رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

صناعة التطرف .. وآليات المواجهة ( 5 )
العشوائيات.. تربة خصبة لتجنيد الإرهابيين

> تحقيق ــ خالد أحمد المطعنى
تعد المناطق العشوائية مرتعا خصبا لاحتضان جميع الأفكار المنحرفة، وعلى رأسها الفكر التكفيرى، نظرا لانعدام العوامل المساعدة على مقاومة هذا الفكر لدى بعض قاطنى العشوائيات، فلا مسكن ملائم ولا اهتمام صحى أو تعليمى، أو مصدر رزق مستقر يأتى بطرق مشروعة، وينفق فى مكانه الصحيح، ولكن جهل وأمية دينية وعلمية وعقول مغيبة، مما يمهد الطريق سهلا ميسورا أمام الجماعات والتنظيمات الإرهابية المتطرفة، لاستقطاب البعض فى هذه المناطق، لتنفيذ عمليات قتل وتخريب ضد الدولة ومؤسساتها.



السؤال الذى يفرض نفسه هل هناك خطوات عملية وجهود دعوية تبذل على أرض الواقع من قبل المؤسسات الدينية، لمواجهة الفكر المتطرف فى المناطق العشوائية، باعتبار أن العشوائيات بمنزلة «الحلقة المفقودة» فى مواجهة الفكر المنحرف؟ وهل تكفى الجهود الحالية أم أننا نتحاور مع أنفسنا ولا يصل الصوت المستنير إلى هؤلاء المغيبين فى العشوائيات، وكيف يمكن مد يد العون من قبل المسئولين لانتشال هؤلاء من براثن الجهل والفقر المدقع؟

أولويات معكوسة

يقول الدكتور نبيل السمالوطى، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر: إنه نظرا للظروف المعيشية الصعبة التى يعانيها قاطنو العشوائيات، فإن سلم أولوياتهم يغاير الذين يعيشون فى المناطق الأكثر استقرارا والأعلى ثقافة، حيث يأتى على رأس قائمة أولويات المواطن فى العشوائيات، البحث عن كيفية الحصول على لقمة العيش ومكان يسكن فيه، أيا كان وضعه، مما يجعل البعض منهم يدفع بأطفاله للعمل فى أى مهنة يحصل من خلالها على الأموال، دون التفرقة بين العمل الشريف وغيره، وهنا مكمن الخطورة، حيث إن ذلك الأمر يدفع بهؤلاء الشباب إلى الوقوع السهل ضحايا للمنظمات والجماعات الإرهابية التى تتبنى الأفكار المتطرفة، فينفذون عمليات التفجير والقتل وترويع الآمنين، فمن يدفع أموالا أكثر يتم تنفيذ طلبه، دون النظر إلى العواقب الوخيمة جراء الإقدام على فعل هذه الأمور، وتأثيرها السلبى على المجتمع المحلى والدولى. وأشار إلى أن الاهتمام بالتعليم والتنوير والتثقيف الدينى، يأتى فى ذيل قائمة بعض ساكنى العشوائيات، خاصة أن الزوايا المنتشرة بها، يقوم على أمرها أناس ليس لديهم أي فكرة عن توجيه خطاب دعوى معتدل، وليس أدل على ذلك، من وقوع بعض الجرائم الأخلاقية والانحرافات الأسرية، نتيجة الممارسات والثقافات الخاطئة التى يتشربها أفراد الأسرة، حيث الازدحام فى السكن الواحد لعدة أسر واستخدام «دورات مياه مشتركة»، وغيرها من السلوكيات التى تنتج عنها تلك الجرائم، موضحا أن تجارة وتعاطى المخدرات المنتشر بشدة بين بعض أفراد تلك الشريحة من المجتمع، يغيب العقول والفكر، مما يفقدهم التمييز للأعمال الإجرامية التى يقبلون على فعلها، لذا فإنه حسنا ما تفعله الدولة حاليا من نقل ساكنى العشوائيات الى أماكن أفضل استقرارا وبيئة صالحة صحيا وتثقيفيا وتعليميا ومصادر رزق مأمونة العواقب.

تهيئة العقول

وفى سياق متصل، يؤكد الدكتور مختار مرزوق عبد الرحيم عميد كلية أصول الدين بأسيوط السابق، أن مواجهة الفكر المتطرف فى العشوائيات والمناطق المهمشة، ينبغى ألا تقتصر على الجهود الدعوية المبذولة من قبل المؤسسات الدينية، بل لابد أن يمتد ليشمل معالجة الأسباب والعوامل التى تساعد على انتشار هذا الوباء الفكرى فى تلك المناطق، مشيرا إلى أن قاطنى العشوائيات يحتاجون إلى مد يد العون من قبل المسئولين فى الدولة، لتوفير حياة كريمة لهم، من خلال القضاء على البطالة وتوفير فرص عمل لائقة لشباب هذه المناطق، بدلا من تركهم فريسة للجماعات أصحاب الفكر المنحرف، ولا بد أيضا من توفير بيئة اجتماعية وخدمات صحية، لتهيئة العقول لاستقبال الدعوة والفكر الوسطى الصحيح، والبعد عن الأفكار الهدامة والمنحرفة.

ويوضح الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، أن معظم من يجندون لجماعات وفصائل الغلو والتطرف والإرهاب، أفراد يعيشون فى مستويات متدنية سواء من الناحية المعيشية او التعليمية، وأخطرها بالطبع المعيشية، وأشار إلى أن خريطة التوغل والتغلغل للفكر التكفيرى والمتطرف والمنحرف بكل صوره وأشكاله، فى مصر تكمن فى المناطق العشوائية والفقيرة بمختلف المحافظات شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، حيث تتمركز خلايا تلك الأفكار الضالة، أضف إلى ذلك استغلال الأسر الفقيرة والمعدمة والعاطلين من شباب تلك المناطق، فى أعمال تخدم مخططات التكفير والتفجير، مؤكدا أن المناطق الفقيرة والبيئات المعدمة، تعد أرضا خصبة تماما لنشر الأفكار المتشددة والمتطرفة. وأكد أن العلاج الناجع يكمن فى تحقيق العدالة الاجتماعية، وإحساس المهمشين والفقراء والفئات التى تعيش تحت خط الفقر، بأن لهم حقوقا فى هذا المجتمع، تكفل لهم العيش الكريم، وحياة آدمية، تحقق لهم الأمن والأمان من غير تهديد ولا خوف، مما يوجد لديهم حصانة تحميهم من الحاجة والاستغلال والارتماء فى أحضان الجماعات التكفيرية والإرهابية، مشددا على ضرورة وجود حوارات فكرية جادة، بغير استعلاء، حيث اكتفى الجميع- حاليا- بالقبضة الأمنية فقط، وهى عقابية وليست علاجية، من هنا تتمدد هذه الخلايا التكفيرية إلى ان تتوحش وهو ما آلت اليه الأمور، ونحن ما زلنا نحدث أنفسنا فقط فى الإعلام ولا تصل أصواتنا إلى هؤلاء المهمشين.

جهود دعوية

وعن جهود الأزهر فى مواجهة الفكر المتطرف، فى المناطق العشوائية، يقول الدكتور سعيد عامر الأمين العام المساعد للدعوة ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر: قامت الأمانة العامة المساعدة بمجمع البحوث الإسلامية، بوضع خطة دعوية بالتنسيق مع وكلاء الوزارة بالتربية والتعليم، ووزارة الشباب والرياضة لإلقاء خاطرة دينية فى طابور الصباح بمدارس التربية والتعليم والمعاهد الأزهرية على مستوى الجمهورية، لتوعية الطلاب وحثهم على حب الوطن ونبذ العنف ومحاربة التطرف والإرهاب، وكذلك إلقاء محاضرات بالمدارس والمعاهد فى أثناء اليوم الدراسى لتوعية الطلاب بأمور الدين والتمسك بالأخلاق الطيبة وتعاليم الرسالات السماوية السمحة، والرد والإجابة عن أسئلة واستفسارات المعلمين والتلاميذ، وكذلك التنسيق مع وكلاء الشباب بالمحافظات لإقامة أمسيات ثقافية بمراكز الشباب خاصة فى المناطق العشوائية، وسيكون التركيز أكثر فى إجازة منتصف العام، لتوعية الشباب بالمخاطر التى تتهدد هذا الوطن وحثهم على العمل، وكذلك التنسيق مع قصور الثقافة فى بعض المحافظات لتفعيل مبادرة «المقهى الثقافى»، للوصول للشباب وفئات المجتمع لتوعيتهم بأمور الدين وترسيخ قيمة الانتماء للوطن فى أذهان الشباب، وذلك لتحقيق وتنفيذ البروتوكولات التي تم توقيعها، مع الوزراء المعنيين فى هذا الشأن.

مواجهات فكرية

وفى سياق متصل يقول الشيخ عبد العزيز النجار مدير عام الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، إنه توجد قوافل كثيرة تجوب جميع المناطق العشوائية، فى القاهرة الكبرى والمدن الحدودية والقرى المهمشة، لعمل مواجهات فكرية فى هذه الأماكن نظرا لخطورة انتشار الفكر المتطرف التكفيرى بها بسبب المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التى يعانيها سكان هذه المناطق، ويجعلها بيئة خصبة لاحتضان فكر المتشددين والتكفيريين، ومن هنا يتحمل الأزهر المسئولية الكبرى لمواجهة وملاحقة هذا الفكر فى الأماكن الأكثر انتشارا، لأكثر من عامين، وهو مستمر في هذه الرسالة، موضحا أن هناك استجابة وتحولا لدى البعض، خاصة المتحيرين والمترددين، عندما يستمع إلى الفكر الوسطى المعتدل عن طريق رجال الأزهر، سرعان ما يتخلى عن الأفكار والمذاهب الفكرية المتطرفة التى يحاول أصحابها النيل من عقول شبابنا، ونحن لهم بالمرصاد حتى نخلص الدنيا كلها من شر الأشرار الذين يتربصون بأبنائنا، حتى نتمكن من القضاء على جذور الإرهاب من منبعها. وأشار إلى أن هذه القوافل وتلك المواجهات ستستمر حتى بعد القضاء على الفكر المتشدد بالعشوائيات، حتى لا نعطى فرصة لهذا الفكر المنحرف، للتسلل مرة أخرى فى هذه الأماكن.

قوافل دعوية

وحول دور وزارة الأوقاف فى مواجهة الأفكار المتطرفة بالمناطق العشوائية، يؤكد الشيخ جابر طايع رئيس القطاع الدينى بوزارة الأوقاف، أنه يتم تنظيم قوافل دعوية يومى الاثنين والأربعاء من كل أسبوع على مدى الشهر، فى تلك المناطق وغيرها على مستوى الجمهورية، تضم أئمة متميزين من حملة الماجستير والدكتوراة، ولديهم القدرة على التحاور الفكرى ومخاطبة الفئات المختلفة من قاطنى المناطق المهمشة، وذلك بالتنسيق مع مديريات الأوقاف بالمحافظات، مشيرا إلى أن الوزارة مستمرة فى تلك القوافل حتى يتم محو الأمية الدينية في تلك المناطق، وتصحيح المفاهيم الخاطئة لدى البعض، والقضاء على الأفكار المتطرفة والمنحرفة، موضحا أن القوافل تشمل ندوات ولقاءات فكرية للإجابة عن تساؤلات واستفسارات الناس، وإجلاء ما التبس لديهم من أفكار مشوشة، وبيان وسطية الدين الإسلامي الحنيف. وعن جهود دار الإفتاء في هذا الأمر، يوضح الدكتور إبراهيم نجم مستشار مفتى الجمهورية، أنه استكمالا لجهود دار الإفتاء في التواصل مع الشباب بعد تجربتها الناجحة في عقد مجالسها الإفتائية بمختلف مراكز الشباب على مستوى الجمهورية، ستقوم الدار في العام الجديد بتعزيز هذه الجهود عبر إطلاق قوافل إفتائية دورية داخل الجامعات المصرية برئاسة المفتي، للإجابة عن تساؤلات الشباب والتواصل معهم، كما دشنت الدار حملات لنشر الوعي الصحيح من خلال تحرك كبار علماء الدار إلى مختلف المناطق والمحافظات التي تعاني انتشار تلك الأفكار التخريبية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق