رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عربه تجمع المتروكات

محمد رفاعى
ـ 1 ما الذى يمكن أن يشتريه فى هذه الصحراء الخاوية ؟. صوت وحيد صادفنى،فى هذه المدينة الصحراوية البعيدة ،عند ظهيرة هذا اليوم الحار،صاحبه يجأر،ممتطياً عربة خشبية متهالكة ،لا يشك أحد إنه شكلها بنفسه،على هيئة صندوق مفتوح ،أو صنعها نجار لا يحب المهنة.

يجر العربة حمار ضامر تعذبه لسعة الكرباج،كلما هدأت حركته أو تلكأ فى صعود مطلع.

المبانى هنا توائم متلاصقة ،لا تميز إحدها عن الآخر . أنا هنا وحيد وضال،لا أعرف كيف أصل إلى البناية التى تحوى وحدتى السكنية،لم أجد أمامى مفر،غير مواصلة الركض والبحث عن ضالتى،لم أستطع العثور على الحارس الذى قادنى فى المرة السابقة إلى المكان الذى أبغيه،وزاد الأمر غرابة ، فلم أجد دليلا على وجود الكشك الذى يقيم فيه الحارس،ولا الشجرة المغروسة أمامه،وكان يجلس تحت ظلها طوال النهار ،يراقب المكان ويحرس الصمت.

فى الظهيرة،لم يواجهنى غير براميل»القار» فارغة وصدئة ،منزوعة الغطاء والقاع ،تعبث بها الرياح وتدحرجها إلى الطريق،وتبعثرها فى إتجاهات شتى.

ما الذى أتى بى إلى هذا المكان المهجور،هاجس غريب جّاس فى نفسى ،بدأ يراود النفس التى لم تعرف الخوف من قبل ،وجدت هنا محاصرة بالصمت والقلق والرهبة.

قلت:أبدأ من جديد ،علنّى أصل إلى خيط يقودنى إلى هدفى،أتجهت صوب البنايات،كلها متشابهة،سرت فى الشارع الرئيسى ،كان واسعاً ومجدباً وخالِيا من الأشجار والخضرة ،ممتدا ،يشق المدينة إلى نصفين،لم أجد أمامى غير مواصلة الركض والتدقيق فى واجهة المبانى،علنّى أتذكر المبنى الذى دخلته من قبل،ولم أتذوق عبقه،أو أستطعم ريحه،فأحسست بكآبة الجدران الأربع تطوق روحى.

عرق غزير لزج ينهمر من جسمى،بلّل ملابسى . بوادر أزمة أنتابتنى،هى مزيج من الضيق والحسرة والألم وضياع العمرعبثا، بدأ صدرى يختنق،نفدت المناديل الورقية التى أقاوم بها هذا اللزج الذى يلسع جلدى،عطش غريب بدأ يلتهمنى،جف حلقى، تسلخت مناطق حساسة من جسمى،إلتهبت أعصابى.أصبحت غير قادر على المضى خطوة إلى الأمام.

فى اللحظة التى تسلمت وحدتى السكنية،فتشت داخلى عن أى إحساس جديد،غريب،أو نادر ،حزن أو فرح ،أمل أو يأس،لم أجد. لا أذكر إننى دخلت الشقة لأول مرة بقدمى اليمنى أو اليسرى ؟هل كنت متوضأ؟ أم غير ذلك ؟.

ما أذكره حقاً ومازال عالقاً فى ذاكرتى،أننى فتحت الأبواب والنوافذ الموصدة أكثر من مرة،تأكدت من متانة الخشب ،وفحصت أرضيات الحمام والمطبخ ،مالا أنساه فى تلك اللحظة النادرة من حياتى، أن مزيجا من الحزن والكآبة داهمانى ،فى تلك اللحظة التاريخية،خرجت من الشقة،تركت الحارس يُغلق الباب ،فى هذا اليوم المدون على أوراقى المتناثرة ،لم أكمل إجراءات الأستلام.





هل هى تلك الشقة التى تواجهنى ،المُطلة على الصحراء وتواجه الشمس ويغمرها السكون الأبدى ويلفها الغموض والرهبة.

أفضى بى الطريق إلى صحراء لا حد لها . رددّت فى صمت :هذه المدينة مفتوحة على صمت التوجس.

خلعت نعلى ،لفحنى شعور مفعم بالعجز وقلة الحيلة.

تاهت معالم الأشياء من ذاكرتى ،جلس العجوز الذى نما داخلى ،مكتئباً إنقطعت به السبّل،قبع على هامش الطريق،لا يقوى على مد يده المرتعشة للمارة ،لا يزال بداخله شيئ من عزة النفس وكبرياء الروح،يأكله الجوع والحاجة.لا عابر سبيل ينقذه،أو ضال يدق بأقدامه على هذه القاحلة ،فيبث إليه قليلا من السكينة وراحة البال . بالقرب منى حط عصفور على الأرض ،مكسور الجناح ضل عن عشّه،وفقد القدرة على الطيران.



ـ 3ـ

صوت الرجل يئن فى أذنى، وعربته الخشبية المتهالكة تركض أمامى،ومن خلفى وعن يمينى وعن شمالى. فى تلك اللحظة فكرت جدياً أن أركض خلفه محاولاً اللحاق به ،عازما سؤاله ،لا عن مكان بيتى ،وإنما عن الموضع الذى يحط عليه قدمى،غير أننى لم أره أمامى ،لم أستطع العثورعليه ،ولكن صوته الحاد المتكرر يملأ المكان حولى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق