رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

زمـن الغجـر

سهير حلمي
رحلة طويلة بلا نهاية .. صورة خارج الإطار والحدود .. بل هى تفضل المراوغة على الحدود الفاصلة بين الدول وأطراف المدن .. لوحة تبهرك بألوانها الكرنفالية الصاخبة لكنك لن تعلقها على الجدار .. بشر لا يملكون أرضاً حينما يولدون ويواريهم أى ثرى من بلاد الله حين يموتون ..

هو عالم الغجر بعذابه وحله وترحاله سفر دائم وحياة مثيرة وطقوس وعادات غريبة ولغة غامضة هم الغرباء الباحثون عن الحرية المفقودة لا يحملون مفاتيحا أو نقوداً فى معظم الأحيان .. ظلال الأشجار تؤانسهم .. الغجرى روح تطوق للمجهول تنتزع وتغرس فى الأماكن قسراً وقهراً أو مللا .. أن تكون غجرياً يعنى أنك إنسان أعزل إلا من سحر الموسيقى والنغم تترنم فى فراغك الطويل بأغنيةEl Camino أو الدرب للفريق العالمى «جيبسى كينج» : «أجد نفسى حزيناً وحيداً أبحث فى الطرقات عن الدرب .. أنا مشرد فى العالم، والدرب دربى أنا»وهج الغجرى وبشرته السمراء وأسنانه الذهبية التى قد يقايض بها حوائجه .. وسؤاله الدائم عن الكيان والمصير فى أغانيه لا يفوقه إلا صفاته الخارقة على الانبعاث والتجديد وكسر القيود وغرس عمود الخيمة فى وجه الألم والمعاناة والاضطهاد والطرد..

عاش الغجر طويلا فى بلاد معتمة لا يصلها ضوء الشمس ولا ضوء القمر والنجوم .. وطال اشتياقهم لرؤية ما كان الوافدون يصورونه لهم من وصف مبهر لضوء الشمس الدافئ والسماء التى تزدان بالنجوم والشهب، فقرر أمير الغجر أن يمنح ابنته إلى من يجلب الشمس إلى بلاده ووفى الملك بوعده وانبهر شعبه برؤية الشمس من عليائها وفتنتهم طلعتها فقرروا مرافقتها وتتبعها أينما أشرقت فكان الترحال والسفر الأبدى هو مصيرهم المحتوم كما تقول الأسطورة فأى مكان تضيئه الشمس هو موطنهم .. برعوا فى قراءة الكف وضرب الودع وتتبع مسارات النجوم وأوراق التاروت وأعمال السحر التى طالهم بسببها أذى كثير يعيشون الحياة على الهامش فالكل ينظر لهم بريبة وشك .. يبلغ تعداد الغجر ما يقرب من 11 مليون شخص.. يقول عنهم أنيس منصور فى كتابه نحن أولاد الغجر : «أصابتنى لعنة الغجر، إحساسى بهم كان عميقاً بالظلم الواقع عليهم .. هم متهمون بالسرقة فى كل بلد وقد اعتادوا على التهمة والعقوبة وانتهزت الشعوب وجود الغجر ووجدت الإجابة عن أسئلة كثيرة .. الغجر يسرقون ولكنهم ليسوا اللص الوحيد فى كل دولة .. فى أعماق كل فنان غجرى مهمل فى شعره وملابسه وحذائه وأظافره .. أهرش أى فنان أو مفكر أو عالم أو صوفى يظهر لك الغجري».



من هم الغجر ؟

هم أكبر أقلية فى أوروبا تم دفعهم للهجرة، أصولهم تعود لنسل قابيل الذى قتل أخاه هابيل .. فنزلت اللعنة على نسله ليظل هائماً على وجهه، تائهاً لا يستقر كما جاء فى سفر التكوين.. فى القرن التاسع عشر أثبتت الأبحاث أن الهند هى موطنهم الأصلى أرسلهم ملك الهند «شانكال» قبل 400 عام من الميلاد إلى بلاد فارس للترفيه عن ملكها بهرام وشعبه لأنهم يجيدون الغناء والعزف والرقص يغزلون أجمل الألحان الشجية يسبقهم صيتهم فى مجال الطرب، فقرر الملك منحهم بعض الأراضى لكى يزرعوها ويستقروا وينفقوا من ريعها على أنفسهم لكى يرفهوا عن شعبه الفقير ! لكنهم أهملوا الأرض فلا جلد لديهم على الزراعة .. ومن ثم أصبحوا عبئاً على فارس فغضب الملك وصادر آلاتهم وممتلكاتهم القليلة ومنذ ذلك اليوم وهم يتجولون (والجوالون) لقب من ألقابهم فى بعض بلاد أوروبا.

فى صحراء التيه عاشروا الذئاب والوحوش فكان لهم منطق الثعالب فى التعامل مع العنب والحصرم.. اسمهم سيُعد سبة فى بعض الشعوب، فهم سيقطعون الطريق على المسافرين وسيقوم (بعضهم) بمهاجمة القوافل وسرقة الأطفال فى بعض الأحيان.. لكن قانون التعميم البشرى سينال من شرفائهم بالشيء الكثير والكثير منهم تولى مناصب سياسية فى أوروبا.

بدأت أساطير اضطهادهم بأساطير أخرى متواترة عنهم أبرزها أنهم تشتتوا فى الأرض عقاباً لهم لأنهم ساعدوا الرومان حين وافق حداد من طائفتهم على صنع المسامير التى ستستخدم فى صلب السيد المسيح عليه السلام وقصة أخرى تشير إلى سرقتهم للمسمار الرابع تخفيفاً للآلام عن السيد المسيح .. من بؤرة هذه القصة تناسلت قصص أخرى منها : أنهم يحملون معهم المرض والموت .. سلوك الغجرى المتمرد الذى يزدرى القانون والرجال الملتزمين به ساهم فى تعزيز التحامل عليهم فى بداية تاريخهم على الأقل.

حاول الغجر إثبات أصولهم المصرية لكن أصولهم الهندية حسمت الأمور هؤلاء البشر الذين كانوا يجيدون صهر النحاس وصناعة الحديد ويتنقلون فى عربات تجرها البغال قوبلوا بالرفض والاحتقار والاضطهاد كجماعة عرقية فى معظم دول أوروبا .. تفرقت قبائلهم التى يحكم كل منها شيخ يتولى شئونها وينفرد بإنزال العقاب بأفرادها.

فى أسبانيا عام 1499 أجبروا على الاستقرار وإلا كان مصيرهم الطرد وبالفعل تم تكبيلهم بالأصفاد وكانت هناك عقوبة لمن يرتدى الملابس الغجرية واستمرت هذه العجائب حتى عهد فرانكو .. من جانبهم اعتادوا انتقاء ما يناسبهم من ثقافات الشعوب وعاداتهم وكانوا عادة يتبعون ديانة الدولة التى يستقرون بها فترة ما .. فالعشيرة لها قانونها الخاص الذى يشبه الوشم لا يتبدل أو يتغير .. أطفالهم يحملون لقب الأم .. ومن أسوأ التهم التى وجهت لهم بصورة مستفزة كانت تهمة التشكك فى لون عيون وبشرة أى طفل أو طفلة شقراء من أطفالهم.. حدثت أزمات وقام المتعصبون فى أوروبا بخطف هؤلاء الأطفال اعتقادا منهم أن الغجر خطفوهم لأنهم لا يشبهونهم فى لون البشرة السمراء وقاموا بإجراء تحليل حامض نووى له فى حوادث متفرقة فى أوروبا.

لويس الثالث عشر ملك فرنسا قام بطردهم وبعد نجاح الثورة الفرنسية وجهت إليهم اتهامات عامة بالسلب والنهب وإشاعة الفوضى .. أطلق عليهم جيمس الرابع ملك انجلترا اسمGypsy لأنهم قدموا أنفسهم على أنهم مصريون وطلبت منهم الملكية إليزابيث الأولى مغادرة البلاد .. تفرقوا فى أوروبا وأطلق عليهم أسم «الروم» والسنتى نسبة إلى السند بالهند.

وكان لهم تواجد فى أيرلندا واسكتلندا وبلغاريا وصربيا والبلقان والبوسنة وألمانيا وفرنسا .. وأينما ذهبوا يتم تأجيج الروح العنصرية ضدهم فهم المسئولون عن تدهور الأوضاع الاقتصادية وازدياد البطالة فى أوروبا من وجهة نظر الحكومات .. أطلق عليهم الألمان حين وطأت أقدامهم ألمانيا فى القرن الخامس عشر بعد مرور قرون (المنحرفون اجتماعياً) وسامهم الحزب النازى سوء العذاب وتعرضوا للهولوكست فى أبشع صوره وكانوا فى طليعة هجمات الإبادة الجماعية التى شنها هتلر على بعض الأجناس وقام الألمان بتحليل فصائل دمهم ووضع سير ذاتية لأعراقهم واستبعدوا أى ألمانى تعود أصوله البعيدة للغجر من المواقع القيادية فى الحزب النازى والوظائف الرسمية ونقل أكثر من 30 ألف غجرى إلى بولندا فى معسكر أوشفتيز حيث قتل منهم الآلاف وفى بولندا قتلوا رمياً بالرصاص ومن العجيب أن جرائم قتل الغجر لم يتم تناولها فى محاكمات نورمبرج!!

لكن فى السبعينيات انعقد أول مؤتمر للغجر فى لندن وانتخب غجرى رئيساً له أعقبه تأسيس الاتحاد العالمى للروم وتم تحديد يوم 8 أبريل يوم عالمى للغجر .. الذين عانوا فى رومانيا الأمرين وكانوا يباعون كالعبيد اعتذرت ألمانيا رسمياً عن الإبادة بحقهم عام 1982 وافتتحت أنجيلا ميركل نصباً تذكارياً لهم فى برلين عام 2012 تخليداً لضحايا غجر الروم وقالت بنبرة صدق: «هذه فظائع يجب ألا تتكرر .. هذا شيء يملؤنى بالحزن والشعور بالعار». وإذا تتبعنا حركتهم عل|ى الخريطة فى القرن الحادى عشر الميلادى سنجدهم هاجروا إلى الدولة البيزنطية وتفرقوا فى المنطقة العربية .. فكان (النّور) وهم غجر مصر والشام والكلمة مستمدة من اسم القبيلة الأولى التى هاجرت (لوري) كانوا يتهربون من دفع ضريبة الرؤوس فى عهد محمد على .. يفضلون الحياة على أطراف القرى والمدن فى تجمعات خاصة بهم وانتشروا فى بعض مدن الوجه البحرى وفى الوجه القبلى أطلق عليهم (الحلب) يصنعون السلال ويمتهنون الحدادة والخردة والتسول وخرجت غوازى الموالد من هذا المجتمع المغلق على ذاته .. يجيدون الألعاب البهلوانية ومنهم بعض الرفاعية .. شخصيات شهيرة لها مكان ومكانة فى الوجدان المصرى ومعظمهم رواة جيدون للسير الشعبية خاصة «الزير سالم» الذى تنازع مع جدهم «جساس» على زعامة القبيلة وفاز بالزعامة .. ويكن أبناؤه فى مصر كراهية مضمرة للزير سالم ومن أمثالهم «ملعون أبو الزير اللى حكم علينا بركوب الحمير»



الغجرية ست جيرانها

أما أشهر أمثالهم الذى يحمل دلالات ومعانى كاشفة عن النسق الاجتماعى والأخلاقى الذى يتبعونه هو «الغجرية ست جيرانها» سياسة الصوت العالى ومبدأ القوة الذى يحسم الصراعات .. إنه زمن الغجر حقاً أليس هذا ما يحدث فى الساحة العالمية الغجر يقتحمون المخاطر ويدخلون فى مجالات ممنوعة لحساب الغير .. أليس هذا ما يحدث فى (الحرب بالوكالة) .. بدأ الغجر العولمة بفطرتهم فى إزالة الحدود والخروج عن القانون .. هم أحفاد «أزميرالدا» الجامحة كسهم طائش وهى ترقص فوق بساط فارسى عتيق ألقى تحت قدميها دون عمد هو الغجرى نظراته أثمن أسلحته .. البوهيمية هى ثوبه وأسمه وأسلوبه .. فهو سبب شهرة بوهيميا وليس العكس .. يصعب النيل منه على الرغم من شعوره بوطأة ثقافة الأقلية، التى تنطوى على ذاتها وتنكمش داخلها نتيجة محاولات صهرهم فى ثقافة الأغلبية التى تملك سحر العدد الأكبر .. فى عالم يغفل أو يتغافل عن سحر التنوع الخلاق الذى رصدته اليونسكو فى أكثر من عشرة آلاف أقلية متنوعة ينتفع منها العالم .. الغجرى مثال ناصع لهذا الإحساس بالغربة والاغتراب والانصهار القسرى والتفرقة فى المعاملة والحرمان من الحقوق والتمييز بين فئاته.. بين سندان العولمة ووعدها بإزالة الحدود ومطرقة تأجيجها للقوميات والنزعات الانفصالية .. تبرز مشكلة الغجر حالياً .. بعد تدفق اللاجئين السوريين والأزمات الاقتصادية التى تجتاح العالم .. هم قوم كانت تنتمى إليهم عرقيا سيسليا زوجة ساركوزى السابقة (والدها من غجر السلاف) وزوجة ريتشارد نيكسون الغجرية الأيرلندية .. فالغجر يعانون من انخفاض معدلات القبول بين الأقليات فى أوروبا .. ألمانيا هى الأفضل فى التعامل معهم تليها فرنسا ثم بريطانيا فى آخر استطلاع نشرته الأندبندنت. (55%) من عينة استطلاع فى إيطاليا أفادت عدم تفضيلهما للغجر كأقلية وفى دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث فى 2016 أفادت نتيجتها أن نسبة 5.6% من سكان الشرق الأوسط اضطروا لترك منازلهم والهجرة لأسباب مختلفة.

استقبلت أوروبا أعدادا كبيرة من اللاجئين يعيشون هم أيضاً على الحدود وفى الخيام وإن لم يتغنوا بالفلامنكو الذى ابتدعه وأبدعه الغجر على أوتار القيثارات وضربات الجيتار وخبطات الرق .. (فلامنكو) يقال إنها تنسب للموريسكيين الذين عانوا من الاضطهاد والإقصاء بعد سقوط الأندلس وكانت الكلمة تعنى «فلاح منكم أو فلاح منكوب .. بلا أرض ولا فأس تأتى خطوات راقصة الفلامنكو لتشعل الأرض بخبطاتها فى عنفوان وكبرياء .. هامة شامخة وثوب قرمزى تتأرجح كرانيشه كصرخات تشبه العويل على صدى نغمات تلمس شيئاً غامضاً فى النفس .. تأتى تيمة الحزن والفقد والغياب والترحال والألم والعتمة لتنهى المشهد الغجرى الذى يشهده العالم.. وتفصح عن الحقيقة ببساطة شديدة: الكل يحتاج شيئين : المحبة والفهم فالسعادة تكمن فى امتلاك أقل ما يمكن من الأشياء حتى لا تعوق خطواتك على الدرب أو.. (الكامينو) .. فلنتعلم الحكمة من الغجر.

رابط دائم:

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/572919.aspx

 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق