رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ناصر عراق : قراءة جديدة فى كتاب شخصية مصر

فى ظنى أن كتاب (شخصية مصر... دراسة فى عبقرية المكان) بأجزائه الأربعة للراحل المتفرد الدكتور جمال حمدان (1928/ 1993) يعد واحدًا من أهم الكتب التى ينبغى على كل من يشغله واقع مصر ومستقبلها أن يطالعه مرة ومرات، فعلى كل سياسى أو مفكر أو باحث اجتماعى أو كاتب أو فنان أن يعيد قراءة هذا الكتاب المذهل بتمعن وتأن.. لماذا؟..

لأنه يتضمن حجمًا من المعلومات الموثقة عن مصر منذ فجر التاريخ حتى مطلع ثمانينيات القرن الماضى ندر أن تجدها فى كتاب آخر، خاصة أن هذه المعلومات وضعت فى سياق تحليل سياسي/ اجتماعى صائب وذكي، بهدف الكشف عن سر العبقرية المصرية الراسخة والممتدة من قرن إلى آخر، رغم تعرض البلاد للعديد من المصائب والمحن من أول الأوبئة وبطش الحكام، حتى نهب الثروات والغزو الخارجى.

فى البداية أصدر جمال حمدان عام 1967 كتابًا صغيرًا يحوى فيه أفكاره العامة عن مصر وشخصيتها المتميزة، لكنه عكف على تطوير هذه الأفكار، فانكب على جمع المزيد من المعلومات انكبابًا متصلا، مستهديًا بمنهج علمى رصين لتحليل هذه المعلومات، حتى تضخم الكتاب الصغير وصار موسوعة شاملة مكونة من أربعة أجزاء (أكثر من 2500 صفحة) أصدرتها دار الهلال فى عام 1984 على ما أذكر، لأن صاحبها انتهى منها فى 1983.

اللافت أنك إذا أردت أن تعتبر (شخصية مصر) كتابًا فى التاريخ استجاب لك، وإذا أردته كتابًا فى الجغرافيا استجاب لك، وإذا تعاملت معه بوصفه كتابًا فى السياسة استجاب لك أيضا، أما إذا قرأته على أساس أنه كتاب فى علم نفس الجموع والحشود فلن يخذلك وسيوافيك بما تريد. كذلك إذا أردت أن تعده كتابًا فى تطور السكان وتناسل البشر والعوامل التى تؤدى إلى زيادتهم أو نقصانهم استجاب لك فى الحال. خذ عندك هذه المعلومات عن تطور سكان مصر كما ذكرها حمدان: فى عام 1821 بلغ عدد السكان أكثر قليلا من مليونين ونصف المليون، وفى سنة 1882، لحظة الاحتلال الإنجليزى وصل عددنا إلى 6 ملايين و700 ألف نسمة، وفى 1927 ارتفع العدد إلى 14 مليونا، أما فى سنة 1947 فقد تجاوز عدد السكان 19 مليون إنسان. وعندما هلت سنة 1966 قفز الرقم إلى 30 مليون نسمة. وفى 1983 أكملنا 46 مليون فرد! لقد تولى جمال حمدان تحليل هذه المعدلات المرتفعة فى الزيادة السكانية، موضحًا الزيادات فى الذكور والإناث، من جهة، والمحافظات الأكثر تناسلا من جهة أخري، الأمر الذى يكشف لصانع القرار السياسى آليات عمل النمو السكانى الذى يعتبره بعض المسئولين أحد أكبر المشكلات التى تواجهها مصر المحروسة.

أرجو ألا تظن أن (شخصية مصر) موسوعة جافة تحتشد بأرقام وبيانات تنفر القارئ العام من الاطلاع عليها، فهذا ظن خاطئ، فالرجل يمتلك ناصية اللغة العربية، ويعرف جيدًا كيف يصوغ أفكاره بلغة رشيقة جذابة لا عتمة فيها ولا اضطراب. وسأستعير لك نموذجا بسيطا من الجزء الرابع لتتأكد مما أقول، حيث كتب تحت عنوان (كثافة السكان) ما يلي: (لا تكاد فكرة «مصر» تنفصل عن فكرة «السكان»، بل توشك أن تكون سكانا قبل أن تكون أرضا، فقلما ترد فكرة مصر على الذهن إلا وتقفز إليه صورة الملايين الضاغطة المتكاثرة والكثافة الثرية الساحقة، مثلما تقفز إلى العين فى اللاندسكيب الطبيعى نفسه صورة العنصر البشرى الحتمى لا يكاد يخلو منه ركن مهما نأي. أو كما يضعها بحق شارل عيسوى «فى وادى النيل من المستحيل حرفيًا أن تكون خارج نطاق رؤية البشر»). أرأيت مستوى البلاغة الذى كتب به حمدان موسوعته الفذة؟ لاحظ أن الرجل لا يكتفى بدراسة مصر وشخصيتها وتفاعلاتها الداخلية فقط، وإنما يضعها فى سياقها العربى والدولى، ويحسم الجدل الدائر حول مصر، هل هى عربية أو فرعونية؟ فيقول بعبارة مختصرة مدهشة:«مصر فرعونية بالجد، عربية بالأب، وكل من الجد والأب من أصل جد أعلى واحد مشترك». باختصار... شخصية مصر للدكتور جمال حمدان موسوعة باذخة نادرة المثال لا أتوقف عن العودة إليها كلما اشتدت المحن، وانهمرت المشكلات فى بلدنا الحبيب، ولكن: مَنْ من المسئولين لدينا طالع هذه الموسوعة؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق