رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فى الممنوع

عمار على حسن
حتى فتاها، وهو ابن المرأة التي رأتها وأختها من فوق سطح بيتها، يدرك أن رصاصة ستستقر في رأسه، حين يعلم أبوها بما بينهما، لكنه يتجاسر، ويُقوِّي نفسه بأنه سيتقدم لطلب يدها.

قالها لها غير مرة، وهي تنتظر، لكن ما إن يعود إلى البيت حتى يصده أبوه:

ـ أبوها لن يرضى، فهو عائش في الماضي.

ـ نحن أولاد اليوم.

ـ هذا بالنسبة لك، أما هو فلا يكف طيلة النهار عن تذكير الناس بجده، الذي كان جدك أجيرًا في أرضه.

ـ هو مجرد خفير نظامي.

ـ شيخ خفر.

ـ سيان.

ـ يعتبرها سلطة على الناس، وليست أكل عيش، فهو لا يزال لديه من الأرض الكثير.

ـ لكنني وعدت «رضية» بأن أتقدم إليها.

ـ وعدتها .. هل قابلتها مرة أخرى، ألم أحذرك، سيقتلك أبوها إن طار إليه خبر ما تفعله بابنته.

ـ هي تحبني.

ـ وأنت؟

ـ أحبها.

ـ كاذب ابن كاذب، أنت تتسلى، وآخرة تسليتك ندامة.

ـ «رضية» حلوة وطيبة، وقلبي بدأ يميل إليها.

ـ هل أنت جاد؟

ـ يمكن ما قلته هو الذي يجعلني أضع على قلبي حجرًا حتى لا يلين تمامًا، لكنه بدأ يلين، رغمًا عني.

ـ يا ولدي، لا يملك أحد سلطانًا على قلبه.

ـ آه، هذا ما جرى، في البداية كنت فرحًا أنني اصطدتها، ولما ضممتها إلى صدري، شعرت أنني أخذت ثأر جدي، الذي يتحاكى أهل البلد أن جدها صفعه على قفاه، لكن بمرور الوقت، شعرت أنها طيبة، من صنف آخر غير صنف أبيها وأهله.

ـ أمها كانت غلبانة.

ـ وزوجها جننها.

ـ لا، كانت عاقلة أيام أن تزوجها وخلَّفت بنتيها وابنها، وبعدها حصل ما حصل، وعرفنا أن لها جدة كانت مثلها، والعرق دساس.

ـ ربنا يشفيها.

ـ ويشفيك أنت أيضًا.

ـ يشفيني؟!

ـ طبعًا، أنت مريض بالوهم، وماسك حبل مقطوع.

ـ أنا واثق من نفسي.

ـ أنت طائش يا ولدي، وإن لم تكف عن مقابلتها سأضطر إلى تسفيرك عند عمك في «الطور».

ـ عمي مجرد مدرس ابتدائي، ومرتبه لا يكفي أولاده.

ـ يجد لك أي شغل في السياحة هناك.

هكذا كان حديثه مع أبيه يغذي نفسه باليأس، وينتهي دومًا بالهزل، ولا تنفع في إعطائه بعض الجدية، تدخل الأم، التي كانت تحاول أن تهون على ابنها، وتقول له:

ـ تتمناك ألف بنت.

كانت تعرف أنها أدخلت إبنها لعبة، لكنها لا تعرف كيف تخرجه منها. وكلما فتح باب الحديث حول الموضوع، تاهت في اللحظة التي رأيتهما فيها، ثم في اليوم الذي عبرت فيه السطوح حتى وصلت إلى البنتين. كان هذا قبيل المغرب، ولم يلاحظها أحد، حين رأتهما في يوم آخر، وفهمت أنهما تصعدان إلى سطح بيتهم والشمس تتأهب للرحيل، فدفعت قدميها واتجهت إليهما بخفة قط نحيل.

لا تعرف الآن، ما الذي جعلها تفعل هذا. ربما الفضول الذي كان يقتل كل أهل البلد عن الهيئة التي انتهت إليها «علية» و»رضية» بعد أن لملما ضفائرهما، ودخلا إلى سجن البيت منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. أرادت هي أن تكون أول من يحمل الخبر إلى الناس، وكان أولهم ابنها، الذي أنصت إليها وهي تصف «رضية»، قائلة:

ـ الصغيرة تقول للقمر قم لأقعد مكانك.

وعرف من أمه أن «رضية» تتسلل إلى بيت جيرانها كل خميس، حين يذهب أبوها إلى نقطة الشرطة، وجارهم رجل عجوز عقيم، وزوجته ضعف بصرها، وتتحسس الجدران في طريقها إلى المرحاض، ولا تعرف وجوه من يحدثونها إلا إذا كان بينها وبينهم متر واحد.

وتعلقت العجوز وزوجها بالفتاة، وانتظرا طلتها كل خميس، وضحكتها الصافية، وصوتها الرخيم الذي يملأ بيتهما موسيقى.

حدثته أمه، وكأنها تحثه على أن يذهب إلى بيت الجيران مغرب يوم الخميس. لم تقل هذا صراحة، لكنه لم يكن ينتظر تصريحًا منها، ولا إذنًا من أبيه، فتسلل في الساعة نفسها إلى البيت الموعود.

طرق الباب، وبينما تأهبت العجوز لتفتح، تقدمت «رضية» بخطوات حذرة، لكنها سمعت صوت العجوز:

ـ انتظري.

وأشارت إلى الغرفة الداخلية التي كانت تختبئ فيها إن جاء أحد من أهل القرية فجأة، وتظل في مكانها، إلى أن يمضي. وكانت المرأة تفعل هذا حتى لا تثير أي مشكلة إن رأى أحد «رضية» عندها، وعرفها، وأبلغ والدها.

لكن «رضية» كانت قد ضاقت بالانتقال من حبس إلى حبس، فأسرعت الخطى، وفتحت الباب،

فوجدته أمامها، ووجدها أمامه، تبادلا ابتسامتين خاطفتين، وجاء صوت العجوز:

ـ من؟

ـ أنا «فهمي» يا خالة.

ـ «فهمي» ابن «سليم»؟

ـ نعم.

ـ تعال يا زين الشباب.

وجاء يمشي على مهل فاقترب، وقال للعجوز:

ـ جئت لأطمئن عليكما.

ـ علينا؟

ـ أنت وزوجك الطيب.

ابتسمت وقالت له:

ـ لم أرك من مدة.

ـ الدنيا تلاهي.

وجاء أيضًا في الخميس التالي. وحتى لا يثير شكوك العجوز، جاء السبت والإثنين، وتعمد أن يطيل جلسته، لعله يسمع أكثر عن «رضية»، كما تعمد أن يتغيب في الخميس الثالث، فوجدت العجوز «رضية» توارب باب السؤال عنه، وعندها سمعت ما جعل قلبها يهتز أكثر.

لكن الزوج تخوف من أن يصل نبأ زيارات «رضية» إلى أبيها، وسأل زوجته:

ـ هل رآها أحد وهي داخلة إلينا؟

هزت رأسها نافية، وقالت:

ـ تراقب الشارع وأبواب البيوت قبل أن تتسلل إلينا.

ـ وما الذي يجبرنا على هذا، لو عرف أبوها سيغضب منا.

ـ تعودت على مجيئها. أنا وأنت مقطوعان من شجرة، ونحتاج إلى من يسأل عنا. كما أنها ببيتنا في أمان، ولا تنسى أنك قريبه، والدم يحن.

ـ إن غضب لن يعمل أي حساب للقربى، ولا يغضبه أكثر من أي شيء يمس بنتيه.

ـ هي في الحفظ والصون.

صمت الزوج برهة وقال:

ـ قابلني «فهمي ابن سليم» وعرفت أنه جاء لزيارتنا مرتين.

ـ حصل، وسأل عليك كثيرًا.

ـ جاء و»رضية» هنا.

ارتج قلب العجوز، ورفعت بصرها لعلها ترى ما على وجه زوجها، لكنه كان يجلس في آخر الصالة، فلم تتبين شيئا. احتبس الكلام في حنجرتها، لكنها أطلقت حروفًا مرتعشة:

ـ هو .. شا .. شاب .. مو .. مو .. مؤد .. ب .. مؤدب.

صرخ غاضبًا:

ـ لكنه شاب.

وساد بينهما صمت، قطعه الرجل بقوله:

ـ لن أفتح بيتي له بعد اليوم ما دامت هي تأتي إليه.

ردت بصوت خفيض:

ـ هي تأتينا منذ مدة، أما هو فقد جاء مرتين فقط.

ـ ولا ربع مرة، انتهى الكلام.

لكنه جاء بعد يومين، وكانت «رضية» قد سبقته بدقائق. ووجدت العجوز نفسها في حرج شديد، فأشارت إليه أن يتبعها إلى غرفة داخلية، وبعد دقائق خرج صامتًا، وأغلق الباب خلفه، ومضى.

وفي الخميس الذي يليه لم يأت، فلم يكن أمام «رضية» من سبيل سوى انتظار صعود أمه إلى سطح دارها. راقبتها أيامًا، وما إن ظهرت حتى رفعت رأسها حتى تراها، فلما تيقنت من أنها قد رأتها، أشارت إليها أن تأتيها، فجاءت هرولة. سألتها عنه، وبسؤالها انفتح باب جديد. وظلت المرأة تحمل الرسائل الشفهية بين «فهمي» و»رضية» إلى أن ضرب ابنها موعدًا لفتاته تحت شجرة الصفصاف، في مكان هادئ معزول، لا تدب إليه الأقدام.

ولما توالت اللقاءات، وألح «فهمي» عليها في أن تتلمس له الطريق كي يتقدم لخطبتها، لم تجد «رضية» بدًا من إبلاغ أختها. أنصتت إليها، حين قالت لها:

ـ سأفشي لك اليوم سرًا.

وحسبت الصغرى أن الكبرى ستكون لها أمًا في هذه اللحظة، كما اعتادت، لكنها وجدت أمامها وحشًا كاسرًا. انقضت عليها، وأمسكتها من ضفائرها، وراحت تضربها بقوة على ظهرها، وكلما خلص لها الوجه لطمته، و«رضية» تجأر، كابتة صوتها، حتى لا يصل إلى أحد.

جذبتها إلى غرفة الخبيز الضيقة، وأغلقت الباب، وقالت لها:

ـ اقطعي علاقتك به.

هزت رأسها، وراحت تزيح شعرها المتهدل فوق خديها، بعد أن بللته الدموع، وقالت:

ـ سأحاول.

صرخت فيها:

ـ لن أتركك تخرجين من البيت بعد اليوم.

وكانتا تعتقدان أن صوت شجارهما لم يصل إلى أسماع أحد، لكنهما فوجئتا بأخيهما يقف فوق رأسيهما. نظر إليهما طويلًا، وهز رأسه بإمعان وقال:

ـ سمعت كل شيء.

رفعت عليه رأسها إليه، وسألته:

ـ منذ متى وأنت هنا؟

لوى شفتيه تبرمًا، وأجابها:

ـ عرفت كل شيء.

عندها قفزت «رضية» من مكانها، وهي تمد يدين مرتعشتين نحوه، وعيناها طافحتان بالأسى والخوف، وقالت:

ـ والنبي يا أخي .. والنبي.

لم يدعها تكمل:

ـ لا تخافي، أنا أخوك، سترك وغطاك، ولست مستعدًا أن أفقد واحدة منكما، أو أفقدكما معا، فلو وصل الخبر لأبيك سيذبحك، ويشرب دمك.

وكان عند وعده، فلم يخبر أباه، لكنه استغل ما عرفه في إذلالها، فكلما رأى «رضية» وبخها وأمرها، وأوقفها أمامه لينظر إليها في اشمئزاز. وكان يبرر هذا لأخته الكبرى قائلًا:

ـ وعدتني ألا تقابل عشيقها، ولم تف.

وكان بدن «علية» يقشعر كلما سمعت منه كلمة «عشيق»، وطالما طلبت منه ألا ينطق بها، لكنه كان حريصًا على أن يفعل العكس، وهو يظن أنه بهذا يشعر أخته بعظم الخطيئة التي ارتكبتها.

وأحكمت «علية» وأخوها الخناق على «رضية»، فلم يسمحا لها بالخروج من البيت، بل منعاها من الصعود إلى السطح، وإن صعدت فليس بوسعها أن ترفع رأسها من فوق السور.

وكان «فهمي» يحوم حول بيت محبوبته، والحيرة تأكله، فقد توالى ذهابه مغرب كل خميس إلى المكان الذي يلتقيها فيه. يسرع الخطى إلى هناك مبكرًا، تسبقه أمانيه، ويجلس معلقًا وجهه بسفح السماء، ليتابع الشمس حتى تغيب. كانت تأتيه بعد ابتلاع الأرض النور الأحمر الذابل المخلوط بالشفق والغبش، وظلال فاحم لشجر يهتز في نسائم أول المساء.

يجلس حتى يغطيه السواد، ويملأ أذنيه نقيق الضفادع، وعواء الذئاب التي تستعد للسعي على رزقها في الحديقة الشائخة. كان ينظر إلى الآجام المعتمة، فتخيفه بغموضها ومهابتها وسكونها المريب، فينفض ملابسه، ويمضي مكسورًا.

حين كانت هي معه، كان يتآلف مع الليل، والعواء والنقيق، بل كان لا يسمع إلا صوتها الرخيم، وهي تسكب موسيقاها في أذنيه اللتين تلتقطان حروفها القليلة.

غابت يوم الخميس فلم يعد يومه، وأراد أن يصنع لنفسه يومًا آخر، فحام حول بيت «رضية». يقطع الشارع على مهل، لا تكاد تحمله خطواته، ولا يسمع من يلقون عليه السلام.

وفي يوم زلزلته نظرات «كامل»، الذي فتح باب البيت فجأة، فوجده يتباطأ، ودفعه اهتزازه، ليسرع الخطى، حتى غاب في انحناء الشارع، خلف جدران البيوت.

أدرك أن «كامل» قد عرف سره. نظراته قالت كل شيء. وخشي أن يكون الخبر قد وصل إلى الأب، لكن حين قابله مصادفة في اليوم التالي، وهو ينظر بطرف عينه إلى فوهة بندقيته المعلقة في كتفه، فهم أنه لم يعرف الأمر.

«لا يبقى سر في بلدنا طويلًا» ..

حدث نفسه، وهو ينصت إلى صوت «أم كلثوم» يشدو بأغنية «دليلي احتار». وشعر وكأنها تغني له. ورأته أمه، وقد أطرق صامتًا، يغالب دموعه، فاقتربت منه، وقالت:

ـ سكنت قلبك.

رفع رأسه إليها، وقال بلسان متلعثم:

ـ لم أكن أحسب أنها ستذهب بي إلى ما أنا فيه.

أخذت رأسه في صدرها، وقالت:

ـ لا تحزن .. لكل مشكلة حل.

رفع رأسه إليها بعينين دامعتين:

ـ أي حل؟

ـ دعني أرتب لك لقاء معها.

ـ أنت؟!

ـ أنت ابني الوحيد، ولا أتحمل حزنك.

صمت برهة وقال:

ـ لكن أبي لا يريدني أن أمضي في هذه الطريق، وإن عرف ما ستفعلينه سيغضب منك بلا حد.

هزت رأسه ساخرة وقالت:

ـ أبوك يعيش في الماضي، هم كانوا وجار عليهم الزمن، ونحن، بفضل تعب أبيك وكده، صرنا من المستورين، ولا أجد مانعًا من أن تتقدم لها، ومن الباب.

قهقه في مرارة، وقال:

ـ أبوها لا يحسبها بالفلوس، لكنه يتحدث دومًا عن الأصل.

ـ أصل، كلنا أولاد حواء وآدم، كما أن جدهم الكبير كان راعي جاموس.

ـ أي جد؟

ـ جدهم السابع.

قهقه من جديد، وقال:

ـ الناس تتذكر فقط جدهم الثالث الذي كان يضرب جدي على قفاه.

صرخت فيه: ـ جدك لأبيك كان يُضرب على قفاه، أما جدك لأمك فكان من حفظة القرآن.

ضرب جبهته بكفه، ونفخ في وجهها غاضبًا:

ـ أنت أيضا تعيشين في وهم كبير، فجدك لا يراه الناس سوى تُرَبِي، يقرأ بعض السور على القبور ليجد ما يأكله.

خلعته من صدرها، وأزاحته، وقامت من مكانها، ومشت خطوات قليلة، ثم استدارت وقالت له بعد أن مدت يدها، وأزاحت طرحتها، وسحبت خصلة من شعرها، وقالت له:

ـ أقص شعرى، لو لم أزوجها لك.

قبيل مغرب اليوم التالي، صعدت إلى سطح بيتها، وأرسلت نظرة خاطفة إلى حيث تكون «رضية». رأت «علية» وحيدة، حين رفعت رأسها لتملأ عينيها من خضار الشجر والنخيل وقطار ما قبل المغرب الذي لا يخلف موعده.

وتكررت محاولات «أم فهمي» في الأيام التالية، حتى لمحت «رضية» ترفع رأسها فوق السور، بعد أن وضعت حجرًا عاليًا مستويًا، وكأنها تريد أن تعوض ما حرمت منه طيلة الأيام الفائتة. لوحت لها، فرأتها، وتبادلا الابتسامات والإشارات، فعرفت الأولى أن الفتاة محرومة من الخروج، وعرفت الثانية أن الأم تريدها أن تقابل ابنها بأي طريقة.

مدت «أم فهمي» يدها في الهواء ثم ثنتها، ونطقت:

ـ تعال.

وفهمت «رضية» ما تقصد، فهزت رأسها، وقالت:

ـ لا أقدر.

لم تسمع كل منهما الأخرى، لكنها أدركت كل ما تقول. وصنعت «أم فهمي» إشارة أخرى حاسمة تقول:

ـ الليلة المقبلة، وهنا على سطح دارنا.

لكن هذه ، لم تفهمها «رضية» على وجه تام، فلجأت المرأة إلى حيلة. جرت إلى خن الدجاج، وأطلقت ديكًا أحمر فوق سطوح البيوت، وتظاهرت بأنه أفلت منها وتطارده، بعد أن دفعته في اتجاه «رضية»، ولحظتها تصرف الديك وكأنه شريك في اللعبة، فقد جرى في الاتجاه الذي أُريد له أن يذهب إليه، وهي وراؤه تلاحقه للإمساك به، وهكذا حتى صارت في مكان يسمح بأن تسمع «رضية» صوتها. فقالت لها بسرعة، ودون أن تلتفت إليها:

ـ الخميس المقبل بعد صلاة العشاء على سطح دارنا.

وفي الموعد المحدد غافلت أختها وصعدت على مهل، وتسللت من الفتحة الجانبية إلي سطح الجيران،ـ وتنقلت بقدمين خفيفتين على السطوح المفتوحة حتى وصلت إلى المكان المطلوب. وجدت «فهمي» في انتظارها، فاتحًا ذراعيه، فرمت نفسها بينهما، وهي تتنهد بحرقة، ناسية، وهو، أين هما؟ حتى أنه قَبَّلها في تمهل، وكأنهما في غرفة مغلقة، ولم يدر، ولا هي، أن القمر الذي يملأ السماء نورًا، يراقبهما ويبتسم، وأن عينا وعينا وعيونا، تمتد إليهما، بينما الأفواه مفتوحة عجبًا، مما يجري مع الفتاة التي رأوها تتسلل من سطح البيت المعزول عن الناس، وتمشي على مهل نحو ما لم يتوقعه أحد من أولئك الذين كان بعضهم يراهن البعض على شكل الفتاتين.

بعض هؤلاء ربما رأوا «رضية» وهي تذهب إلى «فهمي» تحت الصفصافة في العتمة، لكن أحدًا منهم لم يكن يعرف من هذه؟ لأن أيا منهم لم يرها من قبل. وربما ظنوا أنها فتاة من العزبة الصغيرة المجاورة، تأتي لابن بلدهم سرًا.

أما هذه المرة فقد عرفت ثلاث نساء ورجل كانوا يجلسون على أسطح بيوتهم، ولم ترهم هي، أن التي خرجت، يفضحها القمر، قادمة من البيت الغامض عليهم، وخمنوا أنها واحدة من البنتين، «رضية» أم «علية»؟ لم ينشغلوا بإجابة السؤال، لكنهم انشغلوا بالعجب الذي سكنهم مما يجري أمام عيونهم.

لم تكن هي ولا هو يدريان شيئًا عن الهمس الذي بدأ يسري في البيوت. وكان هو يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه، فصارحها برغبته في الهرب بها إلى عمه في «الطور» ليتزوجها هناك. وكانت هي تعتقد أنها ليست مضطرة للسير في هذا الدرب الوعر، فهزت رأسها في عنف، وقالت له:

ـ لا. لا. انس هذا التخريف.

وتهامس الناس على المصاطب والنواصي وفي الحقول حول ما يجري بين «رضية» و»فهمي»، ونسجوا الحكايات، وأطلقوا الأكاذيب، وتغامزوا وهم يكبتون الضحكات كلما مر بهم الأب شامخًا صلبًا، كفوهة بندقيته.

حتى وصل الخبر إلى الأب بعد أيام وهو جالس على مصطبة عريضة عند مدخل القرية، ينظر إلى الناس بطرف عين، وبالأخرى إلى فوهة بندقيته.

فحين مد أذنه ليسمع ما يقال له، كان إلى جانبه «كامل» الذي قفز مفزوعا، وراح يجري في اتجاه البيت. طرق الباب بأقوى عزم، حتى أفزعهما، فجاءتا جريًا، لتجداه يصرخ بشفتين مقددتين، وعينين زائغتين، تتوسطان وجها أصفر:

ـ وقع المحظور .. أبوكما عرف كل شيء.

راحتا تجريان يمينًا ويسارًا لا تعرفان إلى أين تذهبان؟ «رضية» تدرك أنها خاطئة في نظره لأنها فعلت ما لا يغفره. و»علية» تفهم أنها ستعاقب بقسوة لأنها تواطأت مع أختها، ولم تبلغه منذ البداية بخروجها. و»كامل» ستسقط عنه كل أسباب الرجولة في نظر أبيه، لأنه عرف وصمت.

وكان عليهم جميعًا أن يفعلوا شيئًا قبل وصوله.

وتذكرت «رضية» ما قاله لها «فهمي» في الليلة الفائتة عن رغبته في الهروب بعيدًا ليتزوجها هناك، ويضع أباها تحت سلطان الأمر الواقع، وعندها ستكون زوجته، وسيدافع عنها. وقبل أن تهمس بهذا في أذن أختها، سمعوا أبوهم يرد السلام على أحد المارة على بعد خطوات من البيت. عندها صرخ «كامل»:

ـ جاء الموت.

وضُرب الباب بعنف ليجدوه أمامهم، وعلى وجهه مزيج من غيظ وكآبة وقسوة وشر مستطير. مد يده إلى البندقية، وخلعها من كتفه. وشعر «كامل» أنه سيصوبها إلى أختيه، فهجم عليه، وأمسك فوهتها، وهو يصرخ: ـ إلا الرصاص .. إلا الرصاص.

وزعقت البنتان بكل ما أوتيتا من قوة، وجرت «رضية» نحو الباب» مفزوعة، وتبعتها «علية»، وكلتاهما ترتدي جلباب بيت، يكشف رأسها وذراعيها وساقيها، ونصف صدرها، وأخذتا تجريان ملهوفتين في الشارع، وصراخهما يأتي بالناس من كل فج وشق، ويفتح الأبواب والنوافذ، فتمتد العيون والآذان، ويًطلق سؤال من كل فم:

ـ من هاتان البنتان الغريبتان؟

ولم تمض دقائق حتى عرف كل أهل القرية الإجابة

تمت

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق