية. وبهذا الصدد نوهت المصادر الروسية الرسمية باستمرار التعاون بين الفصائل الكردية مع واشنطن. واشارت هذه المصادر الى دعم العسكريين الامريكيين للاكراد المنضمين الى الائتلاف المسلح «قوات سوريا الديموقراطية» التى تقف على طرفى نقيض من مواقف وسياسات دمشق الرسمية. وتلك كلها قضايا تتقافز بين الفينة والاخرى على طريق البلدين، لكنها تظل قابلة للنقاش والتجاوز، مثلها فى ذلك مثل عدم اعتراف تركيا بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، رغم اهتمامها بتطوير علاقاتها الاقتصادية والانسانية مع تتار القرم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق