رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ظل جمعة

سعيد سالم
شديد القصر شديد النحافة. يبدو جسده على شكل قوس حين يسير حاملا الطلبات. أهم ملامحه شاربه ، فهو الشيء الوحيد فى جسده الذى يتسم بالوفرة. فيما عدا ذلك فكل شيء لديه قليل ضئيل حتى صوته. رغم ذلك فهو النادل الوحيد فى المطعم والكافتريا الذى لايحمل صينية الطلبات الا اذا كانت ممتلئة عن آخرها بالأكواب والأطباق والبيتزا وعلب العصير وخلافه.زملاؤه يحملون أشياءهم على مراحل رغم أن أقل واحد منهم فى ضعف وزنه وحجمه. لم يتصادف أن سقطت منه صينية ولو مرة واحدة رغم انها تسقط مرارا من زملائه حين يتعثرون فى حملها لسبب أو لآخر.

هذا هو جمعة مشالى أشهر نادل فى النادى الاجتماعى الشهير. يتأنق فى ملبسه وفى مخاطبته لأعضاء النادى مستخدما ألفاظا لايتداولها سوى أبناء الطبقات الراقية، مراعيا أصول الايتيكيت فى احترام السيدات بصفة خاصة. ينحنى أمامهن وينتقي أدق وأرق الكلمات لمخاطبتهن. جمعه له أكاونت على الفيس بوك حيث تظهر صورته على البروفايل يتصدرها شاربه الكثيف الذى يحتل معظم وجهه ويشغل معظم الصورة. أما النظرة المطلة من عينيه الضيقتين فتوحى بثقة زائدة وإن كانت غير حقيقية. كثيرا ما يحمل الصينية بيد ويتحدث فى الموبايل باليد الأخري، موجها نظراته المتحدية الى الجميع وكأنما يحذرهم بشدة من الاستهانة بشأنه أو الانتقاص من قيمته.

زميلاته فى العمل يتغامزن عليه من خلفه، لكنهن يحترمنه ويخشينه حين يتعاملن معه. يثير صمته الدائم الكثير من الأقاويل عن أسرته الثرية التي يقال انه تمرد عليها وتبرأت منه بعد زيجة فاشلة عارضها الأهل وأسفرت عن أطفال ثلاثة ثم انفصال فطلاق. يؤكد أحد زملائه المقربين منه أنه فقير وأن أسرته معدمة لكنه عاشق للمظاهر محب للادعاء بغير حقيقته الى درجة الإدمان المرضى . فى النهاية صار جمعه يصدق نفسه فيما يطلق عنها فى الخفاء من أكاذيب يسرى بها الى نفر معين من زملائه السذج الذين يخدعون فيه بسهولة، حتى يضمن انتشارها بعد ذلك بين الجميع.

معظم النادلات بالنادى آنسات يحملن شهادات جامعية ومتوسطة. يحلمن بالزواج من أى رجل حتى يتجنبن السقوط فى بئر العنوسة القاتل. الشباب يعانون البطالة ولا يستطيعون شراء شقق التمليك الباهظة الثمن، ولا حتى استئجار شقة على النظام الجديد والتي لايقل ايجارهاالشهرى عن ألف جنيه فى معظم الأحوال. أصبحت أقصى أمانى أى شاب فى حياته أن يحصل على وظيفة أو شقة ، أما العرائس فهن "على قفا من يشيل"، عرضهن أكبر بكثير من الطلب عليهن.

عندما قام جمعة بتسريب نبأ طلاقه من زوجته بأسلوبه المعتاد، فإنه بعث الأمل فى العديد من زميلاته فى اقتناصه كزوج رغم أولاده الثلاثة.البعض طمعا فى ثرائه الذى يعتقدن أنه يتعمد إخفاءه، والبعض طمعا فيه كظل رجل ولا ظل حائط أيا كانت أحواله الاقتصادية والاجتماعية.

كانت شيرين هى أقرب النادلات الى قلبه وأكثرهم جذبا لانتباهه. كثيرا ما كان يلتفت وراءه ليمتع نظره بمؤخرتها الكبيرة التى كانت تمثل لديه عنصر جذب خطير يشده اليها بقوة. كان يتحين الفرصة لايجاد وسيلة يكتسب بها قلبها بما لايتعارض مع كرامته التى صنعتها أوهامه وأكاذيبه..ويوما جاءته الفرصة على طبق من ذهب حين عاكسها عجوز من رواد النادى فى عمر جدها. نفرت منه مستنكرة وقاحته. تمادى فى غيه مستغلا ضعفها كعاملة بسيطة تخشى اهانته خوفا على لقمة عيشها، فصاحب المطعم سينتصر لعضو النادى على حساب انسانيتها دون تردد. لن يضع اعتبارا للأسرة التى تنفق عليها شيرين والتى تعانى من العوز المؤلم. جمعة كان قريبا منهما يرقب المشهد فى تحفز. وضع صينيته بكل ما عليها من طعام ومشروبات على رصيف الحديقة وانبرى مهاجما العجوز بألفاظ عنيفة لم يتقبلها الرجل فصفعه على وجهه. اندفع جمعة ثائرا لكرامته التى أهدرت أمام المحبوبة محاولا توجيه لكمة للعجوز الذى أمسك بيده وصفعه مرة أخري فوقع بسهولة على الأرض. تدخل رواد النادى الموجودون بالمكان ونجحوا فى فض الاشتباك بينهما. أصر العجوز على تحرير محضر لجمعة بإدارة أمن النادى ، متهما اياه بمحاولة الاعتداء عليه. فى التحقيق ذكر جمعه ماحدث بصدق ، لكن العجوز كذبه مختلقا قصة وهمية أخرى انتهت بإدانة جمعة وصدور قرار بوقفه عن العمل لمدة شهر عقابا له على تطاوله على عضو قديم من أعضاء النادى الكبير.

طار صواب شيرين حين علمت بما جرى لجمعة بسببها. افتقدت حضوره المتميز بين أقرانهما وتمنت لو تجد وسيلة تعبر له بها عن امتنانها لشهامته فلم تجد سوى الرسائل التليفونية على الموبايل. لو كان لديها أكاونت على الفيس بوك لتواصلت معه طوال فترة غيابه عن العمل. كثرت الرسائل المتبادلة بينهما على استحياء فى البداية ثم ازدادت يوما بعد يوم حتى أصبح أحدهما لايستغنى عن الآخر. تطور الأمر من الحوارات المكتوبة المسجلة الى المحادثات الهاتفية المسموعة. فى النهاية صرحت له شيرين بأنها تحبه وتتمنى أن تعوضه عن فشله فى زيجته السابقة فيما لو قرر الارتباط الرسمى بها.

كانت شيرين قد أجرت حسبتها بدقة وقد صدقت شائعة ثرائه، خاصة بعد أن صرح لها بأنه يملك رصيدا فى البنك يقدر بعشرات الآلاف من الجنيهات. قررت أن تقبل به زوجا لها حتى ترتاح من حمل الصوانى وخدمة الأعضاء وتحمل بلاياهم وسخافاتهم شبابا وشيوخا. أما عن أولاده الثلاثة فلابد من ايجاد حل لهم ولو على المدى البعيد، فهى تتمتع بالصبر وقوة التحمل.

بعد ذلك تطورت العلاقة الى تعدد اللقاءات السرية بينهما فى حديقة النزهة. فى غضون أسابيع قليلة نجح جمعة بأسلوبه الناعم فى السيطرة على عقل شيرين ومشاعرها حتى باتت كخاتم فى إصبعه.استطاع ببساطة أن يقنعها بأهمية تجميل صورته أمام أسرتها حتى لايعترضون على قبوله زوجا لها وهو الأب لأولاد ثلاثة من جهة ، والنادل البسيط ذو الدخل المحدود من جهة أخري. اتفق معها على التضخيم من قدرته الاقتصادية ليرفع أمامهم من شأن نفسه حتى يغريهم بقبوله دون تردد.

تقدم جمعة مشالى الى أهل شيرين بصفة رسمية طالبا يدها. قال لهم ان الأولاد سيعيشون مع طليقته وإنه اشترى شقة تمليك فاخرة خصيصا من أجل شيرين ، سوف يكتبها باسمها.

قال لصهره هامسا بنبرات هادئة واثقة كمن يخشي اذاعة السر ، انه صاحب سلسلة مطاعم وكافتريات الصقر الأسود التى تعمل شيرين بأحد فروعها بالنادى الاجتماعي. كتمت شيرين شهقة فزع قوية حين فوجئت بما يقول بثبات قاتل دون سابق اتفاق بينهما على ذلك.. لم يخطر ببالها أنه قادر على الفشر الى هذه الدرجة و بهذه الثقة الجهنمية.

وعدهم جمعة بزيارة ثانية بصحبة والده مدعيا أن أمه قد توفيت منذ عدة أشهر. كتمت شيرين شهقة دهشة أخرى حين فوجئت بهذا الوعد، فهى تعلم يقينا أن أبويه مازالا على قيد الحياة. نظرت اليه متسائلة فابتسم لها فى ثقة متجاهلا ارتباكها حتى أنها كادت تصدق أن أمه قد توفت بالفعل وأنه ربما يكون قد ادعى بذلك لزملائه لسبب أو لآخر وقد ألفت أكاذيبه وادعاءاته التى لاحصر لها. لكنها كانت مطمئنة لصدق نيته تجاهها مادام سيحضر معه أباه فى الزيارة التالية.

فى جلسة عتاب بحديقة النزهة اتفقت شيرين مع جمعة مشالى على ألا يفاجئها مرة أخرى بأى من ادعاءاته التى تعرف أنها كاذبة لكنها توافق عليها طمعا فى الحصول عليه كزوج.

لم يلتزم جمعة بالاتفاق ، اذ فوجئت شيرين به يدخل بيت أسرتها وبصحبته عم علوان رئيس السعاة بالنادى وقد ارتدى حلة أنيقة لم ترها عليه من قبل. قدمه الى الأسرة قائلا:

- مشالى بك..والدي

تم التعارف على أكمل وجه ، غير أن سامح شقيق شيرين كان مرتابا متشككا منذ البداية فى جمعة وأقاويله ، ثم ازداد ارتيابه فى مشالى بك ، إذ كشف حديثه عن سوقية طبيعية تجلت فى مخارج ألفاظه وتعبيراته الهابطة. سأله سامح عن موقع الشقة التى اشتراها جمعة خصيصا لشيرين. أجابه جمعة بسرعة البرق مع التأكيد على مخارج حروفه:

- تقع الشقة فى جليم على الكورنيش مباشرة

‎- ياه !!.. لابد أن ثمنها مرتفع جدا

أشاح جمعة بيده فى لامبالاة قائلا بثقة متناهية:

- لا تشغل بالك بالأمور المادية يا أخ سامح

‎- هل يمكن أن أراها ؟

لأول مرة لم يستطع جمعة إخفاء ارتباكه حين أجاب قائلا:

- طبعا بكل سرور

فى هذه اللحظات كانت الأمور قد اختلطت تماما فى ذهن شيرين ، بحيث لم تعد تعرف فى أى الأمور كان جمعة صادقا وفى أيها كان كاذبا مدعيا.

سأله سامح:

- هل سددت ثمنها كاملا بالفعل أم اشتريتها بالتقسيط ؟

بابتسامة شديدة الطمأنينة أجابه جمعة:

- غدا بإذن الله سأذهب الى البنك لأسحب نصف مليون جنيه من رصيدى لتسديد الثمن والحصول على عقد الملكية

انتاب الأسرة ذهول شديد. احتاروا هل يصدقونه أم يكذبونه فيما يقول وهو الذى يتحدث بثقة كبار رجال الأعمال الذين يتلاعبون بالملايين بكل بساطة.

- اذن فمتى أذهب معك لأراها؟

‎- كنت أتمنى أن أصحبك معى غدا لولا أننى سأعتكف لعشرة أيام تبدأ من الغد بمشيئة الرحمان

‎- لا أفهم أين ستعتكف

‎- فى المسجد طبعا

‎- أعرف أن الاعتكاف يكون فى شهر رمضان

‎- أنا أعتكف عدة مرات فى العام الواحد

‎- اذن نلتقى بعد الاعتكاف ان شاء الله

قال بوقار الشيوخ وحكمتهم:

- بإذن واحد أحد

بعد انصرافه تبادل أفراد الأسرة النظر فى دهشة مع بعضهم البعض وهم فى حيرة من أمر هذا الشاب. سألوا شيرين عن اهتماماته الدينية وهل هو من المتشددين أم من السلفيين أم من المجاذيب. أجابت بأنها أكثر منهم حيرة فى فهم حقيقته، فكل يوم هو فى حال مناقض لحاله فى اليوم السابق والذى يليه. أخفت عنهم أنه صرح لها يوما أنه لايؤمن بالغيبيات كثيرا ولا يعترف بغير الواقع الملموس.

انقضت أيام الاعتكاف حين فوجئت أسرة شيرين بجمعة مشالى يدخل عليهم مطرق الرأس حزينا شاردا. سأله والد شيرين :

- ماذا بك ياجمعه؟

‎- كارثة ياجماعة والله..كارثة!

‎- خير ان شاء الله

‎- فقدت كل ما أملك

‎- كيف؟!

‎- كنت متوجها لصاحب العمارة حاملا معى حقيبة بها نصف مليون جنيه

‎- وماذا بعد؟!

‎- ما أن اقتربت من العمارة حتى هاجمنى ثلاثة من البلطجية يحملون السيوف وهددونى بالقتل لو قاومتهم وخطفوا من الحقيبة واختفوا على الفور

نظرت شيرين الى أبيها. نظرت أمها الى سامح. حاوره الأب حول ما بذله من جهد مع البوليس لاستعادة ثروته المسروقة. كانت اجابات جمعة مرتبكة متناقضة. أيقن الأب المسالم انه وقع ضحية محتال شديد الغباء. قال له بهدوء:

- لو عدت الى هذا البيت مرة أخرى سأكسر رجليك

انتشرت قصة جمعة وشيرين فى أرجاء النادى بين زملائهما بعد أن فضحته شيرين انتقاما من خداعه لها. كان جمعة يمشى حاملا الطلبات بثقته المعتادة واعتزازه بنفسه دون أن تبدو عليه علامة واحدة من علامات الحرج أو الهزيمة.

بعد مرور أيام قليلة على انتشار قصته فوجئت به زميلته منى يقول لها فى جرأة:

- لاتصدقى تلك الاشاعة الحقيرة فأموالى مازالت معى ولم تسرق

‎- فلماذا ادعيت بغير ذلك لأسرة شيرين؟

‎- لأننى اكتشفت انهم طماعون يخططون للاستيلاء على ثروتي، كما تاكدت فى الوقت ذاته من حبى لك ورغبتى فى الارتباط بك

‎- وهل ستتقدم الى أسرتي؟

‎- نعم ، واليوم إن شئت..صدقينى يا مني. أنا لا أعرف الكذب

‎- ولكنك يا صاحب سلسلة مطاعم الصقر الأسود ستواجه مشكلة كبرى تحول دون تشريفك لبيتنا

‎- أية مشكلة هذه يامني؟

‎- أنت بالطبع لم تخبر والدك عن قصتك مع شيرين

‎- طبعا لأنه كان سيرفض الموضوع بشدة

‎- ولن تخبره عنى أيضا

‎- طبعا

‎- يبدو انك لم تعلم أن عم علوان قد أحيل الى المعاش وسافر الى بلدته بالريف

شرد قليلا وهو يبحث لنفسه عن مخرج ، ثم قال بهدوء:

- لا توجد مشكلة..عم ابراهيم موجود وسيحضر معى بدلا منه ان شاء الله

رغم انها كانت واثقة من مراوغته إلا أنها لم تعترض ، إذ كانت تفضل ظله على ظل الحائط.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق