رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الطريق

خالد عميرة
بغير مقدمات تلقينا عبر الهاتف نبأ وفاة جدنا الكبير , صحيح أنه كان قد تجاوز المائة , لكننا لم نعتقد يوما في احتمال سقوطه , هذا الصلب , الجهوم , العفي , الذي يهابه الرجال وتعشقه النساء والعيال , كنا نتندر فنقول :»هذا رجل يخشاه الموت , وإن دفناه فسوف يجلس في المقبرة يدخن سجائره الملفوفة بغير اكتراث» .. لكنه في النهاية مات , مثل كل شئ يموت , فكان لزاما – كما تقول الأصول - أن نكون هناك , لننتظر يوما ثقيلا محملا بالصراخ والعويل , وغبار المقابر , والذباب اللحوح .. ورائحة العرق.

كنا معا أنا وهو, ولدي الوحيد ..وليل طويل , في طريقنا إلى قرية العائلة بالوادي الجديد , سلكنا طريق الواحات , ولأننا لم نزر البلدة منذ سنين فقد التبس علينا الأمر, وخضنا – دون قصد - طريقا جانبيا نصف ممهد , لنجد نفسينا فجأة وحدنا .. وصفير الريح , يرقبنا قمر نحيل يكاد ينطمر في جوف الظلمة.

‎كنت أنا من يقود السيارة , فهو لم يزر القرية إلا طفلا , ربما كان ذلك منذ عشرين عاما أو يزيد , تأكدت بالحدس واستدعاء الذاكرة أننا نسلك الطريق الخطأ , فآثرت التوقف , كانت السيارة الفورد وحدها على البساط الأسود الملتوي, الممتد بغير انتهاء شاطرا رمال الصحراء على جانبيه , ضئيلة ووحيدة كبقرة شردت عن القطيع , تتلفت في ارتباك بحثا عن أثر رفاقها , متخوفة مما يخبئه المصير , لا تكشف عيناها اللامعتان المفتوحتان عن آخرهما إلا السواد وبعض فتافيت الغبار السابحة فى ثنايا الشعاع المنفلت من الكشافين المستديرين.

‎- يجب أن نعود .. هذا الطريق لا يؤدي لشئ .. لست متأكدا من صحته

‎ظل صامتا بعض الوقت , يتحاشى معاتبتى , يدس يديه في جيب الجاكت بحثا عن دفء مفتقد , يحادثني دون أن يبادلنى النظر ..

‎- بابا .. إذا كنت غير متأكد من صحة الطريق فهذا يعنى أيضا أنك غير متأكد من خطئه , لماذا لا نواصل المسير ؟ .. سيقودنا هذا الطريق بالتأكيد لنهاية ما

‎أخبرته أن الوقود لن يكفينا لمثل تلك المغامرة , تجادلنا كثيرا , هو مصمم على استكمال المسيرة للأمام , بينما أنا متمسك بالعودة للبداية من جديد , كنت أخشى أن يكون ذلك طريقا عسكريا محظورا .. أن يحيط بنا فجأة قاطعو الطريق .. أن تهاجمنا وحوش متربصة تتستر بالظلمة لاصطياد فريستها الساذجة , كنت أخشى تلك التجربة ولا آمنها ولا أقوى عليها.

‎- عندي حل وسط لتلك الورطة

‎- هنا لا توجد حلول وسطى

‎- فقط أعطني المفاتيح وسوف ترى

‎ناولته المفاتيح , أخذ مكانى على مقعد القيادة , ربط حزام الأمان , دعانى لفعل الأمر نفسه , ثم طالبنى أن أغلق عينى.

‎- ماذا؟

‎- صدقني لن تندم .. أغلق عينيك وسوف ترى.

‎ما إن أغلقت العينين , حتى أدار محرك السيارة , ضغط على دواسة البنزين بعنف , بدأت العربة تدور حول محورها دورات متتابعة سريعة، أسرع من عقرب الثواني .. أسرع من فراشة ترف حول الضوء .. أسرع من راقص تنورة ينهي رقصته متسارعا صاعدا نحو الملكوت .. أو نحو السقوط , دورة .. دورتين .. ثلاث .. خمس .... , أعجز عن متابعة العد , أصرخ فيه أن يتوقف , أوبخه .. أسبه , يصيبني دوار عنيف يملأ عيني بالبياض , أتعرق رغم تيار الهواء البارد، ينتابني غثيان شديد .. مرارة القئ تطرق حلقي، أستند بكتفي لباب السيارة الملاصق ، رأسي ثقيلة مثل كرة من الحديد المصمت ، لم يعد جسدي قادرا حملها ، تبدأ رحلة السقوط .. السقووط .. السقوووط.

يضحك ضحكات متتابعة هستيرية , ضحكات تمنحها الصحراء صدى مخيفا , بينما تمنح هي للصحراء بعض الألفة, يوقف محرك السيارة فجأة , أفتح عيني خشية الارتطام بالزجاج المواجه، تبدأ حالة الإعياء في الانزياح تدريجيا كدوامة بحر تعاود الالتئام , لم أدرك ساعتها اتجاهنا بالضبط , من أين أتينا ؟ .. وفي أي اتجاه كنا نسير؟ , يتبقى على وجهه بعض بقايا ضحكته الذاوية , تموت تدريجيا فى ثنايا السعال , يناولني المفاتيح من جديد , بينما ينظر نحوى هامسا بابتسامة المنتصر :

‎- الآن لم يعد لدينا أمام وخلف .. فقط علينا أن نواصل المسير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق