رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تنبأ بدنو أجله وأعلن بلا كلمات انه ذاهب الي مدفنه قريبا
القصة الأخيرة لـ «أحمد الشيخ»

أحمد الشيخ
اختص الكاتب الكبير أحمد الشيخ ملحق الجمعة بقصته الأخيرة فى الحياة، حملت عنوان «لكن الحياة تتجدد».. لم يكتف بإرسالها منذ أسبوعين كما اعتاد بل أتبعها بمكالمة مازالت معانيها تتردد فى سمعنا حين أوصانا بنشرها بسرعة لأنها شهادات على حياة فى ساعة «تجلى»

لكن القدر كان أسرع من قدرتنا على تنفيذ مطلبه الذى صار وصيته حين ننشرها بعد يومين من رحيله الثلاثاء الماضى .وفى «لكن الحياة تتجدد» يصف «عم أحمد» نفسه بالكاتب المصرى القديم، حيث يقول: «أجلس القرفصاء منذ آلاف السنين - كما تعرف - قانعاً بالقليل وأقل من القليل»، الحظ رماني وحاصرني ، ثم أسكنني هذا البدن الذي ترهل وصار يعلن بلا كلمات في كل خطوة يخطوها انه ذاهب إلي مدفنه قريبا. وكما هى طبيعة أعمالة الأدبية غاص عم أحمد فى قيم الحياة المصرية بكل تفاصيلها، واهتم بموروثات القرية، وما طرأ على قيمها وأبطالها من تغيرات وتحولات وعلل وأمراض لقدرته الفائقة فى بعض أعماله على سبر أغوارها التى وصلت إلى درجة التأريخ للحياة الريفية، وعلى الرغم من تواضع التقدير من المؤسسات الثقافية الذى حصل عليه فى رحلته مع المرض إلا أنه استمر فى مسيرته الإبداعية المتميزة التى استحقت جائزة الدولة التقديرية ،

و«الأهرام» إذ ينعى اليوم إلى قارئه قامة أدبية أخلصت فى الإيمان بالهوية المصرية وأنعشت ذاكرتنا الوطنية منذ قصته الأولى التى صدرت عام ١٩٧٠ «دائرة الانحناء»، ونفخت بعطائه فى روحها بما يحصنها من القيم الهاربة من ظلمات الجهل والانغلاق والتطرف إنما نجدد العهد على الدفاع عن قناعاته ووعيه بقيمة العطاء والإبداع الذى يسجله الكاتب المصرى «جالس القرفصاء» منذ الأزل ، وظل «عاشق تراب الأرض» حتى اختار القدر أن يرحل عنا «أحمد الشيخ» تاركا وصية إلى كل العالم أن يعلن تضامنه مع الشعب الذي بقي في ارض الكنانة وديعا ساكنا متحاملا علي نفسه وعندما فاض به الكيل خرج معترضا ليواجه من ظلموه واستهانوا بتاريخه ووعي ناسه».. وتبقى الحقيقة: أن المبدعين لا يموتون .. ومهما كان الرحيل مرا « لكن الحياة تتجدد»


لكن الحياة تتجدد


رجل فى الخمسين كان يسير قريبا منى ويدعو ربه بصوت مسموع :

يارب ، استرها معى ، أنا لا أطلب أكثر من جرعة ماء من نهر النيل ونسمة هواء قليلة الفساد ، وحيز مسقوف يدارى معى الزوج والأولاد وكسرة خبز ترد الجوع .

عندما رآنى دندن وتظاهر بالغناء تأملته فوجدته شبيها بكاتب المظالم عند باب المحكمة ، كدت أحدثه عن أن الشكوى وسيلة العاجز ، لكنه أسرع خطاه ودخل الزحام وما عدت قادرا على تمييزه أو اللحاق به ، لو كان مثله يعيش فى زماننا لحدّثت الفرعون عنه وأرسل من يحضره من أمام المحكمة ليمنحه أرضا ودارا وأبقارا لأنه وإن كان مجهولا لديه فهو كاتب يسجل على أوراق البردى أمجاد الزمان الذى يعيشه ومخازيه

عجيبة هى الحياة فى مصركم يا سادة ، هذا الوغد ساكنى أو سكنى نطق الحكمة أو نقل الحكمة «يعطى سره لأضعف خلقه» هكذا سمعتها وتأكدت من بعض صدقها بعد تفكير عويص ، وإذا كنا نحن قد عشنا زهو زماننا لأننا كتبنا ما كان يمليه علينا الفرعون أو كبير الكهنة أو حكيم الحكماء ، فها هو ذا رجل فى الخمسين مصاب بالوساوس والهواجس ومتسلطة عليه أفكار لا تسر ، خياله مريض بأحلام يقظة دموية الطابع ، يتوقع لا أدرى لماذا تحاصره الشرور من الجهات الأربع ، يجلس على مقعد حاف ويسند كوعيه على تختة قديمة من خشب كالح ثم يمسك قلمه ويكتب أشياء ، أراقبه من بعيد فألاحظ أنه يشغّل خلايا مخه ويتصور أشياء لا حصلت ولا كانت لكنها تبدو كأنها كانت ، بل إنه يرسم بالكلمات شخوصا لم يصادفها أو يسمع بها ، وأقول لنفسى لعله السحر ، لكننى أكتشف أن السحر وسيلة السحرة وهم قادرون على تحويل الطمى ذهبا وتحويل الاوزة بقرة ، وعليه فلا سحر هناك ، ولقد حاولت منذ البداية أن أفعل فعله فكابدت شقاء ما بعده شقاء ، لكننى لم أستسلم وداومت على المحاولة إثر المحاولة حتى تمكنت من مسايرته والسرحان معه ، هو نفسه لم يدع لى فرصة كى أفكر فى التراجع ، وذات مرة شعرت بزهو يفوق كل زهو صادفته ، إنشرح صدرى وأحببت الحياة أكثر وأكثر ، وجعلت أدرب ذاكرتى لتستعيد تواريخ ونوادر وناساً من أزمنة فاتت ، وجرؤت وقلت لنفسى ها آنذا - سنب زوسر كا – كاتب جديد ، ورقصت مرة لأننى كتبت للأطفال حكاية أعجبتهم ، رقصت بنشوة غامضة لم أجربها قبلا ، كان يناولنى الكتب كتابا فى أعقاب كتاب ويوصينى أن أقرأ ، أن أفهم ، ألبسنى إطارا يحوط دائرتين من زجاج سميك ، وسمانى مثقفاً وهو لفظ من تلك الألفاظ الغامضة التى لم افهمها جيدا فى تلك اللغة المراوغة شربت أطنانا من الشاى الساخن ودخنت ملايين اللفافات ، ورأيت كتاباته الى جانب صورتى على صفحات المجلات وأوراق الصحف ، حزنا معا إعجاب الخلق وما حصلنا على أكثر من وظائف بملاليم ، جوّعنى وجوّع أولاده وزوجه ، لو أشبعنا يوماً جوعنا يومين ، أطفاله الصغار يتامى فى وجوده فكيف يكون شأنهم بعد موته ؟ مجنون بشراء الكتب وأجبن الجبناء فى شراء اللحم ، ذات مساء سمعت صراخ زوجته بسبب لفافة كتب شالها بفرح ناسيا خبز أولاده ، بينى وبينكم لها حق ، فاض الكيل يا سادة ولم يعد للصبر معنى ، كنت مفزوعاً من الشر الطالع من عينيها وفرحاناً لأنها جرؤت مرة وأفحمته

....................

فى البلد مجاميع من الناس تتحزب وتتبادل الخدمات ، لكنه خارج عن كل الدوائر ، وحيد وحدة قاتلة ، لا أنكر أن له أصحاباً أكثر من أصحابى ، لكنهم افراد ، كل منهم جزيرة معزولة وسط بحر صاخب يعلو فيه صوت الهدير وترتفع الأمواج ، عصا مفردة سهل كسرها ، يكتب للمجهول ولا يأخذ ثمناً ، يتحدث عن عدل لم يوجد أبداً فوق الأرض ، وأنا العارف أسرار التاريخ المكتوب وغير المكتوب أؤكد أن لحبّ الأرض حدوداً ، وإن ضاقت بك أرضك فارحل عنها تتحقق ، غيره يا سادة سعى وتنقل ، حاول ولم ييأس ، عاد بثمن الحنطة وأساور للنسوة ، صاحبنا أرضاه كلام سطّره عن طين الأرض .. ضيعنى ، أوجعنى ، قلت أوبخه يوم أصيب الطفل بجرح لم يملك ساعتها أجر طبيب يوقف نزف الدم : «إعشق طين الأرض وزودها بدماء الطفل النازف يا أجهل جهلاء الأرض» أطرق بالعجز عن الرد

خمسون عاماً يا سادة وأنا الراجع من أزمنة الجرأة أصرخ فيكم وأنبهكم إلى ضرورة عمل تمثال جديد من طين الصلصال لكاتب مسخرة ذاب فى حروف لغة عصية مراوغة وجبن منذ البداية عن إقتحام الحياة ، مخضوض الملامح دوماً ويعانى من فقر الدم ، يدّعى أن إسمه أحموزى أو أحمس ويكذب ، ويشمخ بأنفه متوهماً أن لأمثاله فى هذا الزمان قيمة ، إعملوها وجهزوا مادة التمثال ، مجرد بركة صغيرة من طين الصلصال ، وأؤكد لكم أنكم سوف تضحكون كثيرا كثيرا حتى تدمع عيونكم من كثرة الضحك على شكل التمثال الجديد لكاتب قديم نادرا ما يتكرّر

....................

فى كابوس عابر تحولت الى ضيف ثقيل الظل بين جدران بيتى ، كانوا يتغامزون على فى بعض حواراتهم ولو استفسرت منهم لا اجد ردا شافيا ، كانوا يتهامسون بأصوات خافتة ويهزوا رؤوسهم علامة الموافقة ، يستثمروا ما كنت اعانية من مواجع دائمة فى الأذن اليسرى وأنا أوشك أن أصرخ فيهم لأذكرهم بنفسى « أنا سنب زوسر كا» جالس القرفصاء ، الآتى من زمن القدرة لكن الحظ رمانى وحاصرنى ، ثم اسكننى هذا البدن الذى ترهل وصار يعلن بلا كلمات فى كل خطوة يخطوها انه ذاهب الى مدفنه قريبا ، وانه لو عاش أياما طالت فلن يتحقق له خلالها ما تبقى له من أيام لينال حقوقه المستحقة والمؤكدة بشهادة من عايشوه وتابعوه ، ومن قرأوا ما باح به عنهم وعن زمنه وزمنهم قالوها لكنها كانت شهادات منطوقة فى ساعات التجلى ، ثم تحولت لهمسات كانت تتسرب وتتلاشى فى الفراغ ، ومن كانوا يتابعون الحقائق ومن يمسكون بأطراف اناملهم خيوط التصعيد الزائف ، وتخطوا تلك الحقائق التى تدربوا عليها لسنوات وسنوات طالت بلا طائل ، لأن ما يعرفه الواحد منهم عن امثاله كان مطلوبا فى نهاية المطاف ، وظل هو محصورا فى نفس الحيز الضيق ليكابد ويسعى بلا كلل لكى يدبر مطالب حياته وبيته ، لكن الأحكام التى كانت تتسم ببعض العدل فى زمنه كانت نادرة او منعدمة ، ولم يكن هناك غير الصبر والمرار المسكوب له فى كل جرعة من ماء النهر بعد أن لوثتها النفايات التى تخلص منها مصانع التابعين الذين لا يملك اى مواطن بلا هيمنة ولا سلطات أن يمنعهم او حتى ينصحهم بتخفيفها ، فتحول من رجل يرصد ويسجل ويسرد الحكايات التى عاش يشهدها إلى كاتب مسجل لبعض الاشارات ، لا يفهمها إلا من يدقق أو يحاول أن يستكشف ما بين السطور ، وكان حصاره يمتد بلا حدود ولا يملك منه خلاصا ، فهو فى مكتبه وبين من يترأسهم من العاملين ببعض الأعمال الإدارية الهامشية كانوا يبرعون فى انتقاداتهم المكتوبة عنه ، والسخريات المنطوقة عن توهات عقله فى الأوقات المتاحة لهم ليتحدثوا عن أشياء تخصه ، وفى الحارة التى يسكنها كان صبى المكوجى والحلاق وموزع الصحف والمجلات ومن يلتقيهم فى دكاكين البقالة أو الجزارة يتابعونه ثم يرددون حكاياته وتفاصيل حياته ، وماسح الأحذيه الذى كان يصدقهم مثلما يصدقون أو يتظاهرون بالتصديق أن الرجل غير متوازن العقل ، وغير مؤتمن على سر يسمعه أو أمر يكشفه عن اى واحد منهم ، مع أنه لم يبح بأى معلومة أو خبر أو شبه سر عن واحد ممن عرفهم ، كان يبدو مدهوشا لو اوصاه صديق أو قريب أو زميل ألا يبوح بأى خبر يخصه فيفاجأ بأنه متهوم ويطالب البعض بعدم محادثته فى أمور لها طابع الخصوصية ، ينتهى الكلام ويتأكد بأنه مستهدف بمن يحدثه ويسأله وكأن التضييق عليه فى زمن قدرته يتطلب منه صخبا وشكايات لا تنتهى ، ينشرها ويبوح بها فيفضح هؤلاء الأتباع لمن لا يستحق أن يكون لهم أتباع ، وسامحونى لأن الكلمات التى إعتدت كتابتها بحروفنا تبدّلت بعض دلالاتها ، لكننى سأحاول أن أسايركم وأصوغ لكم افكارى عنه بلغته ، وسامحونى أيضا لأننى ما زلت أومن بما نشأت عليه فى بيوت من سبقونى ، أما عن ضرورة أن يكون « جالس القرفصاء « قادرا على المواجهة اكثر وقادرا عن كشف ما هو مستور بين السطور ، لتكون رسائله للفرعون دلائل دامغة ، وبموجبها يامر بافعال ويصدر قرارات لبعض اعوانه عمن عجزوا عن تحقيق بعض العدل بديلا عن بعض الظلم ليتم استبعادهم تماما ، وسامحونى لو بدا لكم أن تصديقى لبعض ما كنت اسمعه عنه ممن استشهدوا بأصوله الراسخة التى لا يتطرق اليها شك ، او سيرة والده الذى رباه على الصدق والجرأة على المواجهة ، والبدايات كما تعرفون علامات يصعب تجاهلها عمن يبوح ببعض ما شهده ، وما شارك فيها بأحداث كتبت على صفحات البردى ، والأمر محير فى أوله وفى آخره , ولو راجعت نفسى قبل أن اختاره ليكون بدنى المسكون لتراجعت وفضلت الطواف فى اركان الوادى سعيا وراء بدن يليق بى أكثر منه ، ولكنها انصبة كما كان يقول احيانا فى احلك الأوقات وأكثرها حساسية ، ولأنها تخص المصير الآتى والمخبوء الذى نستشهد به فى اوقات إختياراتنا الحاسمة التى قد تتوافق مع ما يسمونه مصيرا حتميا لا فرار منه ، فأصارحكم بأننى اختلفت معه وظللت أحاوره أحيانا عن المصير الحتمى المكتوب له والذى لم يكن هناك فرارا منه ، وافحمته بخبراتى فإبتسم وباح لي» أن الزمان تبدل وأن المعايير اختلفت واختلت ، وما عادت قرارات التصعيد الملفقة مأمونة برغم أن خبرات الناس المخزونة عبر آلاف السنين التى عاشوها وجربوها قبل أن اكون أنا « سنب زوسر كا « بين من جلسوا القرفصاء ولازموا الفراعين الذين منحوهم حرية البوح والتنبيه بمخاطر قد تتبدى للناس الواعية أو الأهالى أو جيران جالس القرفصاء ملتبسة ولا تكتشف أمارتها العسس دائما كما كان يسميهم ، وحتى من يتبعوهم ويتوددون إليهم لنيل رضاهم وعطاياهم لم يكونوا رغم المنح يشبعون أو يخلصون ، وسامحونى مرة أخرى لأننى استرسل أحيانا فى سرد التفاصيل التى لا تخصنى وهى على نحو اقوى وأصعب وبعيدة عن تلك « الثرثرات» كما كان يسميها بكل ما يمكن أن تكون هوامشا فى حياته ، وتعالوا لندخل بيته أو مقر سكنه وفراشه الذى يتمدد عليه ويتغطى بلحافه ويستخدم « بيت أدبه « إسما لمكان يقضى فيه حاجته ، بعكس عياله الذين أطلقوا عليه كلمة « حمام» وهى تسمية انسب وأكثر تعبيرا عن المكان الذى ينعمون فيه بدفء الماء او برودته فيستحمون فيه بقطرات الماء النازلة من الدائرة المعدنية ولا يعرف أمثالى كيف دبرها من دبرها ، كيف لم توجد فى زماننا لتزويد راحة الفرعون ويرتاح حكام الأقاليم مع أمثالى من الكتبة الذين يجلسون القرفصاء ، ناهيكم عن تلك المربعات التى توهمتها فى البدايات رسوما لحفريات مسلوبة من بعض المعابد ، فإكتشفت انها كيانات تتكلم وتتحرك داخل إطاراتها ، فيها يشاهدون اكابر الناس المهيمنه فى زمانهم الذين عينوهم او عينوا انفسهم حكاما ، وهم يبتسمون او يصدرون الأوامر او يمنحوا للبعض أنواطا ونياشين وأوسمة ، لأنهم خلصوهم من بعض الخصوم أو اسهموا فى تنظيف ابدانهم وابدان البنات العاريات وهن يتمايلن ويترنمن بكلمات جسورة غير تلك التى إعتدناها من بنات زماننا حتى من إخترناها مع كهنة المعابد لاختيار عروس النيل بحياد وبلا مجاملات ، لتكون اكثرهن جمالا وأقواهن فتنة هى عروس النيل المختارة ، والنيل الذى عشقناه وقدسناه وهو يتحرك بصخب مع تتابع امواجه بعنفوان الشاب ، سعيد الحظ لأنهم سيعقدون قرانه علنا باجمل الجميلات ، ها انذا اعاود البوح بما لا يحق لى أن أبوح به فى بدايات زمن آت سوف أحياه معكم ، يطول او يقصر لكنه فى نهاية المطاف مشحون بمئات الأشياء التى كلفت بها نفسى وتعهدت أن اسجلها أو أحصيها أو أسطرها فى الزمن الممدود الآتى ، لكن حياة الرجل الذى صرت احمل تقاطيع وجهه وأرتدى ثيابه وهو يستحق أن نكشف بعض الزوايا التى ميزته او قللت من مزاياه وذلك بالرجوع اكثر إلى بداياته ونهاياته ، او أن نستكشف تفاصيل الواقع الذى يحياه بيسر او بعسر ثم نحكم له او عليه ، ربما كانت تلك المعاملات التى يواجهها كل يوم تليق به او لا تليق بحسب من قرر أن يضعه فى تلك الخانة ، ونسأل انفسنا ، هل يستحق ما يعانيه وما يعامل به من اقرب الناس إليه بداية من زوجته وعياله الذين حدثتكم عنهم فى البدايات ، كيف كان يكابد إلى حد نزيف الدم من داخل البدن ونراه مثلما يراه أهله وناسه ، وهل كنت أقبل أن أتعرض لما يتعرض له من ضغوط يستشعرها وصرت أنا أحس بها وأحاول أن أداريها ، ربما لأن التداخل والامتزاج بيننا كان قد تم منذ عدة أيام ، فاتت الأربعون يوما التى حددوها لتتلاحم خلايانا خلالها كما يتوافق الإحساس بين البدنين على مهل أثنائها ، ولأن الأيام مرت والتمازج تم فسوف ابوح بما كان يواجهه وصرت اواجهه أيضا من سلوكيات لا تليق بمثلى او بمثله ، ومن اطراف لا يحق لنا أن نحسبهم ضمن من صاروا من الخصوم الكارهين ، وإذا سلمنا بذلك فكيف يصدقنا من نروى له حكايتنا معا والطرف الثانى كما قلت هم زوجته وعياله ، وللحكاية جذورها العتيقة التى لم تولد من فراغ ، وسوف ارويها لكم أنا « سنب زوسر كا» لأنه لا يستطيع ان يعبر بالكلمات عن اسباب صمته الذى اختاره لنفسه ، وبديلا عن حالة الصخب والصراخ بوجوههم ، والاحتجاجات المبررة تبدا بالصمت تنتهى بما لا نهاية له ولا سقف ، لكن علاقات الدم احيانا تكون فخا لبعض الناس أمثالنا وسوف يتاكد لكم ذلك ، وبعد أن التقط انفاسى أو أنفاسه ، سأحاول ان ألملم مفرداته وأصوغها لكم ببضع كلمات قد تفلح فى توصيف مشاعره ومواجعه ، وتتعاطفون معه او تشفقون عليه مثلا ، لكن البدايات لازمة لنجد تبريراتنا أو تفسيراتنا لما يقبله العقل ويحكم له او عليه ، وكل ما دار بينهم وبيننا سوف يوضح حيادى أو تعاطفى معه او معهم ، لكن ما دار بينهم كان يؤكد لمن يشهد اى لقاء بينهم فى السنوات الأخيرة ، كيف أن الأمور وصلت لمبالغات يرفضها العقل فى العلاقات الطبيعية ، وسامحونى لأننى تباطأت فى توصيف كل التفاصيل ، ربما لأتمكن من التعبير عنها دون إنحياز مسبق رغم انحيازى الفطرى مع البدن الذى صار يخصنى انا «سنب زوسر كا»

لأن بداياته تأثرت سلبا بخلافات أسرية نتج عنها فقدان أبيه لميراثه من الجد ميسور الحال وصاحب العزوة الذى رفض أعتراض واحد من عياله على عبارة قالها فأشار اليه آمرا أن يخرج من الدار ، فتحاسر ونظر إلى الأب وغمغم بكلمات بدت إنتقادا مباشرا فقام وسط دهشة الكل ليأمره بأن يخرج من داره ، ويتوعده بالحرمان من ميراثة الشرعى فى الأرض والدار وزوجته بإبنها الصبى ،كانت بداية لم يتأكد صدقها ولا مبالغات من سردوها او خففوا من عنفوان طرف قادر مع إبنه ، حكاية تبدو مبالغات فى التشدد او عفو الأب عن ابنه لتطاول طال الطفل ، لكن العراء كان نصيب مطرود ليل فى عتمة لولا ضوء هلال خافت ونحيل ، والبدايات المروية على الألسنة تقبل دوما أى إضافات أو بتر أطراف ، وطالت سنوات دبر فيها حاله وصار أبا لصبى يسأل عن جذوره ويتلقى الأجوبة بلا قناعة أو تصديق وواجب عزاء الجد الكبير بعد مرور السنوات يدعوا اباه فيصحبه ليرى الأصول والجذور ، والإبن الصبى يصير شابا بمشروع شارب يتشبه بجده ، وقالوا لأبيه ان الجد ورّثه الدار والغيطان وما يملك ، وصار إمتدادا لوجه وبدن الجد فى العزاء ، ونصحو المطرود أن يطالب بحقوقه وميراثه المستحق ، ونصحه آخرون بأن يلملم الجراح القديمة ويستسلم لما قالوه لأن الجد نفذ وعيده ، فكتب ما يملك للحفيد الذى رباه على هواه فوصيته صحيحة لأنه لم يسلم ارضه او داره لغرباء ، وقالوا له أن رواج احواله دفعه لحماية سيرة أهله من تزويد ما يقال إنتقادا أو امتداحا زائفا لاولاد الأصول

أخوف ما كنت اخشاه هو التداخل بين تلك الحكايات التى سمعتها وجاهدت أن أختصرها قبل أن أنقلها وأرويها لكم عن « أحموزي» الذى صار من غير تدابير مسبقة « سنب زوسر كا « جالس قرفصاء الزمن القديم وقد جاء ليتجدد ويسكن بدنا يساعده على مواصلة مشواره فى زمانكم الذى إختلف عن زماننا بمراحل لا حدود لها ، والمخفى فى حياتكم اكثر من المعلن ، ولو شئتم فسوف ابوح لكم بحكاية كانت تشفينى من إحساسى بوحدتى مع اب يسعى ليزود قدراته لكى يبرهن لنفسه أو لأبيه الذى غضب عليه وطرده – أنه قادر على مواصلة مساعيه لتزويد قدراته وامكانياته ، لعله كان سباقا تحتيا غير معلن لكننى كنت احن لتلك المساحات المفتوحة غيطانا تشغل مساحات مطلة على الطريق والترعة حدائق من بلح وعنب وتين وجوافه ، ولا أدرى ان ابى كان يعرف او لا يعرف ما يجرى لى عقب تلك الأيام التى تزورنا فيها جدتى لتطمئن عليه ثم تسأله ان يوافقها على إصطحابى لكفرنا لزيارة الجد والأرض والدار البراح التى تباعد عنها وركب دماغه ليواصل اغترابه بدلا من مشوار إعتذار للأب كان يرفضه بحدة وغل كامن مسنود على اسباب لم اعرفها ، لكننى كنت اذهب وأراه ، ارى الوجه الملائكى الشهم القادر على زحزحة نخلة عتيقة كفت على الإثمار ، يزحزحها بيديه ويواصل حتى تفز الجذور من بطن الأرض الجافة ، فيبتسم لنفسه او لكل من يراه ويهز جذع النخلة بقبضتيه فتميل ثم تسقط على مهل والبسمة تغطى وجه الجد القادر على تطهير أرضه من اى نخلة او شجرة غير مثمرة ،عندما كان يرانى يشير الى فأقترب منه ، يجلس عند شط الترعة ويشير إلى لأجلس بجواره , من سيالته يخرج حبات بلح زغلول او سمانى او عنقود صغير من عنب او ثمرة خيار او قثاء ، ويطالبنى بأن آكل وأقول له إن كانت الثمرة حلوة مثل التى آكلها فى البندر او انها بلا طعم ، اقضم او انحت او ابتلع ثم امضغ وأهز رأسى معبرا عن إعجابى بما قدمه لى ، وأرى اخى الذى يسعى فى اعقابه فيربت على كتفى ويسألنى عن ابى ، يوصينى أن اطلب منه ان يأتى ليراه ، لكن جدى كان ينظر لأخى بغير ارتياح ويطالبه بأن يتحدث فى امر آخر او يسأله إن كان قد احضر لنا الغداء لنأكل ، كانت الأيام هناك تمر متسارعة ثم اعود لأرافق جدتى ويوصينى الجد بأن اكون مجتهدا فى دراستى ويعدنى بثياب جديدة تصلح للقرية والمدينة ، فاقرر ان اكون مجتهدا لأبعد الحدود الممكنة لأرضيه وأرضى جدتى لو كانت فى المكان متعللة بجلب وجبة طعام تتمنى لو أعجبنى , لو قلت لك الحقيقة فسوف اؤكد اننى لم آكل فى كل عمرى طعاما احلى منه فتضحك ، تربت على كتفى وتوصينى أن اجهز نفسى لزيارة الأسبوع القادم يوم الخميس لو كنا فى ايام الدراسة ، لكن الأجازات فى الصيف كانت مفتوحة ومزحومة بكل المتعة والألفة والمودة والحب ، فهل جربتم ما شفته او انكم شفتم اجمل منه فى حضن الجد والجدة ؟ ربما.

ربما تسألنى كيف اسمح لروحى بأن أحكى لكم ما شافه من اتفقنا على ان نسميه « احموزى « وأنا « سنب زوسر كا « جالس القرفصاء « لنؤكد لكم معا أننا صرنا وجهين لعملة واحدة كما تقولون ، فالأيام تخطت مرحلة الإمتزاج ومرت ، والذاكرة التى كنت املكها ما زالت فى حيزها المأمون مع ذاكرته التى حاول ان يخلصها من آفة النسيان ليحميها من عوامل التهالك التى اصابته « بالزهايمر « فى زمن جالب لكل اشكال المواجع وتتويه العقول ، ولن نبكى أو نتباكى على ما فات او ما ضاع وفقدناه بالسلب والخطف وإستباحة كل شئ حتى عزة الوطن وتخطى كل الحواجز بين التربح والخيانة ، وخيانة الوطن تبدأ بوضع صورته فى اطار لا يليق بتاريخه وصموده أمام شعوب الدنيا بأسرها ، أن نتقبل التبعية مثلا لمن جاءوا بعدنا بعدة عقود او قرون او بآلاف السنين ، والوطن علامة وصفة تلازم الوليد وتبقى حتى موعد رحيله ، والخطايا واردة مثل السلب والنهب الشائع فى اركان الدنيا ، ونحن لا نتطهر عند مداخل الوطن ومخارجه لكننا نتطهر بنخاعه ، قبول الإنكسار للفرد ممكن ، لكن التواطؤ مع الكوابيس أو الجن الساكن سابع ارض يقودان إلى الخسائر التى تمتد آثارها لآلاف السنين او مئاتها فى بعض الحالات ، ومن يفتح باب داره لضيف يجلس بتراخ وعزوة فى مداخلها بتراخيص لا يملك من يمنحها لغريب ليتحكم فيمن يخرج ومن يدخل وما يباع من خيراتها او يسمح بشرائه من أسواق الخميس او أسواق الجمعة ، وربما يتحكم لو اراد فى الثياب وعلاقات الأنساب وأسماء الخلفة ، ونمد الخط على استقامته لنصل إلى عدد الأنفاس المسموح بها لكل مواطن حى فى اليوم أو الساعة ، ومن باب السخرية والمبالغة المقصودة أحاوركم وأستوضحكم : ألم يسأل أيكم نفسه إن كان واردا فى لحظة ما من لحظات العوز المتواصل أن يبيع مسئول مكونات الهواء بالبطاقة التموينية التى لم نستخدمها فى أيام الفراعين بشكل مؤكد فى الزمن القديم ، لكن وصول أدوات السلب والنهب اليومى وتسريب العوائد لحد فقدان الأمان عند البسطاء والودعاء الذين يتعايشون فى الهوامش بلا أغراض او امنيات اكثر من لقمة العيش ، وتدبير الحيز المسموح به للرقاد او الجلوس قبل السعى المتواصل لجلب لقمة العيش تسد ركنا فى بطنه وبطون العيال ، ربما كانت فترة إستعمار جاءت بعد فترة استعمار هى التى رتبت تلك الفكرة ، بمنح كل مواطن بطاقة تموين تكفل له حق الحصول على الضروريات والأساسيات لتزويد التراخى وهيمنة حالة السكون ، فلا احتجاجات ولا مظاهرات ولا مطالبات برحيل الغرباء ، ومنطق ساكن البيت الغريب المتحكم فى كل نفس زفيرا بلا فائدة أو شهيقا يمد البدن بأنفاس ليواصل الحياة ، يسمح لخيالنا بالطواف بعيدا ، دعكم من الشهيق والزفير وفكرة التحكم فى الأنفاس وحاولوا معنا ان نتفهم قداسة الوطن ، وراجعوا مئات وآلاف الآلاف من التجارب لمن خرج من مصر دارسا او زائرا أو عاملا وسوف يتأكد لكم من خلال الحوار مع من خرج وعاد كيف أن شعوب العالم تعتز بنا وتؤكد عراقة تاريخنا وكثرة ما أنجزناه يكون ضمن رصيد تلك البشرية وتلك الشعوب التى شاركتنا الحياة وكتبت لها تواريخ دون مطامع أو مصالح تحتية أكثر من الرغبة فى أن نتخطى المآزق ونزيح المعوقات والأساليب المتدنية لنكون شركاء لهم بخبرات بعض ناسنا بأبحاثهم سعيا لتسهيل الحياة ودعم جهود الإنسان ، هو مربع يتم استنشاقه أحيانا برغم النقاء مع نسيم الوطن فنواصل مد الخط على استقامته ، لتبقى المسافات متباعدة بين ما عشناه فى زمن العزوة والجسارة حتى فى احلك المراحل وسيادة الفوضى ، لكننا كنا نملك القدرة على تدبير مطالبنا فى بيوتنا وتسهيل المسالك لمعايشنا ، ومهما قلنا لكم فالمؤكد أن الخيال الجمعى اوعى وأخصب ، وأن البوح المفتوح ببعض الهواجس والأمنيات المشروعة مطلب مشروع وليس منحة من احد ، وليتنا بعد التجارب الأخيرة نتأكد أن قشرة البيض الفاصلة بين الماضى بسخافاته والمستقبل المأمول والمشروع قد إنزاحت بيد شبابنا صبية وبناتا ، كبارا وشبابا ، رجالا ونسوة بلا سلاح ولا زعيم تهتف بأسمه وبلا تمويل لمن كانوا ينامون فى العراء على مرأى ومسمع من كل شعوب العالم ، وأنتم ادرى منى بمن كانوا يتلقون دعما وينفقون ببذخ مكشوف وبلا حياء من مصادر معلومة او مجهولة ، فهل هذه هى مصرنا يا سادة التى عشت فيها فى المرحلة الأولى « جالسا القرفصاء « أكتب سطورا تشرح القلب وتفتح أبوابا لمن يأتى بعدنا ليضيف ويبنى ، فأنتم تعرفون عراقة ميراثنا الحضارى الذى قدرتموه ووضعتوه منتصبا بأكبر ميادين عواصمكم ، مسلات عليها حفريات لم تزل صامدة لم ينل منها الدهر منصوبة أمامكم لتطل عليكم كمسلات منقولة فى ازمنة لا نملك أن نؤكدها وظروف تباينت بين تاجر آثار باع البرديات والقطع الصغيرة ومن دبر نقل هذه الكتل الضخمة ، وهو بحساباتى تواصل موصول وأعتراف بخصوبة فترة عاشها شعب الفراعين وأعطى ما لم تتمكن آلاف السنوات من إزاحته او إنكاره ، لكن الواقع يحتاج من كل شعوب العالم أن يقف ساعة يختارها ليعلن تضامنه مع الشعب الذى بقى فى ارض الكنانة وديعا ساكنا متحاملا على نفسه ولو فاض به الكيل خرج معترضا ليواجه من ظلموه واستهانوا بتاريخه ووعى ناسه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق