رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

هروب متكرر

محمد قطب
** كانت الأضواء تتوالي وأغصان الشجر كأنها مُدَى تلمع. هبتْ نسمة جريئة فكشفت وجه القمر، وجعلت ضفة النيل تحنو على الماء. لمحت أشرعة بيضاء تميل على يخوت وقوارب.

اتكأت على سور الشاطئ ورنت إلى حركة الموج فى رتابتها، وكسا ملامح وجهها تعبير صريح بالرغبة فى نزهة ليلية، تمنت لو اصطحبت زوجها وتهادت معه فوق قارب يمخر بهما ماء النيل.

.. ماذا تفعل معه؟ ومع تذرعه الدائم بضيق الوقت، والسفر الذى يجعله غائبا معظم الوقت؟ متى تشعر بالأنس والألفة؟. وتساءلت والضوء يرتعش فوق الماء.. هل لابد أن نحب لنأتنس؟

.. مدت يدها إلى حقيبتها، أخرجت نقودها وعلقت حقيبتها على كتفها ونزلت الدرج، دفعت قيمة التذكرة واتجهت إلى مقعد متطرف فى القارب الذى تنبعث منه موسيقى صاخبة.

ماذا ستفعل وسط ثنائيات الهوى والهمس ولمسات العيون اللامعة؟ والتوي قلبها.

ها هى تراهم والحب يفيض عليهم بهجة وسروراً، وستعجز عن منع عينيها من الدمع وهو يتقاطر على خدها، ويأخذ معه طلاءها ويلوي قلبها.

وغامت ملامحها بحزن يقبض على الروح

.. حين خطفت عيناه وجهها أدرك أو وراء وجهها الجميل حزنا دفينا، لمحه حين التقيا على الشاطئ مع صديقتهما.

.. تعلقت عينها بالماء والقارب يشطره فى تيه وعجْب. فجأة وصل إلىّ سمعها همس خافت فأدارت رأسها.

وجدته أمامها وشملتها حيرة وتساءلت مندهشة:

هل كان يتعقبها؟

عاد إلى وجهها نوع من الإشراق فتألقت.. تذكرته..

لا تنكر أنها افتتنت به حين التقت به فى المصيف، لا تنسي رقته، وحديثه الحميم، ونظرته الدافئة..

تدرك أن حديث الرجال مع النساء يميل إلى الرقة والدفء حين يلجأون إلى المناورة.. وهى تفتقدها.. تفتقد الرقة الشرعية.. وكتمت ضحكتها.

.. راحت تستعيد ما حدث على الشاطئ، وفى لجة الموج، وأخذها الحنين إلى صديقتها التى قدمت لها بهجة مختلسة.. ومن يدرى.. لعل حنينها يرتوي!!

ابتسم وهو يدنو منها وقال فى نبرة مشجعة.

ـــــــ لا تفوتك الرقصة الشعبية

كان النسيم يتلاعب بشعرها، والصخب يشيع فى أرجاء القارب وهى تخطو خطوتها فى اتجاه الدائرة التى تحيط بمن يؤدون رقصتهم.

بدا مسرورا بمصاحبتها، تحدث بحماسة، وكان صوته الرخيم يثير هاجسها.. هل ترخي لنفسها حبل الوداد؟!

وهى تلاحق حركات الراقصين، تعجبت من موافقتها على دعوته، وكأن شيئا فى داخلها دفعها إلى أن تلبي هذا الحلم الذى داعبها..

حلم أن تصنع علاقة جديدة بعالمها

ـــــــ خشيت ألا تتذكريني

تساءلتْ وهو يمد يده، ويشجعها على الحركة

ـــــــ أين قريبتك؟

ـــــــ تقصدين صديقتك

أومأت، وسكتت

ـــــــ مشغولة بأولادها

أرجف القلبَ حنين للولد.. مشغولون بهم.. وأنا مشغولة بنفسي

ورحمي هامدة لا تنتفض!..

.. انسلت من حلبة الرقص وعادت إلى مقعدها، الغناء الشعبي والموسيقى المصاحبة بآلاتها الصاخبة طغى على همس الماء وهمسات العيون الرانية.

اغترفت عيناها الماء، والضفاف، والبنايات، ونوادى الشاطئ، والجسور، والجزر.. وثنائيات الفرح والألم.

وشعرت بوجع فى القلب.. لم تتحمل وحدتها وسط هذا الحشد ولا اعتذارها للرجل.. فقبضت على حقيبتها ومضت.

***

.. كانت الأضواء تنساب فى خفوت وهى تسير على الكورنيش فى طريقها إلى البيت.. شعرت بدفء المقاعد وحرارة الجالسين وتذكرتْه.. هذا الذى خطف قلبها ونأي.

.. استمعا إلى همس النيل وتهامسا، مد يده ومسك كفها وتجاهلا بائعة الورد، وتابعاً أنواراً مرتعشة من قوارب منفلتة..

كانا وقتها فى السنة الرابعة بالجامعة.. يحن إلى الإسكندرية فيأخذها إلى النيل.. وإلى الحديقة القريبة.. التى شهدت انزواءات تثير الحس.

.. كان قلبي يعزف وقلبه يرقص

شهد على حبهما الورد والفل وأوراق الشجر.. وأروقة الجامعة

.. انتبها إلى ماء النيل يرسل صوته

تنهدت وهى تنظر إليه كأنها تستجدى

لملمت يده شعرها المتناثر.

ـــــــ لا تحملي همّاً

سافرت عيناها مع النور الساقط على سطح الماء

ــــــ ومنْ يحمله؟

ـــــــ أنا.. صدرى يتسع

.. همُّها ثقيل.. جاهدْت مع أسرتها حتى تعلمت.. فهل يصالحها الزمن؟

شربا البارد، والساخن، وأكلا الفول، والبطاطا.. واشتريا ورداً.

وضع وردة بيضاء فى عروتها، فاحت رائحة الوردة فاستترا بعطرها

ـــــــ كأننا فى كوشة الفرح

همس متوددا وباسما

ـــــــ قولي كوشة النيل.. الكورنيش

احتدت نظرتها

ـــــــ أتكون ليلتي على قارعة الطريق؟

تلفت فرأى الفنادق على الشاطئ تضوى فصاح مبتهجا

ــــــ مثلك تزف فى فندق عريق كشبرد

استدارت وقالت فى صوت متهدج

ــــــ هيلتون يليق بي.

اقترب منها يبتسم

ـــــــ شبرد يناسب حالتنا

وضحكا.. ظلا يضحكان.. حتى سرت العدوي فضحك الجالسون على المقاعد.. ورددوا شبرد يناسب حالتنا.

***

.. لكنه نأي.. تركها وهاجر

وغمرتها مشاعر امرأة ثلاثينية مهجورة. وظلت ليلها أرقةً مسهدة..

وغلبتها مشاعر صافية، مستدعاة من الحب القديم.. وراحت عبر ظلالها.. وفيئها.. تتلمس نوماً عصيا.

* * *

.. إلى أين ستهرب اليوم؟

أى مكان تذهب إليه سيكون أجمل من القبرْ الذى تُسجن فيه.. ستبتعد عنه لحظات.. هذا الذى كسر روحها وأمضّها. لا هو موجود، فأأتنس به، ولا طفل لي أنشغل به.. أعانقه.. وألاعبه.

ربما يملأ الفراغ ويسده!

لكن الرحم خاصمني، وهجره ماؤه المختزن.

.. أغراها النسيم البارد فراحت تتلكأ أمام المحلات..

شعورها بالوحدة يحجب متعتها.. أين الفرحة وهى تدخل وتخرج؟ تري المعروض، تسأل، تساوم، تتأكد من مقاس البلوزة، والحذاء.. والملبس الداخلي.

الحزن والوحدة جزاءً تدفعه من حياتها معه.. أيستحق؟

إلى متى تهدر شبابها، وتضحى بجمالها؟ أتضمن أن يظل الجسد متماسكا وهو يواجه الزمن؟

.. لقد مللتُ إغلاق الأبواب، وإسدال الستار، وسرقة النوم من سطوة الأرق.

الحياة جميلة لمن يري.. عليك أن تغتنمي صحْوكِ قبل أن يداهمكِ الغياب!

هل أقدر على أن أقول كفى؟.. هل أقوى على البحث عن طريق آخر أكون فيه حرة من كل قيد؟.

هل يمكن أن أبدأ من جديد؟

«هل» ؟

.. ارتطمتْ برصيف عال، كادت تسقط، اعتدلت، سوّتْ هندامها، وأخذت نفسا عميقا.. كعادتها حين تكون فى مأزق.. وجدت نفسها فى ميدان الساعة.. رأت المجسّم فخما.. وجماله يلمع.. عداها الجمال فخف القلق، وسرى فيها إحساس البهجة الذى تواري، وشعرت بدفء الدماء فى الأوردة.

.. شدتها خيوط الماء فى اندفاعها من النافورة إلى الحوض الدائري الذى علاه الزبد وفقاعات عائمة.. شغلها الزبد الطافى والمرتج وانعكاسات الضوء، وشجيرات من النخيل تحيط بأطراف الدائرة.. وزهرات صفراء، وبيضاء ترتجف من زخات الماء، وفروع بازغة تلامس وجه النجيل الأخضر.

.. استقام جذعها وتنفست بعمق، طالها الرذاذ فارتعش وجهها، مسحته بمنديل ورقي.. ورمقت عصفورين يزقزقان، يدسّان المنقار فى الحوض، يتلقيان رذاذ الماء، ويرفرفان بالأجنحة، ينفضان الماء وينطلقان.

.. أخذت طريقها إلى أحد فنادق الجيش الشهيرة..

تذكرت أن اليوم هو السبت، موعد اجتماع جماعة المسنين، وأنها يوما ما.. كانت تتردد عليهم وتحضر معهم جلساتهم لكنها لم تستمر.. خشيت أن تصيبها عدوى الشيخوخة.. كفاها وحشة الوحدة وهجرة الحليل.

.. ولجت الباب..

جابهها جمال يأخذ العين ونسق فني جميل.. فى الحدائق، وأماكن الرواد.. وملاهى الأطفال، وحمامات السباحة.. أحست بالنشوة وهى تسير عبر ممرات الحديقة حتى وصلت إلى حوض السباحة الصغير القريب من جماعة المسنين.

اختارت منضدة تحت شجرة تنسدل غصونها فى نسق جميل ومهنْدم.

.. كان الظل يغطى مساحة من المنضدة، فى حين تتسلل أشعة الشمس وتفرش ضوءا على المكان.. أدارت رأسها، رأت الرواد يتحدثون فى الهواتف، يقرأون الصحف، أو يلعبون الطاولة.. وعدد من أعضاء الجمعية يتحلقون منضدتين، يأكلون ويشربون، يتحدثون، ويفيضون ببهجة تلوح على الوجوه.

.. طلبت من العامل فنجان قهوة، وزجاجة مياه صغيرة.. لا تتوقع أن تقابل أحداً تعرفه، فتحررت فى جلستها.. مدت ساقها.. استندت بقدمها على مقعد آخر، مدت يدها وأخرجت من حقيبتها (راديو صغير).. وضعت السماعة فى أذنها اليسري.. وأدارته على البرنامج الموسيقى.

لم يشغلها أخبار العنف الذى يسود البلاد ولا المظاهرات أو الفوضي السائدة ولا النظام الذى تردى فى مهمته، كفاها ما تعانيه، ولتبعد عن نفسها تلك الغيمة المعتمة التى أظلمت البلاد.

.. مدت يدها فى الفراغ وأدارت رأسها تجاه جماعة المسنين، اعتدلت ثم نهضت وتحركت نحو حمام السباحة ثم عادت.. جلست فى مقعدها واستندت بكوعها على حافة المنضدة.. مدت يدها، وأمسكت بفنجان القهوة.. ارتشفت قهوتها فى تلذذ.

.. تملكتها دهشة مباغتة حين رأته يصعد درجات السلم فى اتجاه حمام السباحة، كاد قلبها يقع فى جوفها، وتمتمت فى وجل مندهش: حتى هنا؟

فاجأها حين استدار بغتة واقترب منها..

ــــــــ هكذا.. أراكِ بالصدفة

ضحكت، ورامقته.. لاحظت ارتباكه.. فدعتْه للجلوس وقدمت له مقعداً مجاورا. جلس وهو يتعجب من المصادفات الطيبة.

ــــــــ لم أركِ هنا من قبل.

ــــــــ انقطعت منذ فترة.

ـــــــ ستقضين فيه وقتا بهيجاً.

ــــــــ آتى.. حين أريد أن أخلو بنفسي، أو

حين أشارك جمعية الشباب الدائم اجتماعهم.

علق فى تغريدة منعشة سعدت بها.

ــــــــ الشباب يهفو إلى الشباب.

ــــــــ هى جمعية للمسنين.

أشارت إلى المكان الذى يجلسون فيه وإلى صخبهم الجميل وحديثهم الحميم.

وسألها:

ــــــــ أنتِ عضو فيها ؟!

ــــــــ من عامين فقط.

لم تهتم بأنشطة الجمعية أو الاشتراك فى رحلاتهم، واحتفالاتها. فضلت أن تصاحبهم فى لقاءاتهم.. سمرهم، شجونهم، ذكرياتهم.

.. أتت لهم بقريبات مسنات، يعانين الوحدة، بعد زواج الأبناء، حصلن على العضوية، وداومن على التبرع، والمشاركة فى الأعياد والرحلات، والاحتفالات.. وظلت هى بعيدة، وقريبة معاً..

لا تقيد نفسها بشئ.

.. رمقته فى نظرة موصولة وتساءلتْ.

ــــــــ كأن جنيا يخبرك بمكاني.

ضحكت ساخرة وهى تتملاه

ــــــــ ألك فى السحر؟

ــــــــ ترسلين نورك فنتبعكِ

ــــــــ هل جسمي يشع نوراً؟

ــــــــ كالقمر..

تورد وجهها .. وصمتت

ــــــــ ينبئنى بالمكان فأهرع إليكِ

ــــــــ من؟.

ــــــــ القمر

.. غلبها الانفعال، تلونت ملامح الوجه بوجوم طارئ، فهى لا تقوى على سماع الغزل، ولا تحب أن تتمادي، فتنسي من هى؟ هو لا يخرج عن المألوف.. وهى لا تسْمح أن يظن بها ضعفا.. وإن أجاد صبَّ الكلام فى الأذن.. كلام تعودته، ثم حرمت منه.. لكنه لا يحرك القلب إلا قليلا.. يظل علقا فلا ينفذ من المسام.

يكتفي بالكلام، يستغل الصدفة، فقط يبرع فى رسم صورة جميلة تضفي على اللقاء بهجة.

ــــــــ المكان جميل يُسعد من يرتاده

ــــــــ ويسْعد بكِ

.. وضع عود النعناع فى كوب الشاي الدافئ، وملعقتين صغيرتين من السكر، حرك الملعقة فى قاع الكوب، أذاب السكر، ودفع بعود النعناع إلى القاع.. وظل يحرك ويحدث صوتاً..

بادرته قائلة وصوت الملعقة يرن.

ــــــــ كفي

خرج الصوت حاداً، فخجلت، تخضب وجهها بالدفء، وضعت رأسها بين كفيها ورمقته، وكان يتأملها فى حنوّ.

ــــــــ قمر بين وردتين.

.. اتكأت بذراعها على طرف المنضدة، ورمت ببصرها نحو أعضاء الجمعية، هل لاحظوها؟ تحب ألا تغير عادتها.. تعودت العضوات أن يرونها بمفردها.. سيسألنها.. منْ هو؟ زوج، قريب، وسيبتسمن فى جرأة.. لعله صديق أو حبيب..

إنه رجل يُغدق عليها المديح كلما رآها..

منْ لا تضعف أمام الإطراء والغزل؟!

.. رجل الصدفة يوقظني من حلم لا أبتغيه معه أو مع غيره، لكنه لا ييأس، منذ المصيف وهو يجاهد.. أن يستكشف السحر فىّ. يكرر أمامي دائما.

ــــــــ لا تهملي زهرة الأنوثة فتجف

يتحدث عن زهرة الأنوثة الوردية التى حين نشمها نلمح فى غيمة عطرها صورة كالخيال تشع بالنور.

يتأملها فى لهفة موصولة.

ــــــــ هل رششت العطر عليها

ــــــــ على ماذا؟

ــــــــ زهرتك

ــــــــ معطرة بالفطرة

وضحكا.. معاً

.. خشيت أن يحدث المحظور ويتجرأ.. حين قال لها:

ــــــــ يصطادني قمرك.. فأركض إليك.

قد ينسي حذره الذى تعودته.. رأت فى عينيه المحدقتين وهجاً يكاد يسيل.. تجنبت نظرته.. وقالت فى حسم لا يجرح!

ــــــــ لا تنظر إلىّ هكذا.. ولا تقترب.

ظلت عينها تراوحه وصوته يتهدج.

ــــــــ امرأة من نور لاهب.. زهرة ونار

غضت البصر وأطرقت، ثم نهضت فارعة

ــــــــ سآخذ زهرتي وأترك لك النار

.. فتح كفيه كأنما يتقي النار، فجابهته رائحة العطر، فرد أصابعه.. أراد أن يستلب عطرها، فأبت..

حملت حقيبتها ومضت.

ظل يتابعها وهى تخطو فى اتجاه جماعة الشباب الدائم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق