رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مغتون بزبيدة ثروت

أحمد إبراهيم الفقيه
كان رمز الجمال ومثاله الأعلي بالنسبة لصديقي الأمين الثابت‏,‏ هو نجمة السينما المصرية المعتزلة‏,‏ التي ظهرت في أفلام الخمسينيات والستينيات‏,‏ السيدة زبيدة ثروت‏,‏ فهو لا يستطيع ان تري جمالا في أية امرأة خارج الأوصاف والمؤهلات الانثوية التي انبهر بها أيام الصبا والمراهقة‏,‏ورآها متمثلة في النجمة السينمائية التي تصورها فتاة أحلامه‏,‏ وهو يشاهدها تقوم بأدوارها امام عبد الحليم حافظ وعمر الشريف ورشدي اباظة‏,‏ في افلام تلك المرحلة‏,‏ في سينما الرشيد التي لم تكن بعيدة عن كوشة الصفار بالمدينة القديمة حيث تسكن أسرته‏.‏ ولابد ان كثيرا من اهل الحي الذي صار يسكنه فيما بعد في احياء طربلس الحديثة‏,‏ والمحيط الاجتماعي الذي حوله‏,‏ ولا يعرفونه الا موظفا رفيع المستوي في المصرف التجاري الوطني‏,‏ يستغربون‏,‏ كيف يبقي رجل من اهل السعة واليسار‏,‏ عازبا طوال حياته‏,‏ وقد تجاوز الان عامه الستين‏,‏ علي اعتاب سن المعاش‏,‏ حتي فاته قطار الزواج‏,‏ وحرم نفسه من متعة ان تكون له امرأة تؤنس وحدته‏,‏ يشترك معها في تكوين اسرة وانجاب اطفال‏,‏ ويؤسس لنفسه عقبا ونسلا‏,‏ وقد يخترع له البعض عللا تمنعه من الزواج‏,‏ او يحسبو

ولا يعرفون ان ليس في حياته اطلاقا اي سبب من هذه الاسباب التي يتكهنون بها, وانما هو سبب آخر, يتمثل في هذا المثال الاعلي للجمال الذي تجسد في نجمة التمثيل السينمائي زبيدة ثروت, وعلي صخرة هذا المثال تحطمت كل مشاريع الزواج, التي كان يشرع فيها ثم لا تكتمل, اذ لم يكن المجتمع الطرابلسي في فترة اعتزامه الزواج, قد شهد تفتحا يتيح امام الشباب فرصة اختيار شريكة الحياة, كما هو الحال بعد ان حصلت التحولات الاجتماعية الكبيرة في العقود الاخيرة, اخرجت النساء من خدورهن, وصرن يتواجدن في الجامعات والمنتديات واماكن العمل العامة, وكان الاسلوب المعتمد في الزواج, هو ان تبحث نساء العائلة عن خطيبة تصلح للفتي الذي ينوي ان يتأهل ويبني بيتا, وبعد ان يتم ترشيحها له ونقل معلومات عنها ووصف لها, يتم التنسيق بين العائلتين, وتدبير زيارة يشاهد فيها الخطيب المحتمل, خطيبته المحتملة, وكان صديقنا الامين الثابت, كلما ذهب في مثل هذه الزيارة, عاد خائبا مصدوما, لان الفتاة التي رشحت له, لم تكن تملك عينين ملونتين مثل تلكما اللتين تملكهما النجمة التي سميت قطة السينما المصرية, او استدارة وجهها وجمال فمها, او اية صفة من صفات تلك الممثلة التي احبها في صباه, او يراها اقتربت منها مجرد الاقتراب, ولم يكن يريد كما كان يقول, ان يرغم نفسه ارغاما علي الارتباط بامرأة لا يحس بادني درجة من الانسجام معها.
ولانه صديق حميم, ورفيق عمر منذ مرحلة الدراسة الابتدائية, وننتمي الي مرحلة عمرية واحدة, وتجاورنا في السكن صغارا, في بيوت كوشة الصفار, التي تتداخل مع بعضها البعض, وتتكئ علي بعضها البعض, في طابع حميمي, يعكس جمال وعمق ودفء العلاقات التي كانت تسود بين ابناء هذا الحي العريق من احياء طرابلس القديمة, فقد كنت اشفق عليه, واتأسف لحاله وهو يتأخر في الزواج, ويعيش وحيدا بعد وفاة ابيه ثم امه, مع كل ما في طبعه من اقبال علي الحياة وحب لها, فهو يأتي ويشارك غناء ورقصا وتهرجيا في حفلات زواج اترابنا ورفاقنا, حتي أكملوا جميعا نصف دينهم, وبقي هو دون الجميع بلا زواج, محروما من مثل هذا العرس الذي يلتئم فيه الاحباب, ويشاركونه الفرح في ليلة عمره, وعندما كنا نلح عليه, وهو مازال في سن تسمح بالزواج, كان يقول انه فعلا يريد بقوة ان يتزوج, ولكي يجعل المهمة ميسورة, فقد تنازل عن كل ما يتشبث به من شروط, وحاول ان يجد فتاة تملك ولو معشار الجمال الذي يسعي اليه ويريده, ولكنه لن يتنازل عن هذا المقدار الضئيل الذي لن تستقيم حياته مع اي انسانة لا تتوافر عليه, ويفضل ان يبقي عائشا مع نفسه, ومع صور زبيدة ثروت, كما ظهرت في بوسترات افلامها, تغطي جدران بيته. وكنت احيانا انفرد به لاقول له ان ما يعانيه هو حالة ذات طابع مرضي نفسي, اسمه التثبيت الذهني, الذي يمثل نوعا من خداع الذات, يجب ان يسعي للشفاء منه, وان يمزق صورة السيدة زبيدة ثروت ويجهد نفسه في نسيانها, وليتفضل للبحث عن صور حديثة لها, ليري كيف ترك الزمان بصماته علي وجهها في شكل تجاعيد, وعلي جسمها الذي فقد رشاقته, خاضعا ككل اجسام البشر لنواميس الطبيعة والحياة, ولا وجود لصورة والنظرة الجميلة المشرقة لتلك السيدة الا في ذهنه, او في علب الافلام والبوسترات المطبوعة منذ عشرات السنين, ولكن دون فائدة.
المحنة التي يعاني منها صديقي الامين الثابت, هي ان المجتمع الان وصل في انفتاحه الي درجة متقدمة جدا, واقتحمت المرأة اغلب مجالات الحياة, وصار لها حضور في كل المناطق التي يرتادها الانسان, سواء كانت مؤسسات مصرفية كالتي يعمل بها, او منتديات عامة, او وزارات واتحادات ومتاجر كبيرة, بل وحتي المقاهي والمطاعم صار زبائنها من النساء يضاهي او يفوق زبائنها من الرجال, وصولا الي المصائف والمنتجعات السياحية, بما فيها من ملاعب تنس واحواض سباحة ورياضات الاسكواش والهوكي وكرة اليد, وغيرها, دعك من نساء ذوات فتنة وجمال اقتحمن المجالات الاعلامية, يقرأن النشرات ويدرن الحوارات ويقدمن البرامج, وكان بينهن من نساء يفوق جمالهن جمال الممثلة المعتزلة التي تعلق بها, ولكنه ماذا يستطيع الان ان يفعل باعوام عمره التي تركت محطة الستين, منطلقة في مسارها الذي سيفضي به قريبا الي السبعين, وصار يأتي لمجلسنا في المقهي او في نادي المدينة الذي كان دائما محطة من محطات لقائنا, قائلا لي ولغيري من الرفاق, هل شاهدت الفتاة الفلانية, هل رأيت المذيعة التي تقرأ نشرة الساعة التاسعة, وهل رأيت جمالها الباهر الذي لا يضاهيه الا جمال زبيدة ثروت في فيلم يوم في الجنة, ولعله كان يراه أعلي مرتبة من جمال تلك الممثلة, ولكنها المكابرة والعزة بالاثم كما يقولون, وهي عزة لم تفارقه الا اخيرا, وهو يري هذه الجميلة التي انبهر بها, ليس من خلال شاشة تلفاز, وانما جمالا حيا يدرج فوق ارض الواقع, يطابق كل مواصفات الفنانة زبيدة ثروت, ويزيد عليها في حيويتها وروح الدعابة التي تتمتع بها كما يقول, وصاحبة هذا الجمال متاحة وسهلة لاي شاب من ابناء مرحلتها العمرية, لانها فتاة متواضعة تعمل نادلة في مطعم من مطاعم طرابلس, حيث استقر به المقام اخيرا في هذا المطعم يتناول فيه وجبتي الغداء والعشاء, تاركا طعام البيت الذي تعده له, اخت ارملة احتلت مكان امه الراحلة, لانه رأي في العينين الزرقاوين لهذه الجرسونة, واستدارة وجهها المضيء, نموذجه الامثل في الجمال, كما استقر في ذهنه, عارفا انه لم يعد في امكانه ان يحلم بنفسه في غرفة نوم الزوجية مع هذه المرأة, فاكتفي بان يتلقي منها الطعام, ويتبادل معها بعض الكلمات ويسعده الحظ فيفوز باحدي الملح التي يضحك لها وتضحك هي معه, ويتأمل بهاء وجهها ويري فيه حرمانه من حياة زوجية مع انسانة مثلها, لم ينلها, وعمرا انصرف بلا متعة الونيس الذي تمناه القلب, لانه جاء الي الحياة في الزمن الخطأ, وفي المجتمع الخطأ, وانجبته امه في المكان الخطأ, ليدفع الثمن ويتلقي العقاب علي إثم لم يرتكبه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق