رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الرشوة.. خيانة للأمانة وتخريب للمجتمع

تحقيق ــ خالد أحمد المطعنى
حرم الإسلام الرشوة، ولعن الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كلا من الراشى والمرتشي، وتزداد حرمتها إذا أدت إلى أكل أموال الآخرين وحقوقهم، أو إلحاق ظلم بهم، لم لا وهى مال من الحرام، والسحت، وأخبث المكاسب.

كما أنها تعد من أكثر صور الفساد تفشياً فى المجتمعات، فلا يكاد يمر يوم إلا ونقرأ أو نسمع عن جريمة رشوة وسقوط مسئول فى جهة ما بالدولة، متلبسا برشوة قدرها ملايين أو آلاف من الجنيهات أو العملات الأجنبية، أو المشغولات الذهبية، نظير التسهيل والتغاضى عن إعمال القانون لشخص آخر، أو الحصول على شيء ليس من حقه، يحدث هذا- للأسف الشديد- فى بلد يئن أهله تحت وطأة الفقر، وضحالة فى الثقافة وتدهور فى التعليم، وسط غلاء فى ارتفاع الأسعار، وتدنى الأجور، وندرة وقلة فى وظائف العمل.
وأكد علماء الدين أن الرشوة بكل صورها ومسمياتها خيانة للأمانة، وأن غياب الوازع الدينى والرغبة فى الثراء السريع، من أبرز أسباب تفشى ظاهرة الرشوة فى المجتمع، وأن الحل فى مواجهتها يكمن فى إعادة منظومة الأخلاق، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوقيع أشد العقوبة على المتورطين فى تلك الجريمة المحرمة شرعا والمجرمة عرفا.
مسميات متعددة
ويقول الدكتور عبد الفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن، إن ظاهرة الرشوة تفشت فى المجتمعات تحت مسميات عدة، كالعمولة، والأتعاب، والإكراميات، والبقشيش، ونحو ذلك، والرشوة عبارة عما يقدَّم من مال أو غيره إلى من بأيديهم مصالح الناس، بغيةَ وصول الإنسان إلى حقه أو إبطال حق غيره أو الحصول على ما لا حق له فيه، وهذا سلوك سيئ لعَن الله فاعلَه، إذ روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: »لعن الله الراشيَ والمرتشيَ والرائشَ«، فلَعَن فى الرشوة ثلاثةً: مقدمها، وآخذها، والواسطةَ بينهما، إن كان بين الراشى والمرتشى وسيط يقوم بنقلها من الأول إلى الثاني، وهذا اللعن لا يكون إلا على أمر حرمه الشارع.
وأشار إلى أن الشارع اعتبر الرشوة أكلا لأموال الناس بالباطل، قال تعالى »ولا تأكلوا أموالَكم بينَكم بالباطلِ وتُدلُوا بها إلى الحكامِ لتأكلوا فريقًا من أموالِ الناسِ بالإثمِ وأنتم تعلمون«، كما عدها سحتا يأكله المرتشي، فقال سبحانه فى شأن اليهود الذين من ديدنهم أكل السحت واستحلال الرشوة »سَمّاعون للكذب أَكّالون للسُّحت..«، واعتبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الهدايا التى يأخذها العاملون فى الدولة غلولا، أى خيانة للأمانة، إذ روى عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: »هدايا العمال غُلول«، ولهذا أنكر قبول بعض العاملين على جباية أموال الزكاة من المصَّدِّقين ما أُهدى إليه بصفته جابيا لهذه الأموال، إذ روى عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: »ما بالُ الرجلِ نولِّيه على صدقات الناس، فيأتينا ويقول: هذا لكم، وهذا أُهديَ لي، أفلاَ قعَد فى بيت أبيه وأمه فنظَر أيُهدَى إليه أم لا«، كما أن الرشوة خيانة للأمانة منافية للإيمان، فقد رُوى عن أنس أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له«.
وأضاف: إن للرشوة أثرا فى ضياع الحقوق على أصحابها، وإهدار المصالح العامة والخاصة، وشيوع الفساد، وانتشار الظلم، وإخلال موازين العدالة، واستباحة ما حرم الله سبحانه، وهذا هو الضلال المبين الذى تعانى آثاره السيئة المجتمعات والأفراد، فكم من حق ضل طريق صاحبه بسبب تحويل هذا الحق إلى غيره بالرشوة, وكم من ظلم حاق بإنسان لم يبذل هذه الرشوة إلى من ظلمه، وكم من عنت واضطهاد وقهر لَحق بامرئ امتنع من بذل هذه الرشوة إلى من ألحق به ذلك، وكم من حقائق زيفت وباطل ألبس ثوب الحق بسبب الرشوة؟!
وحول سبل مواجهة الظاهرة، أوضح الدكتور إدريس، أن أهم وسائل القضاء عليها، هو نشر الوعى الديني، وتذكير من لديهم الاستعداد النفسى لاقتراف هذا المنكر بالوعيد الشديد الذى يناله، وغرس القيم والأخلاق الدينية فى نفوسهم، وحثهم على مراقبة الله فى كل ما يصدر عنهم، ووزن أعمالهم بميزان الشرع، وبذلك كله تجتث جذور الرشوة من المجتمعات وتنمحى آثارها السيئة التى اصطلى بنارها الكثيرون.
الأكل من الطيبات واجب
وفى سياق متصل، يؤكد الدكتور خالد راتب من علماء الأزهر، أن عمارة الأرض عبادة، وأن الأكل من الحلال واجب وفرض على كل إنسان، وقد أمر الله المؤمنين كما أمر المرسلين أن يأكلوا من الطيبات وأن يعملوا صالحا، قال - صلى الله عليه وسلم- أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:«يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم»، وقال «يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم»، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك، ومن حكمة الله فى كونه أن وسع سبحانه دائرة الحلال الطيب، وجعل المحرمات -التى يجب اجتنابها- قليلة معدودة، ورغم هذه الدائرة المتسعة للحلال الطيب فإن بعض الناس يتركون هذا الحلال الطيب، ويأكلون الحرام بوسائل مختلفة.
وأشار إلى أن الرشوة آفة تدل على تساقط وتدنى القيم وفساد القلوب، وخيانة لله ورسوله والمجتمع، وخطرها عظيم مدمر، فالرشوة هى ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل، وهى تحدث خللا فى القيم الاجتماعية، حيث إنه بالرشوة يقدم من يستحق التأخير، ويؤخر من يستحق التقديم، ويرفع الوضيع، ويخفض صاحب الكفاءة، وهى لون من ألوان الظلم؛ لذا فهى محرمة لأنها أكل للمال بالباطل، وأوضح أن خطورة الرشوة على الفرد والمجتمع تحتم علينا جميعا أن نتكاتف لدرء هذه المفاسد الكبيرة التى تحدثها الرشوة، وأن يقوم العلماء بواجبهم، وكذلك المسئولون وكل فرد فى المجتمع، للقضاء على هذه الآفة المدمرة، ويكون ذلك باتباع المنهج الإسلامي، الذى يعتمد فى حل كل المشكلات على جانبين:جانب وقائي، وجانب علاجي، ويكون الجانب الوقائى بتقوية الوازع الدينى لدى أفراد المجتمع، بزيادة اليقين فيما عند الله، وأنه لن تموت نفس قبل أن تستكمل رزقها فلا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه فى غير طاعة الله فما عند الله لا يؤخذ إلا بطاعته، رفعت الأقلام وجفت الصحف، كما يجب تحسين الوضع الاقتصادى لكل فئات المجتمع، وتحقيق مبدأ التكافؤ بوضع الرجل المناسب فى المكان المناسب، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، فإنه من ولى رجلا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه قد خان الله وخان الرسول، وبعد الجانب الوقائى يأتى الجانب العلاجي، والضرب بيد من حديد على هؤلاء الذين لم تؤثر فيهم المواعظ، وضعف الإيمان فى قلوبهم، بتفعيل دور المراقبة والمتابعة، وتشديد العقوبة، بالتعزير والحبس، والعزل من الوظيفة، وغير ذلك من الوسائل التى من شأنها أن تردع وتزجر كل من تسول له نفسه الإقدام على هذا الجرم.
خطر على المجتمع
ومن جانبه، يوضح الدكتور عبدالرحمن عباس سلمان، الأستاذ المساعد بكلية أصول الدين والدعوة بأسيوط، أن الحديث يأتى عن الرشوة فى هذه الآونة لما أصبحت تمثله هذه الظاهرة من خطورة فى حياة الناس، فمما لا يخفى أن العالم كله مشغول الآن بما يعرف بظاهرة الفساد التى تعنى إساءة استعمال الوظيفة العامة لتحقيق نفع خاص، وأوضح أن السبيل الأمثل لهذه المكافحة هو العمل على تأكيد النزاهة والشفافية، بما يعنى العمل على شيوع القيم الأخلاقية الفاضلة والتمسك بها ومساندتها فى التطبيق. كما أوضح أن من عواقب الرشوة والإعانة عليها، أنها سبب مباشر لعدم إجابة الدعاء، لأن الحرام يوصد أبواب السماء أمام الداعي، والرشوة سبب مباشر لدخول النار، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: »إن رجالا يتخوضون فى مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة«، والرشوة تؤدى إلى اختلال ميزان العدالة فى المجتمع، وإحداث خلل فيه، قد يؤدى إلى ضياعه وانهياره، وطالب بضرورة محاسبة الموظفين والقائمين على أعمال داخل الدولة أو خارجها من جهة ولاة الأمور، إذا حدث تجاوز، أو الإبلاغ عنهم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    مصرى حر
    2017/02/02 07:14
    0-
    0+

    عن توزيع الميراث قبل الوفاة،،لايسمى ميراثا بل هبات
    إجمالا التقسيم لايعد ميراث او تركة ،،الميراث والتركة يكونان بعد وفاة المورث،،وعليه فلا حرج من توزيع الاموال والممتلكات على الابناء والزوجات على صورة هبات يراعى فيها العدل استرشادا بقواعد الميراث ودون قصد حرمان آخرين قد ينالهم ميراث بعد وفاة صاحب المال
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق