رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تلك اللحظة

سامى فريد
المسافة من هنا إلى بيتها لا تزال طويلة. نزلت من الحافلة فى أقرب محطة ثم بدأت أسير. سأسير. لا بأس. متمهلا سأسير كل المسافة. لا حل غير ذلك. مهما يستغرق سيرى من وقتى لا يهم، بل ربما يكون هذا هو الأفضل. ستكون هى قد عادت من الصيدلية، وعاد الأولاد من المدرسة.

زوجها يعود فى المساء، ربما متأخرا. لا يهم. نهاية الطريق لا أكاد أراها. عند نهايته يبدأ يقاطعنى الشارع الكبير الذى لا تتوقف فيه السيارات بكل أنواعها عن مطاردة بعضها. سأسير فيه ألتفت إلى يسارى كل فترة حتى أرى ذلك الإعلان عن المنتجع الجديد. داخلى قلق. كيف سأعرف الطريق لو أن الشركة غيرت إعلانها أو انها قد اكتفت منه؟ لا يهم. سأسأل. هل هناك حل غير هذا؟ حلقى جاف. أريد رشفة من ماء. الحقيقة أننى أريد زجاجة كاملة من الماء أروى بها عطشى. مزعج مرض السكرى اللعين هذا.. والآن فى هذا الحر وبعد كل هذه المسافة! لا مكان هنا يبيع الماء. ولا فى الشارع الكبير. ربما عندما أصل إلى محطة صيانة السيارات أجد عندهم بعض الماء. سأستريح إذا تعبت. الآن قد حل بى التعب لمجرد أننى ذكرته. سأستريح. سأجلس على الرصيف. لا أحد يعرفنى هنا. المشكلة قد تبدأ بل لابد ستبدأ فى الشارع الكبير عندما يلمحنى بعض من جيرانها أو معارفها يكون قد رآنى عندها فى بعض زياراتى لها كهلا كامل الأبهة والفخامة. ماذا سيقول الآن وهو يرانى جالسا على الرصيف فى هيئتى المزرية هذه؟ سيندهش. وربما لن يصدق فلا يتوقف ليحملنى معه فى سيارته بقية الطريق. وأنا.. ماذا سأقول له؟ وكيف سأبرر له موقفى هذا والحال التى رآنى فيها؟ الأفضل لى وله ألا يتوقف وأن يتركنى على حالى التى وجدت أنا نفسى فيها اليوم.

ولكن.. ينشغل دماغى، هل سيكلمها فيما رآه. أم سيصمت.. أم سيقول لكل من يعرفه هو ويعرفها هى وربما يعرفنى أنا؟ أراجع نفسى.. فلا داعى للتفكير فى كل هذا الآن.. المهم أولا أن أصل إلى هناك. الأهم الآن هو ما سأقوله أنا لها. عن سبب هذه الزيارة بعد كل هذه القطيعة. هل كنت أنا السبب عندما ركضت موهوما وراء أحلام آخر العمر مع من كنت أظنه صديقا يقدم لى فرصة أخيرة لعمل يليق بمنصبى الذى تركته وتركتها وحيدة من بعدى. سأنظر إليها نظرة يفيض منها الأسف على ما ضاع من العمر.. عمرى وعمرها وعمرنا جميعا. ما زلت أسير ومازالت لافتة المنتجع بأشجاره وفخامة مبانيه وكل شىء.. كل شىء هناك.. الشوارع الفسيحة.. الظل.. مسبح الماء الرائق. آه لو يعود الزمان وأقف أنا أمام المسبح وخلفى ڤيلتى.. أقفز إلى الماء فيقفزون خلفى. وهى معى أيضا تجلس على الشيزلونج تبتسم وتراقب الأولاد وتضحك ونتصايح. لا نحمل للدنيا هماً.

ستلقى بنفسها فى حضنى وفى عينىّ ربما تطفر دمعتان قد تساعدانى على طلب الصفح. ستستكين فى حضنى قليلا. أتعشم. ثم ترفع وجهها بعيدا عنى تتأملنى.. هيئتى مزرية. أعرف. الإجهاد ينضح من كل جسمى.

حلقى جاف لا يزال. أدور مع الطريق. أقترب من محطة الصيانة. أقترب. أسأل كوب ماء. يمسح الرجل ما أنا فيه بعينيه. يتأملنى لحظات ثم يذهب ليحضر الماء. أرفع الكوب إلى فمى وأحسو منه حسوات. أرتوى. وأرتوى. الماء النازل داخلى متدافعا يطفيء عطشى. أرضى وأحس أننى استطيع المواصلة. يشير الرجل نحوى وهو يبتعد ليضع الكوب الفارغ فى ركن المحطة. أرفع يدى إليه شاكرا وأنصرف. لا يزال المنزل بعيدا. أسير. أبحث عن ظل فلا أجد. هناك بعيدا شىء ما تلوح المساكن. فاخرة تحتمى بعضها ببعض ربما من عشوائية البشر وتطفلهم. هم فى الظل والأمان والراحة وهى هناك معهم ومع الأولاد.

عند البوابة سألونى عن بطاقتى، أخرجتها لهم. كدت أقول إنى كنت أجىء إلى هنا كثيرا. أنتم لابد تعرفوشى. نعم. أنا هو. لكنى لم أتكلم وقدرت أن ذلك ربما يكون أفضل لى ولها بعيدا عن المقارنات والذكرى بما مضى والتحسر عليه، وربما تجنباً لنظرة متسائلة تبحث عن إجابة لماذا؟ وماذا حدث؟

ماذا يمكننى الآن أن أقول وأنا على هذه الحالة؟ الأفضل ما أنا فيه الآن من الإنكار والتجاهل. تسلمت بطاقتى ودخلت. لا تزال هناك خطوات قليلة مهما تطل فهى لن تكون مثل كل ما قطعت. أنا الآن أقترب من خط النهاية. هذه هى العمارة وهذا هو الباب.. أملى فى الراحة والأمان وانطفاء شوقى لها وللأولاد.

فى هدوء المدخل وعتمته وانقطاع مطاردة حر النهار أحس أننى قد بلغت أرض الأمان على جزيرة كانت فى هدير أمواج المحيط المحاصر بمياهه المالحة. هنا عذوبة الماء وظل الشجر والنسيم المُرَحِبْ.

اللافتة على باب المصعد تقول إن التيار مقطوع والصعود على السلم. لا حل آخر غير الصعود درجة بعد درجة حتى الدور الثامن. لا يهم. سأستريح كلما تعبت على أى درجة من السلم فى هذا السكون. لا أحد أسمع صوته صاعدا أو هابطا. لا وقع أقدام لمخلوق. سأستريح حتى أبلغ شقتها. أعرفها فهى الآن قد أصبحت واحة الأمل. أين أنا؟ مازالت أمامى أدوار كثيرة لكنها تتراجع الآن من الثامن إلى السابع إلى السادس وكأن الأدوار أعمار تتناقص. أحس أننى لا أفقد قوتى بل أستردها شيئا فشيئا. ستزيل آثار ما أنا فيه من الحر والتعب لقياها وفرحة الأولاد وزياطهم وتقافزهم من حولى. مشهد سيكون جميلا ومريحا فيما أنا أضم ذراعىّ على الأولاد من حولى منذ اكتسيت روب البيت الذى أحضرته لى مع ما قد ترانى أحتاجه لحلاقة ذقنى كالماكينة والصابون المعطر. أقول لنفسى: هانت.. دور أو دوران لا يهم. وأتذكر كلمات أمى يرحمها الله «فات الكثير». ستبتسم هى وأبتسم أنا راضياً وسعيداً أتأمل المشهد من جديد.

ستفتح الباب، ليتها تكون هى أول من تقع عليه عيناى.

ستنظر فى وجهى طويلا منكرة بينما مساحات الدهشة وفرحة اللقاء تتسع على وجهها. تتجمع فى عينى دمعتان للاعتذار والأسف أو الحزن والفرحة. أنظر إليها بعينين فيهما رجاء كثير. أدعو الله ألا تخذلنى. إنه أنا.. نعم بعد كل هذه السنين. سأحكى لك كل شىء وأنت ستلقين بنفسك فى أحضانى. السماحة تلفنا وتحتوينا. سننسى كل شىء. كل ما فات. تبتعدين بوجهك إلى الخلف قليلا ثم تعيدين النظر إلىّ متأملة لتعودى إلى حضنى من جديد. الأولاد من حولنا يراقبون المشهد مدهوشين، ومتسائلين.. يبحثون عن إجابة وعن تفسير. سأسير بهم لأقرب مقعد لأستريح. معى المنامة والروب وماكينة الحلاقة وبشكير الحمام. كل شىء. سنبدأ معا حياة جديدة من اليوم. نعم.

أستريح على أقرب درجة سلم أحاول أن ألتقط أنفاسى التى تهرب منى. كم بقى لى من الأدوار؟ أظن أننى أقترب. نعم أقترب. أقترب. استرحت ما تصورته كافيا لصعود ما تبقى من أدوار. فرحة اللقاء الذى أنتظره ترجنى بينما يدق قلبى بعنف.

ساقاى لا تقويان على حملى. لا أصدق أننى قد صعدت إلى الطابق الثامن. أجلس. ألتقط أنفاسى على الدرج الأخير.

الساحة بين الشقق أراها واسعة. شقتها هناك فى آخر المساحة. أعرفها ويدق قلبى فرحا. خطوات وأكون هناك أمام باب الشقة أقرأ لافتتها على الباب. سأتحامل على نفسى لأنهض. لا أريد أن أقف أمامها لاهثا. يكفى مظهرى هذا المزرى. سأحكى لها عن تعب النهار والمشوار، ستفهم ولن أجد منها بعد هذا العمر إلا كل الحنان والفهم. اعتمدت على كفى ونهضت. عبرت من أمام المصعدين المعطلين. أمام باب شقتها وقفت ورحت أسوى ما استطعت من مظهرى. مسحت بكفىّ فوق شعرى وسويت قميصى ورفعت يدى لأدق الجرس. تذكرت لوهلة أن التيار مقطوع. لا جرس إذن. سوف أدق على الباب ولكن دقا رفيقا لا يزعجها ولا يزعج أحدا فى الداخل. دققت الباب مرة وانتظرت. لست أدرى كم انتظرت. دققت ثانية وثالثة ولكن بصوت بدا لى أعلى من الأولى ثم انتظرت. ملت بأذنى أتسمع أى صوت قد يكون وراء الباب. انفتح باب إحدى الشقق وأطل كيان ضخم لرجل فخم التفت نحوى وسألنى لماذا أميل بأذنى هكذا على الباب كالجاسوس. ترددت لحظة ثم قلت إن التيار الكهربى مقطوع وأنا كنت أحاول أن أسمع أى صوت وراء الباب يقول إن هناك من يسمعنى.

يبدو أن كلامى عن انقطاع التيار الكهربى كان قد صدمه. ساخطا تساءل بصوت مرتفع: ألم ينته هذا الاهمال؟! أردف: أنا سأخرج بعد قليل. هل معنى هذا أننى سأهبط ثمانية أدوار لأذهب إلى عملى؟ قال بعد فترة وهو يستدير ليدخل: قلت لهم ألف مرة إننا نحتاج إلى مولد كهربى خاص بهذا المصعد اللعين لكن أحدا لم يستجب!

سحب الباب خلفه ثم عاد وفتحه واسعا وهو يقول: أم ترانى أنا الذى سأشتريه من جيبى الخاص؟ ثم دخل وصفق الباب خلفه بشدة.

استدرت أستند بظهرى على الباب وقد شعرت بالإرهاق يتزايد وينتشر فى كل جسمى. خطوت ثلاثا أو أربع خطوات نحو السلم لأجلس وأستريح قليلا أفكر ماذا سأفعل بعد هذا وكيف سألتقيها هى والأولاد.. ومتى؟

زفرت يائسا فيما أنا انهض مستعينا بالدرابزين إلى جوارى حتى أقوم. الآن لابد أن أبدأ مشوار نزولى. جسمى كله يتعرق، وتعجبت لماذا فى هذا الجو الحار صممت ان أرتدى بذلتى كاملة وقلت أقنع نفسى ربما تحسبا لهذا اللقاء. مع أول خطوة هبوط تلتها الثانية فالثالثة كنت أفكر هل سأعود إلى حيث كنت؟ أم هل سأذهب إليها فى الصيدلية أسأل عنها. فكرت أيضا كيف سأذهب إلى هناك وليس معى ما يكفى لاستئجار سيارة تاكسى إلى صيدلية فى وسط البلد؟ أم ترانى سأعود إلى محطة الحافلات لأستقل واحدة إلى هناك وأبدأ مشوار سيرى الطويل فى الزحام وقد تبددت كل قوتى.

انقشع الحلم. الآن يبدو لى كل شىء بألوانه الحقيقية. تبددت الصورة التى رسمتها للقاء فيما بيننا – زياط الأولاد وتقافزهم بيننا ودموعها تجرى على خديها ودموعى تلمع فى عينىّ وانقلبت الدنيا من حولى صحراء بلا نهاية. الآن وألم الجوع قد بدأ يضرب معدتى تذكرت حبات الدواء وبحثت عنها فى جيوبى. استندت إلى الدرابزين بينما أنا أهبط وقد تذكرت أننى لا أعرف رقم تليفونها الجديد حتى إذا ذهبت إلى الصيدلية ووجدت من يفيدنى بكلمة عنها. ثم أين تليفونى أنا المحمول وليس عندى واحد.. الآن على الأقل.

هل أترك لها رسالة من تحت الباب؟ استدرت صاعدا أقلب فى جيوبى. فلم أجد ورقة ولا قلماً. فكرت أخيرا أننى ما أن أجد مكانا أستقر فيه حتى أرسل رسالة لها على عنوانها أقول لها باختصار إننى زرتها ففاجأنى سفرها ثم أسألها عن الأولاد وختمت رسالتى معتذرا عن كل ما صدر منى. نظرت من فوق الدرابزين فوجدت أنه بعد نزولى الطويل قد بقيت عدة أدوار أخرى. تحاملت وواصلت النزول وقد فكرت هل سأترك لها عنوانى الذى أقيم فيه الآن؟ وهل سأنتظر منها ردا على رسالتى؟ أم هل ستفاجئنى هى بالزيارة؟ ولكن كم سأنتظر؟ وهل إذا كان ممكنا أن أعود إلى هنا مرة أخرى بعد أن تحدد هى لى الموعد الذى يفيد وجودها؟ سأحمل لها زهورا معى فى المرة القادمة.

الأفكار كثيرة تزدحم داخل رأسى فيذهب عنى بعض ما أنا فيه من التعب والإحباط وألم الانكسار.

عاودت النظر إلى أسفل العمارة من فوق الدرابزين. نور الشارع الكبير يلمع فى مدخل العمارة. إذن فقد اقتربت. لا تزال كفاى معروقتيان، لم أضع قدمى أثناء نزولى فى مكانها الصحيح فيما ارتفع نظرى عن مدخل العمارة على الدرج. انفلتت كفى المسندة على الدرابزين. حاولت التشبث. مددت ذراعى الأخرى لأمسك بالدرابزين كمحاولة أخيرة لتفادى السقوط لكنه حدث. لست أدرى إن كنت أثناء سقوطى وتدحرجى على الدرج قد ارتطم رأسى. لم أشعر بشىء سوى أننى أدور فوق الدرجات نازلا محدثا صوتا حزيناً وغريباً فى هذا السكون.

عند بداية الدرج فى الأسفل رقدت ساكنا. حاولت أن أعتدل لأقوم فلم أستطع. بدأت آلام جسمى كله ترفع صوتها صارخة. أغمضت عينىّ وأرحت خدى على برودة رخام المدخل. لسعتنى البرودة فى البداية ثم لم أعد أحس بشىء. كان كل ما يشغلنى هو ألا يرانى أحد من أحفادى جسدا منطرحا بلا حراك بجوار السلم. أنفاسى تبرد وتتباعد. مغمضا عينىّ رأيت أمى. كانت منحنية فوقى تمد ذراعيها نحوى تحاول أن ترفعنى من على الأرض. كان أبى أيضا قريبا منا يراقب صامتا ما يحدث.. ثم سكت كل شىء!!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق