رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أردوغان مدى الحياة

رسالة أنقرة ـ سيد عبدالمجيد
هى بكل المقاييس ملهاة مبكية ومضحكة فى آن واحد، بلد بالكامل يسخر إعلامه وفضائياته ومؤسساته التشريعية لتمجيد النظام الرئاسى باعتباره طوق النجاة الوحيد لإنتشال البلاد والعباد من مستتنقع التشرذم ،كونه سينهي إلى الأبد مظاهر الفوضي ويمحو حالة عدم الإستقرار من تاريخ السياسة التركية تماما ، ويدشن على حد تعبير إسماعيل كهرمان رئيس البرلمان عهد وصفحة جديدتين لجمهوريتنا ودولتنا ، وإنقاذ تركيا من الإنقلابات ، هذا ما أكده أيضا رئيس الوزراء بن على يلدريم ، الذى جاء به الرئيس رجب طيب أردوغان على سدة «الباشباكلنك»، بهدف وحيد ألا وهو تحقيق حلمه الأسطورى بوضع كل الصلاحيات فى يده وحده.

يلدريم صديق أردوغان ورفيقه لعقود ثلاثة ، أضاف أيضا فى عبارات حماسية ، وكأنه خارج توا من معركة حربية ضروس، وهو صادق ولا شك فى ولائه لرب نعمته، قائلا: أن نعمة الرئاسي «ستقضي على أى إمكانية لتشكيل حكومات إئتلافية»، تلك الآفة والنبتة الشيطانية فى جسد أى تنمية .

إلا أن السيد يلدريم تناسى ربما عن غير عمد وذلك إرضاء لرئيسه الذى يمقت تلك الحكومات « أن بلاده و طوال الأربعة عشر عاما الماضية لم يحكمها سوى حكومة من حزب العدالة دون شريك، فعلام إذن كلامه؟ أيضا تغافل بأنه لولا السياسات البنيوية التى وضع بذورها الخبير الأممي كمال درويش نائب رئيس الوزراء بحكومة بولنت إجيفيت الإئتلافية مطلع الألفية الثالثة لما تمكن أردوغان من تحقيق أية نجاحات اقتصادية .

المذهل أن أحد من مريدي الزعيم الذى يراد له أن يكون الأوحد (ولن يكون) ، لم يكلف نفسه عناء أن يوجه السؤال لقائده هذا السؤال : إذا كان ما يسعون إليه سيكون له وقع السحر هذا، والذى سينقل الأناضول من وضعه البائس الآن إلى أخر أكثر رحابة ورفاهية ونماء ، لماذا لم يدعو قائدهم عندما كان رئيسا للحكومة، إلى تطبيقة طالما ينطوى على كل هذا الخير ؟ علما أنه كان يمتلك آنذاك غالبية مقاعد البرلمان 367 مقعدا وهو ما يجعل إقرار المشروع الذى كان في ذهنه عندما كان رئيسا لبلدية إسطنبول فى أوائل تسعينيات القرن الماضى، سهلا وسلسا دون اللجوء حتى إلى الإستفتاء. ومع إفتراض أن بعضا من نواب حزبه كانوا سيصوتون بالرفض ، وهذا إحتماله ضعيف وإلا لما اختاروه زعيما ورئيسا للوزراء ، ستبقى الغالبية معه وسيمتلك النصاب 330 للتوجه للشعب والنتائج مضمونة مع وهج الانجازات المحققة على أرض الواقع قبل أن يخبو بريقها ويأفل ، والإجابة فى غاية البساطة، المسالة أنه يريده لنفسه وليس لغيره فهل يعقل أن يعطي لصديقة عبد الله جول مجد الرئيس المطلق وهو يتواري بعيدا، المسالة اذن شخصية بامتياز رغم ادعاه غير ذلك

المفارقة أن الطيب سبق وأعلن فى أول صدام له مع الرئيس الأسبق أحمد نجدت سيزر قبل عقد من الزمان، أن صلاحيات الرئيس واسعة ولابد وأن يقلصها البرلمان، فما كان من سيزر ــ الذى عرف عنه عزوفه المفرط عن الأضواء والإعلام ــ أن يرد قائلا : نعم لابد للرئيس أن يتقيد بالصلاحيات الممنوحة له والمحددة بالدستور ، وزاد قائلا : إذا أراد البرلمان إجراء تعديل فى الدستور ، بهدف إحداث المزيد من تقليصها وهى في معظمها شرفية ، فسوف يوافق دون تردد ، مؤكدا أن السلطة التنفيذية يجب أن تكون فى البرلمان فقط.

وهكذا يتضح النزوع التسلطى له والذى بذل ــ ومازال ــ من أجله الغالى والنفيس كى يحققه ( ولن يحققه) وجاءت نتائج الصفقة التي أبرمها رجاله مع القوميين وعلى رأسهم دولت بهتشلي المتشبث هو الآخر بأهداب زعامة الحركة القومية وحتى يستمر على كرسيه عليه أن يرضخ ورضخ بالفعل وأصبح عناده ورفضه للنظام الرئاسي من الماضي

فى البداية اعطوا إيحاء أن مفاوضات ماراثونية تجري بين الحزبين الحاكم والقومي لتذليل العقبات الأخيرة وإمعانا في التمويه قال رئيس الوزراء بن علي يلدريم أن زعيم الحركة القومية دولت بهتشلي يعكف هو وقيادات حزبه على دراسة مقترحات العدالة والتنمية بشأن تعديلات الدستور ونأمل أن ننتهي من الأمر في غضون الأيام القادمة. لكن الحقيقة أن صفقة بين الجانبين كانت قد أبرمت بالفعل وتم الإتفاق على كل شئ شريطة أن يتم إعلان ذلك بالتدريج خاصة وأن بهتشلي كان يعارض بشدة النظام الرئاسي .

وأخيرا أعلن فى أوائل شهر ديسمبر الحالى عن الإتفاق التاريخى، مع التلميح أنه كان عسيرا ولم يكن التوصل إليه سهلا ، وفى اليوم التالى تقدمت الحكومة رسميا وسط حبور وفرحة طاغيتين ، بمشروع التعديلات التى ستطال الدستور وتتضمن 20 مادة، محورها تغيير النظام البرلماني إلى رئاسى بصلاحيات مطلقة للرئيس، وفيها سيكون أردوغان رئيسا للبلاد والوزراء ومجلس الأمن القومي ويملك وحده سلطة إعداد الموازنة العامة وإعلان حالة الطوارئوتعيين نصف أعضاء مجلس القضاء الأعلي.

والسيناريو المتوقع سيكون كالآتى، أولا تبدأ اللجنة الدستورية مناقشة التعديلات قبل طرحها على الجلسة العامة لمناقشتها وإقرارها من خلال التصويت على مرحلتين، الأولي تشترط موافقة الثلثين أى 367 من إجمالى 550 هم كل الأعضاء، وفي هذه الحالة يتم إقرار التعديلات وعرضها على رئيس الجمهورية للتصديق عليها ثم تنشر في الجريدة الرسمية لتصبح نافذة .

والمرحلة الثانية وهي التى ستتم فى الغالب الأعم فتتطلب موافقة 330 على الأقل كى يتم اللجوء إلى إستفتاء الشعب الذى يملك الحل النهائي للمشاكل والأزمات فى تركيا « ، هذا ما خلص إليه السيد يلدريم ، المؤمن يقينا أن شعبه لن يخذل زعيمه بل وسيبقيه رئيسا مدى الحياة .

ويبدو أن الشعب سيكون عند حسن الظن ، فهو بفضل دولة العدالة والتنمية لم يعد يقرأ سوى الدوريات ذات « اللون الأصفر « شعار الحزب الحاكم ، ويشاهد على مدار الساعة بثا مرئيا يطل منه الرئيس ليل نهار .

أما المعارضة « المقموعة « فنضالها مرير ولكن دون طائل فصوتها لا يصل لجمهورها المحاصر بالسطوة الأردوغانية، ورغم قتامة المشهد يحدوها بصيص بأن أردوغان لن ينال ما يريده ويكفى أنه بعد تسليم التعديلات الدستورية للمجلس التشريعي الكبير بأقل من ساعتين كانت الانفجارات تهز إسطنبول فى مساء يوم أسود حزين.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق