رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أسرار صناعة الواقع فى الإعلام الأمريكى

سـهيـر حلمـى
يمتلك "بوسيدون" إله البحار فى الأوديسة القدرة على التحور والتحول للصورة التى يرغب بها .. وقد عمد إلى هذه الحيلة ليتخلص من ملاحقة الآخرين ومطالبتهم له فى كشف الحجب عن المستقبل القريب فقد كان يمتلك إمكانات خارقة وقدرات خيالية شديدة التأثير والثراء تحول الكذب إلى صدق والوهم إلى حقيقة .. على هذا المنوال الأسطورى تعززت الكذبة الكبرى عن الإعلام الأمريكى ومصداقيته ومرجعيته وبراعته فى اختلاق أكاذيب صغرى تتكرر مراراً فتكتسب من الثبات والحضور ما يجعلها جزءاً من التاريخ خاصة حين تعرض بحصافة وتلعب على الأوتار العاطفية وتمتزج بحقائق صغرى تحولها إلى موروث عام من الأفكار.

فى الانتخابات الأمريكية الأخيرة سقط القناع عن ماكينة الإعلام الأمريكى واكتشف العالم أجمع تماهى الخيط الرفيع بين الولاء المهنى والانتماء وبين الانحياز والإدعاء كذباً واهتز الأكاديميون وخبراء الإعلام ورجال الصحافة فى الثوانى الأولى لهذا الزلزال قبل الجماهير العريضة .. فسقط الإدعاء بأن هذا الأخطبوط العملاق ينتمى لمدرسة جورج واشنطون الذى يشير له الأمريكى بجملة واحدة كناية عن اسمه : "أنا لا أكذب !" سقطت ورقة التوت واتضح أن الإعلام الأمريكى من أفضل الكذابين وأكثرهم براعة فى التلاعب بالعقول، يحظى بشعبية طاغية قائمة على الخداع .. عبارات مقتطعة عمدا من سياقها تجرى فى فضاء شاسع من الساحل الشرقى فى المدينة التى لا تنام (نيويورك) وصولاً إلى مدينة السحر والأحلام (هوليوود) فى الساحل الغربى.. تم اصطناع واقع وصورة تم رسمها أولاً ثم تنفيذها بإحكام .. حيث أشارت شبكة البى بى سى مؤخراً إلى التغطية الإعلامية الجائرة التى حظى بها المرشح الجمهورى ترامب من بين مائتى صحيفة أيدت المرشحة الديمقراطية "هيلارى كلينتون" حظى ترامب بدعم عشرين صحيفة فقط فكيف رسم الإعلام الأمريكى وفى القلب منه أكبر صحيفتين هما "نيويورك تايمز والواشنطن بوست" صورة الرئيس الأمريكى الذى وصفته الأخيرة بأنه : "فظ وسوقى" ؟ الإجابة سيجدها القارئ فى كتاب "ديمقراطية أمريكا وحقوق الإنسان" بقلم الأستاذ مصطفى سامى وهو من كبار صحفيى الأهرام الذين تعلمنا منهم كيفية قراءة الكتب والاشتباك معها بالحجج والبراهين .. بقلم راسخ مكين يفكك مؤلفنا القدير هذه المستنسخات من الأكاذيب عن الإعلام الأمريكى ويستقرئ المضمر من الأسئلة والشكوك ويحلل علامات التناص التى صنعت من هذا الإعلام أسطورة فى الانتشار والوهج والصدق .. تتنوع الأساليب السردية داخل فصول هذا السفر الجليل فى 25 عنواناً تكشف طبيعة هذا الإعلام، كلها تنبض بالمعلومات وخلخلة الأكاذيب وتتميز بحمولات معرفية شديدة القيمة يرتبط فيها العنوان بالنص اخترت من بينها كتاب "الانحياز فى الإعلام الأمريكى" لكى يدرك القارئ كيف استطاع كاتبنا القدير تفنيد الظواهر الملغزة التى كشفها العالم مؤخراً بعد فوز ترامب فى حين أنه قدم هذا الكتاب فى زمن سابق على الانتخابات بفترة ليست قليلة.



عبر عدسة مكبرة وبأسلوب سلس ينساب الكتاب مفنداً كيف تُحكم واشنطون من قبل إعلامها .. تتوالى الدلائل والحكايات الخاصة بكتاب "الانحياز" لمؤلفه الصحفى المعروف برنار جولدبرج كبير المراسلين فى شبكة CBS الذى استيقظ ضميره بعد معاناة وكتب مقالين فى صحيفة "وول ستريت" الشهيرة يكشف فيهما آلية الانحياز والكذب فى عرض الأخبار بالتليفزيون الأمريكى بعد نشر المقال الأول استبعد جولدبرج عن الشاشة – فى جنة الديمقراطية المزعومة – وبعد المقال الثانى اتهم بالخيانة – فى واحة حقوق الإنسان – لأنه تجرأ وفتح صندوق باندورا الذى خرجت منه كل الشرور – الصندوق الأسود الذى يخفى أسرار وعورات الإعلام الأمريكى .. تتجلى قدرة الأستاذ مصطفى سامى الفائقة فى تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة عن الإعلام الأمريكى من خلال هذا الربط المحكم والترجمة الهاضمة للنص فى معناه ومبناه ومبتغاه .. الكتاب يحذر العرب من مغبة الوقوع فى فخ الدعاية العالمية عن مصداقية هذا الإعلام .. وكيف أن كتاب "الانحياز" جاء بمثابة قنبلة ذكية أصابت الشفافية وحرية الرأى للإعلام الأمريكى فى مقتل !

قفزاً على التسلسل الدرامى لقصة "برنار جولدبرج" نتوقف عند القصة التى أثارت انتباه من قبل الكاتبة الأمريكية "آن لاندرز" التى تستقبل رسائل القراء اليومية فى عدة صحف أمريكية والتى قامت بنشرها وأثارت الاحتجاج داخل شبكات التليفزيون الأمريكى : عزيزتى آن، لدى مشكلة. لى شقيقان أحدهما يعمل بالتليفزيون والآخر ينتظر حكم الإعدام بالكرسى الكهربائى لأنه ارتكب جريمة قتل، والدتى ماتت بمرض عقلى وأنا فى الثالثة من عمرى وشقيقاتى الثلاث عاهرات ووالدى يبيع المخدرات لتلاميذ المدارس الثانوية، لكننى التقيت بفتاة افرج عنها مؤخراً من إحدى دور العقاب لأنها خنقت طفلها غير الشرعى حتى الموت وأنا أريد أن أتزوجها ! مشكلتى هى : أننى إذا تزوجت هذه الفتاة، هل يجب أن أعترف لها بأن شقيقى يعمل فى التليفزيون ؟!

ويستطرد جولدبرج بعد هذه القصة المثيرة فى كشف سوءات هذا الإعلام بالأدلة والوقائع والإحصائيات .. فالمراسل الشهير الذى حصل على سبع جوائز فى مسابقة إيمى ونجم برنامج 60 دقيقة الشهير هوى نجمه بعد أن كشف عن كيفية تشويه الأخبار والتآمر على الأبرياء وكيف اختلف مع صديقة دان رادز نجم شبكة CBS الذى عمل معه لأكثر من عشرين عاماً .. لكنه انقلب عليه شأن الآخرين واتهمه بأنه ينتمى لليمين المتطرف وفجر الكتاب الإجابة التى كان يسعى إليها الجميع بعد فوز ترامب بصرف النظر عن حقيقة الصورةالتى رسمت له من عدمها قائلاً : إن أكثر من 90% من الصحفيين العاملين فى شبكات التليفزيون الأمريكية ينتمون عقائديا إلى الحزب الديمقراطى ويمثلون اليساريين المثقفين الأمريكيين وأن هناك نقصا فادحا فى التعددية الفكرية داخل غرف "صناعة الأخبار" .. وسخر من زملائه الذين يعدون كل من يقف على يمين لينين ينتمى إلى اليمين المتطرف ويعمل لحساب الحزب الجمهورى ! وأنكر أنه جمهورياً ولكن يبدو أنه اقتحم حقلا للألغام وأن انتقاد بابا الفاتيكان أيسر كثيرا من انتقاد نجوم الإعلام الأمريكى - إنها خطيئة قاتلة على حد تعبيره - فكرة الكتاب – للمفارقة – فجرها موقف شبكة CBS من أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية عام 1996 وكيف تم تسفيه برنامجه الخاص بفكرة الضريبة الموحدة وكانت محور حملته الانتخابية وكيف حرصت القناة الشهيرة على استبعاد الأصوات المؤيدة للمرشح والاكتفاء بآراء الخبراء المعارضين له من خلال ثلاث مقابلات أجراها أحد زملائه فى الوقت الذى كان يوجد فيه أساطين فى علم الاقتصاد حائزين على جائزة نوبل ومؤيدين لفكرة المرشح "ستيف فوربز" أمثال العالم الشهير ميلتون فريدمان وجيمس بوكانان وغيرهما من العلماء، لكن تم استبعاد آرائهم لكى يبدو المرشح مثيرا للسخرية والضحك وفكرته مسفه .

ويؤكد جولدبرج أنه لم يكن هناك أى احتمال ولو واحد فى المليون أن يذيع زميله هذا البرنامج عن الضريبة الموحدة بهذه الصورة إذا كان مقترحه ادوارد كيندى أو هيلارى كلينتون وهما يمثلان الحزب الديمقراطى .. ويضيف فى عبارات مختزلة صادمة : كما أن هناك علوما شعبية رخيصة وأطعمة شعبية رخيصة هناك أيضاً صحافة رخيصة يمثلها هذا البرنامج ويشرح كيف تتم صناعة الانحياز وصناعة الواقع المستهدف الذى يخدم أهداف هذه الشبكات التليفزيونية .. ثم تناول القضايا الاجتماعية والثقافية التى تمس المواطن الأمريكى .. مثل التهويل من أعداد مرضى الإيدز والمبالغة فى طرق العدوى بين الأشخاص العاديين لكى يتم تخصيص مبالغ إضافية فى الميزانية لأبحاث الإيدز ونشر وباء الخوف فى المجتمع الأمريكى لإدراكهم أن الأمريكيين وأعضاء الكونجرس والرئيس لن ينفقوا أموالا كثيرة فى الأبحاث أو يشغلوا جانبا من وقتهم لمكافحة مرض يموت به المدمنون والمرضى والشواذ فقط.

ويستشهد جولدبرج بظاهرة المبالغة فى عرض تحقيقات صحفية عن المشردين فى الصحافة الأمريكية بصورة مبالغ فيها فى فترة حكم الرئيس الجمهورى رونالد ريجان وكيف أن اللوبى الذى يتولى الدفاع عنهم يقدرهم بالملايين ولا تعنيه الحقيقة لأنه يبحث عن القضايا التى تشغل الرأى العام وأن ثمن المبالغة هو المزيد من الإعلانات ويوضح كيف اختفى هؤلاء المشردون بمجرد تولى الرئيس كلينتون مقاليد السلطة فى البلاد.

ويكشف جولدبرج بالإحصائيات أيضا كيف أن 89% من الصحفيين صوتوا لكلينتون فى انتخابات 1992 وهى نسبة فوق التصور ولم يحصل عليها أى مرشح فى أى انتخابات أمريكية ولم نسمع عنها إلا فى استفتاءات صدام حسين وفيديل كاسترو على حد تعبيره.. وهذه الإحصائية تنسب للجنة الحريات ومركز روبر وهما من المؤسسات المستقلة المعنية بقضايا الإعلام والرأى العام .. ويبلور كاتبنا الخلاصة المرجوة من عرض هذا السفر القيم بفصوله المتعددة بقوله : إن التاريخ لم يعرف فى العصور الحديثة ولا القديمة ديمقراطية جاءت على أسنة الصواريخ والقنابل العنقودية العملاقة أقوال للمثقفين العرب : كفوا عن ترديد الشعارات الأمريكية الكاذبة.

فى قصته الشهيرة المعروفة بأقصر قصة قصيرة كتب الأديب أوجستو مونتيروسو : "عندما أستيقظ كان الديناصور لا يزال هناك" تذكرت هذه القصة بمجرد انتهائى من هذا الكتاب البديع للأستاذ مصطفى سامى وأنا أشاهد عناوين الأخبار فى الـ CNN فى الصباح .. ومازالت الآلة الجهنمية مستمرة .. فقط نأمل فى إيقاظ الوعى بها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق