رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

كأننى حى

محسن عبد العزيز
ما أقسي أن نمشي في جنازة من نحب، فلا نعرف ماذا نفعل بالضبط، وهل البكاء كاف للحزن أم لا ؟، وهل يعرف الآخرون مقدار حزننا وهم يرمقوننا من آن لآخر، كأنهم في كل مرة يبحثون عن شئ ما في كل دمعة وشهقة وحرقة قلب.

كنت اتسند علي حائط البيت المجاور حين طلعت أمي من البيت محمولة في النعش، فانخلع قلبي وارتفع صوت النساء بالصراخ والعويل، ولم أعرف ماذا ولا كيف أفعل؟.

وأمشي في جنازة أمي، طفلا أمشي.. فكم من الحزن الكفي ليقول الناس إني حزين؟. وهم ينظرون إلي بعيون تملؤها الشفقة.

وكم من البكاء يكفي والدموع تجف أحيانا، وألوم نفسي.. كيف لمن ماتت أمه أن يكف عن البكاء؟، وأن يمشي هكذا وراء النعش الذي يحمله الرجال وهم يبدلون من كتف لكتف أذرع خشبة الموت؟.

بجوار نعش أمي أمشي ..هل رأيتم أقسي من ذلك؟، وطريق المقابر يبدو طويلا أو قصيرا لا أعرف. بيوت البلدة أصبحت خلفنا وصوت النواح صار بعيدا، ودبدبة أحذية الرجال علي أرض الجسر غدا لها جلال في ذلك الصمت الذي يغلف الكون. مياه الترعة والأشجار والنخيل والمواشي في لحظة سكون وتأمل للموت الذي يسد الطريق . ورجل عجوز ينزل عن حماره ويتنحي جانبا ليمر الموت في هدوء.

أمشي تتخبط قدمي في الطوب والأحجار وأنا أحاول تجنب التراب الذي تطيره أقدام المشيعين العجلي فيعشي عيني ويسد أنفي. وكلما اقتربت من الخشبة ذات الأذرع الممدودة بالموت، تدفعني الأيدي برفق إلي جانب الطريق يمينا ويسارا، والعيون لا تتركني فأي حزن يكفي ؟

في الطريق كان رجل يقف علي حافة الجسر حتي تعبره الجنازة، فجأة أمسك بيدي، ظننت أنه يعرفني ولكنه همس في أذني : هو مين اللي مات !.

لم أعرف بماذا أجيب..كانت الإجابة الحقيقية : أنا.

هذا الجسد الملفوف بإحكام في قماش أبيض - أنا- تتسلمني يد من داخل القبر المظلم فيما أياد أخري تمهد المرقد وتلقي جانبا بالطوب الصغيرة وبقايا عظام من سبقوني.

يريحون جسدي -أنا- الذي لن استريح أبدا، ويغلقون علي بالطوب هذه الدنيا الواسعة، فتضيق. كيف لعشرين طوبة أن تغلق الدنيا هكذا وأصبح مسجونا مدفونا في هذا الفراغ كأنني حي.

يتضايق مني البعض أو يحبني ويكون صراعا لا أعرف له سببا في الحب أو الكره..أنا غير الموجود أصلا ..كيف يرونني ؟ ويتحدثون معي وأضحك ويضحكون !

كيف؟ من قال إنني حي؟

هل العمر الذي تسلل للطفل فجعل له شاربا ولحية ؟ أم أولادى الذين يقولون أبي .

أنا لا أعرف الشئ الذي يجعل الجميع يتكلمون معي بثقة هكذا كأنني حي ! . حقيقة لا أعرف.

فأنا مت من ثلاثين عاما تقريبا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق