رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المقعد الخلفى

أنور عبد اللطيف
ماذا أفعل بعد أن خذلنى راكب لا أعرفه ولا يعرفنى، ما أقسى الصدمة التى أصابتنى وشعورى بالوحشة حين نزل على الطريق إلى بنها بعد منتصف الليل، صرت الوحيدة

وجها لظهر مع السائق المتشرد، تذكرت وصية أبى أن أتعامل برجولة وقوة مع الغرباء حتى فى البيت «أنت الولد الخامس مع إخوانك الأولاد، العين بالعين والصوت الخشن بالصوت الخشن ، إياك أن تتصرفى بضعف أمام الرجال خاصة هؤلاء الملاعين سائقى الميكروباصات والتكاتك، على عكسه تماما أوصتنى أمى، إياك أن تٌستدرجى إلى ملعب القوة البدنية والعضلات، لا تنسى أن زاد البنوتة رقتها، بينما أجمع إخوتى أننى ناقصة عقل ودين، وبعد أن حكم على العمل فى السيرك بالقاهرة والعودة كل يوم حذرونى أن أكون الراكبة الوحيدة مع سائق فى الليل، فهؤلاء الأجلاف لاعهد لهم ولا ضمير، يتحولون إلى وحوش كاسرة بلا عقل حين يبدأ مفعول «البرشام»، تتحول سياراتهم فجأة إلى نعوش بلا أكفان ولا رخص ولا نِمَر، فى هذه النقطة بالذات هم جميعا على حق، فمنذ أن خذلنى الراكب الأخير ونزل عند قها والسائق يحتضن «الدركسيون» حتى لا يسقط رأسه على التابلوه ، فكرت أن أقفز ثم تراجعت وجربت أن أخشن صوتى وآمره بتهدئة السرعة فبدوت كنملة فى مواجهة شمشون الجبار، لم يكف عن السعال، والدخان يتصاعد من فتحة فى قناع أسود يلف رأسه، ويندفع بنا صندوق حديدى مهلهل شديد «الشخللة»، تتقاذفه المطبات على طريق ملىء بالحفر وبلاعات المجارى ، فكرت مرة أخرى أن أقفز ومددت يدى على مقبض هذا النعش الطائر، لكن أين أذهب وسط هذا الظلام الذى يطبق على الطريق ، تكومت في المقعد الخلفى واصطدم رأسى بالسقف عدة مرات فلم يسمع تأوهاتى ولا استغاثتى، شعرت بانفراط عجلتيه الخلفيتين، وجدتنى ما زلت أتشبث بالمقعد وآخر قطعة صاج تكاد تقطع رقبتى وهو لا يزال يندفع وسط الشوارع والحارات، دققت النظر فتبينت وسط الرعب قرب محطة بيتنا، استجمعت قوتى وجربت أن أخشن صوتى كالرجال : «فُوق يا أخينا إنت سوّاق وﻻ حانوتى»، تلاقت نظراتنا لأول مرة فآنَسَتنى ابتسامته، وأنعشت قلبى كلماته وهو يهنئنى بسلامة الوصول.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق