رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تركيا تنتظر إعلان وفاة ديمقراطيتها فى إبريل

سيد عبد المجيد;
الهلال الخصيب ومثلثه الذي يحيط به ، يبدو أنه موعود بالرعب الأبدي، فحزبه البعثي المخيف الذي تواري، ولم يعد له مكان في العراق، وصحيح أيضا أنه يبذل الغالي والنفيس كي لا يزول في منشأه الثاني بسوريا، ها هو يتشبث باستماتة بأهداب الحياة ومع افتراض أنه يتم انقاذه إلا أنه سيكون كسيحا ذليلا.

لكن على الضفة الأناضولية المتاخمة لكليهما، هناك من ينفث فيه الروح « الخالدة «، يعيده مجددا كي يكون أكثر شراسة وقمعا، وبعد أن كان اختراعا عربيا فاشيا ها هو يعاد إنتاجه وصناعته على يد قائد ملهم آخر لم يجود زمان الألفية الثالثة بمثله، لغته تركية وولاؤه لأجداده السلاجقة آنه الرئيس «المهيب» رجب طيب اردوغان .

ربما الجديد والمغاير هو أنه عائد بنكهة عصرية، وهذا من حيث الظاهر، والدليل على ذلك أنه في الجوهر مدموغا بممارسات عثمانية قمعية على غرار سلاطين كان يعتقد أن النسيان طواهم.

ولكن هيهات فها هم أحفادهم ، يواصلون مسيرتهم المقدسة في العصف بكل من يعصي على حكمهم الأبوي اللانهائي، فقط تغيرت « القيافات « وحلت معها العبارات وقد نحتت من مؤثرات السلف، ولا بأس في أن اكتسى خطابهم بمضامين المجد للحرية التي هي من نوع خاص وفريد لا وجود له إلا في أدبياتهم لتناسب الأمة الطورانية في ظل حزب العدالة والتنمية ، ومع أن الأخير لم يغب أصلا عن مؤسسه، قولا وفعلا، إلا أنه سيعود إليه (رسميا) ، ولن يتبوأ قمته شخص غيره ولأن البلاد خرحت من محاولة انقلاب فاشلة جرت وقائعها منتصف يوليو الماضي، كان لابد من الشروع فورا والإسراع لتحقيق ما نادى به وهو تدشين نظام رئاسي قوي يعصمها شرور الإنقلابات، هنا جاء تعديل «الضرورة الحتمية» للدستور سيئ السمعة ! ويالها من مفارقة فهذا الأخير كان يوصف إجمالا بأنه صنيعة الطغاة العسكريين، فإذ به يصبح وثيقة قالت المعارضة عنها إن الذين أعدوها هم مدنيون مستبدون لأنها تكرس للديكتاتورية.

ورغم أنها لم تنشر في الجريدة الرسمية بعد، ومازال أمامها وقت ليس بالقصير كى تفعل، إلا أن أردوغان كعادته يتصرف وكأنه المسئول الوحيد، فهو يمارس صلاحياته كرئيس للجمهورية وللوزراء معا، وذلك منذ أن اعتلي سدة الرئاسة فى أغسطس 2014 ولهذا شيد قصره والذي يطلق عليه المجمع الرئاسى، فمنه يدار الأناضول وعنه لا تخفي أي تفصيلة.

في هذا السياق يواصل سياساته وتقوم أجهزته ( القضائية والأمنية ) بمحاصرة كل ما هو مخالف لقناعته ، ولأنه سبق وقال أن الداعية فتح الله جولين هو المسئول عن تحرك وحدات من الجيش ضد نظامه ليلة الجمعة منتصف يوليو ، ولأجل هذا زج بالآلاف بمن وصفوا باتباعه إلى المعتقلات، فلا يجوز لــ» أيا من كان « في الداخل والخارج أن يشكك في روايته التي هي عنوان الحقيقة الناصعة، أو أن يصفها بالمزاعم ، فإذا كان من جرؤ على ارتكاب هذا الفعل الأثم : مواطن أو مطبوعة مقرءوة أو مرئية، أو شبكات تواصل اجتماعي فالسجن الإحتياطي سيكون مأواه لحين محاكمته ، والمصادرة والغلق سيكون مصير الأخرين فورا بلا إبطاء أو تردد .

أما إذا جاء التطاول من أوروبا أو أمريكا، فالميديا التي باتت فى كنف صانع القرار (إجمالا) ستقوم بالواجب بدحض مزاعمهم ، كما أن صحفهم ومطبوعاتهم ستمنع من دخول الأراضى التركية مثلما حدث مع «دير شبيجل» الألمانية، وليس آخرا صحيفة «التايمز» البريطانية قبل أيام عقابا لها لنشرها تقريرا مخابراتيا أوروبيا سريا خلص إلى أنه ليس مرجحا أن يكون الداعية الديني فتح الله جولين تورط بشكل مباشر فى التخطيط للانقلاب مستبعدا في الوقت نفسه قيام جولين بحث اتباعه و مريديه فى الجيش على الانقلاب ضد أردوغان.

والمرحلة القادمة مرشحة لمزيد من القيود وستشهد صحوة رقابية على مدار الساعة تترصد للفضاء وما دونه ، لحجب أى رؤي مخالفة إضافة إلى وئد أى تأثيرات يمكن أن تؤثر بالسلب على المواطنين ، وذلك إعتبارا من الآن وإلى أن يخرجوا من لجان الاقتراع بعد أن يدلوا بأصواتهم المؤيدة حتما للاستفتاء الذى يعد ، وفقا لما ذهب إليه كتاب مقربون وموالون للرئيس، النقطة النهائية للتغيير الجذري للنظام.

هؤلاء وفى سياق تأييدهم المفرط للتعديل الدستوري كونه التطور المفصلى الأهم فى مسيرة الجمهورية التى تقترب من المائة عام كان عليهم أيضا طرح تحليلات معمقة للرأى العام مستلمهمين ما قاله زعيمهم نصا بـ» أن الاستفتاء هو اجتياز «العتبة الحرجة»، وسنجتاز هذه النقطة التى وصلنا إليها بعد مقاومة قاسية ومؤلمة وتضحيات مرة بدأت منذ عشر سنين، وستستمر تركيا فى مسيرتها العظيمة بعد أن تضعَ بصمتها فى هذا التغيير التاريخى الجديد. ولأنهم صدقوا «أكاذيبهم» أن التغيير لا يستهدف شخصا بعينه، وانما هو خدمة للشعب وللأجيال القادمة، كان لابد من تقديم إطلالة فلسفية تبرر الخطوة الجسورة التى تحملها حزب العدالة والتنمية باعتباره قدر تركيا الحديثة، فالــ « تعديلات صاحبتها مقاومة ليست سياسية داخلية فحسب بل هى مقاومة تاريخية وجغرافية، من أجل صد الموجات الهادمة الموجهة إلى بلدنا، مقاومة فى سبيل تقوية هذا البلد وهذه الدولة لتناسب خريطة القوة الجديدة وتخلّصها وتحررها من كافة بقايا أنظمة الوصاية الخاصة بالقرن العشرين إضافة إلى توسيع سلطة الدولة تم حصرها في مجال ضيق». وهكذا وبفضل هيستريا الحكم، صار النظام الرئاسى هو الحياة، وفيما عدا ذلك هو العدم، وعلى الجميع الاستنفار والاستعداد لإختيار الحياة ورغم هذا التهويل والتمجيد ، تتسع الانقسامات وتتعمق، والغليان يعتمل فى نفوس قطاعات عريضة من المجتمع، التى أكدت أن بلادهم ستعلن وفاة ديمقراطيتها فى إبريل القادم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق