رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ولا عزاء للاصدقاء

إقبال بركـة
كثروا جدا بحيث لم أعد قادرة على إحصائهم .. جاءوا - كما قيل لى – من كل المحافظات و المدن حريصين على أداء واجب التعزية فى الراحل الكبير .. والدى ..

قيل لى إن بعضهم لم يلتق به مرة واحدة فى حياته، و البعض الآخر كان يعرفه و لكنهما لم يكونا على وفاق..

قيل أيضا إنهم لن يتزحزحوا قبل أن يؤدوا طقوس العزاء كاملة ؛ الأيام الثلاثة و الخمسان و الأربعين ، فهذا حق الراحل الكبير عليهم، أقل ما يجب..!

لم يعد لى مكان فى الصالون فانتقلت الى غرفة المعيشة، بعد لحظات اضطررت الى ترك مكانى لسيدة مسنة وصلت متكئة على ذراع شاب طويل القامة اضطر للانحناء بشدة ليعطيها ذراعه . فى البداية كان الداخلون يصرون على مصافحتى و توجيه العزاء الحار لى والتعبير عن حزنهم العميق لفقد الراحل العزيز ، الآن لم يعد أحد يهتم كثيرا بالسؤال عن أقارب الفقيد ، ولم يعد أحد، حتى من أولئك الذين حيونى فى البداية، يلتفت الى. استغرقتهم الحوارات مع بعضهم البعض، ووجدت الموضوعات تتطرق الى قضايا شائكة، اختلفوا حولها، وتطاول البعض منهم حتى أوشكوا على الاشتباك، وقام العقلاء بالتفريق بين المتشددين من الجانبين، ولكن الجو ظل متوترا لفترة. وما أن هدأت تلك الجماعة حتى تصاعد الغليان بين جماعة أخرى وتكرر مشهد تبادل الاتهامات والتقاذف بالصفات السيئة والتطرق الى الأصل والعائلة والبيئة ..الخ وانتهى الأمر بعد أن هدد كبيرهم بالانسحاب، بل وانتفض واقفا ليدلل على صدق عزمه .

كان رجلا مسنا يوزع فناجين القهوة على المعزين وينحنى بأدب شديد ليسأل بعض من توسم فيهم الأهمية أو التميز عن الآخرين إذا ماكانوا يرغبون فى تناول شىء آخر غير القهوة السادة ، ولدهشتى طلب احدهم كوبا من العصير المثلج ، ثم انبرى آخر يتساءل عما إذا كان هناك بعض البيرة ، وما أن رد الرجل العجوز بالإيجاب حتى ارتفعت الأصوات من الأركان المختلفة تطلب البيرة، وقال أحدهم مازحا: بشرط أن تكون مثلجة. أما المرأة العجوز فقد سألت : هل يوجد بيرة بدون كحول..؟!

بينما كانوا يحتسون الشاى والجنزبيل والبيرة والنبيذ فاجأ شاب الجميع برغبته فى تناول «حمص الشام»، و اعتذر بأنه قدم من الولايات المتحدة الأمريكية خصيصا لأدء واجب العزاء، ولم يتناول حمص الشام منذ سنوات، ثم تساءل فى براءة : هل مازال هناك من يقوم بعمل حمص الشام فى مصر حتى اليوم ..؟

ظللت أحملق فى الموجودين عسى أن أتعرف على أى منهم، أى رجل أو امرأة أكون قد رأيته مع الراحل العزيز، أى وجه مألوف ، أو ابتسامة أو نظرة . ساعدنى على ذلك أنهم لم يكونوا ينظرون الى، وكأنهم نسوا تماما أنى صاحبة البيت ، الوريثة الشرعية الوحيدة للفقيد، امتداده، والأمل الذى كان يعيش عليه كما كان يقول لى . شعرت برغبة قوية فى مغادرة المكان والهروب الى حجرة نومى والتمدد على فراشى، واتجهت الى الجزء الداخلى من البيت، وما أن فتحت باب الغرفة حتى تراجعت الى الخلف فى خجل. كان الفراش مزدحما بالأطفال الذين ينامون فى هدوء كالملائكة. بنات وصبيان فى السنين الأولى من العمر تمددوا بالطول والعرض على سريرى . لم أتخيل يوما أن هذا الفراش الذى حملنى طفلة ومراهقة وصبية وشابة يمكن أن يحتضن كل هذا العدد من الأطفال. ثم متى جاء كل هؤلاء ومتى سيغادرون..؟

لم أعرف لمن أوجه هذا السؤال. قد يكون بين الرجال أعمام أو أخوال، وبين النساء عمات أو خالات من أقارب أبى، ولكنهم لا يعرفوننى كما لا أعرفهم، ولم يحاولوا أن يقدموا لى أنفسهم. سمعت من أكثر من معز هذه العبارة: كان أبونا كلنا.. أو : كان إبنا بارا مافى ذلك شك، بل أذكر أن السيدة المسنة ذرفت دموعا ساخنة بمجرد أن جلست فى الفوتيه المريح وكانت تنهنه : كان القريب الوحيد الذى يودنى ويسأل عنى ..

بحثت عن السيدة المسنة لكى أستفسر منها عما يجرى فوجدتها اختفت، وعندما تركت غرفة نومى الى غرفة أخرى وجدتها ممددة على الأريكة فى غرفة مكتب والدى و قد راحت فى سبات عميق .

لم يبق لى إلا الرجل العجوز الذى يوزع القهوة والمشروبات ويلبى فى نشاط عجيب كل طلبات المعزين مهما كانت غريبة أو شاذة. لا بد أن شخصا ما استأجره ليقوم بهذا العمل البطولى، ومنه يمكن أن أفهم ما يجرى.

خرجت بسرعة الى الصالة، فوجدتهم متحلقين حول مائدة السفرة يأكلون بنهم أصابع الكفتة ويتخاطفون قطع الكباب. كانت كمية كبيرة من الأطعمة الشهية قد رصت بعناية فوق المائدة، بينها انواع عدة من المخللات والحريفات، وكانوا جميعا يأكلون بشهية كبيرة كأنهم لم يأكلوا منذ أسابيع. كان الرجل المسن يخدمهم بكل همة، وعندما اقتربت منه أتى بحركة تدل على الشهامة وأسرع يقدم لى طبقا من المأكولات. أزحت الطبق وهممت أن أتحدث اليه ولكنه تحرك بسرعة ليخدم «زبونا» آخر. وقفت أمامهم أصوب نظرات غاضبة عسى أن يدركوا أن الأمر زاد على حده ولم يعد محتملا، ولكنهم لم يرونى أو يشعروا بوجودى على الإطلاق. كانوا مشغولين ببعضهم البعض الى حد الهوس. لمحت شابا يقرص شابة فى ذراعها، ورأيت رجلا فى منتصف العمر ينحنى بشدة على سيدة كانت فى كامل زينتها، ويهمس لها بكلمات تثير ابتسامة على وجهها وأخيرا انفجرا فى الضحك معا .

مادت الأرض بى وشعرت بالجدران تكاد تنطبق على صدرى، أوشكت على السقوط فتساندت على الأبواب ثم أذرع الأرائك والفوتيهات وأخيرا وصلت الى الحمام . تملكتنى رغبة حارة فى اغلاق الحمام على من الداخل والاعتصام بداخله . تذكرت أنه ليس الحمام الوحيد ، وأنهم لا شك يعرفون البيت جيدا بعد أن جاسوا فى كل غرفه وطرقاته وبلكوناته. لم يتركوا مكانا دون أن يطرقوه ويتأملوا كل مافيه بفخر واعتزاز مشيرين الى الميراث العظيم الذى خلفه الراحل الكبير .

أفرغت ما بجوفى وشعرت ببعض الارتياح. لابد أن الليلة ستنتهى الى أمر ما ، فلا يمكن أن يستمر هذا الكابوس الى الأبد. لقد كان أبى يقول لى إن الله خلق الزمان رحمة بالإنسان. فالزمان يتيح للإنسان أن يتعلم من التجربة، أن ينمو، ينضج، يكتشف أخطاءه، يكشف أعداءه، يتقرب الى أصدقائه. الزمان الذى يحرمنا من الأحباء هو نفسه يمنحنا أحباء آخرين. كان ينظر الى طويلا ويقول: حرمنى الزمان من أمك الحبيبة، ثم منحنى من هى أروع وأجمل..أنت صورة أمك المعدلة ..

أنا أنظر الى صورته الكبيرة التى تغطى حائطا بأكمله فى غرفة الصالون. خيل الى أن حجمها قد صغر . لم تعد تمتد من النافذة الى النافذة، أو لعلها كانت دائما هكذا وكنت أراها أكبر من حجمها الحقيقى. خيل الى أنه ينظر اليهم ويبتسم، كأنه كان يتوقع أن يحدث كل ذلك. كان يقول لى إن الزمان منحنا نعمة كبيرة جدا هى النسيان، فالحزن والخوف والحقد والطمع والطموحات الجامحة تتضاءل بعد فترة وقد تتلاشى ولا تترك أثرا. لو نظر الإنسان الى صورته منذ عشرة أو عشرين عاما قد لا يعرف نفسه. البعض يبدون فى كهولتهم مختلفين تماما عما كانوا عليه فى صباهم. قد تنهمر الدموع من المآقى حزنا على شعر كالحرير كان ينسدل على الكتف، أو كتفين عريضين كانا يملآن «الجاكيت» ، أو نظرة سحرت رجالا وهدمت بيوتا ثم اختفت..هذا هو الزمان.. وما يفعله بالإنسان .إنه يهديه الى الحكمة ..!

أما المكان فقد تغير هو أيضا. لم يعد ثابتا. كان يقول لى أنظرى الى هذه الحديقة.. هل هى نفسها تلك التى كانت أمك تركع على الحشيش وتهذب أزهارها؟! لقد ذهبت أمك وذبلت الأزهار وانحنت الشجرة العجوز توشك أن تلامس الأرض. أنظر الى الحديقة، المكان الوحيد الذى لم يدوسوه، لعلهم خافوا من الظلام أو خشوا أن تغلق أبواب البيت دونهم لو غادروه .

لم يبق أمامى إلا أن أنتظر دورة الزمان وتغير المكان. هدأت نفسى عندما سرت هذه الفكرة فى عقلى وتحولت الى قرار. سوف أنتظر، سأهزمهم جميعا وأنال منهم وانتقم لأبى، سوف يأتى ضوء الصباح وينقشعون جميعا كما ينقشع الهاموش عن الزهور. سوف تتسلل أشعة الشمس داخل غرف البيت وتمشى فى طرقاته وتسكن بلكوناته ولا تترك مكانا لهؤلاء. جلست على الحشيش وأسندت رأسى الى جزع الشجرة العجوز. شعرت براحة عميقة وأغصانها المتدلية تمسح جبينى ووجهى بأوراقها، كأنها راح أمى .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق