رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

صلاح‭ ‬سالم‭..‬ فيلسوف‭ ‬من‭ ‬جيلنا

محسن‭ ‬عبدالعزيز
كان‭ ‬يحلم‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬طبيبا‭ ‬وأديبا‭ ‬مثل‭ ‬الدكتور‭ ‬يوسف‭ ‬إدريس‭ ‬فكتب‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬وحصل‭ ‬علي‭ ‬المركز‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭. ‬لكنه‭ ‬بدأ‭ ‬يتوق‭ ‬إلي‭ ‬فلسفة‭ ‬دكتور‭ ‬زكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود،‭ ‬فكتب‭ ‬المقال‭ ‬وحصل‭ ‬علي‭ ‬المركز‭ ‬الأول‭ ‬علي‭ ‬مستوي‭ ‬الجمهورية‭.‬

......................................................

منذ‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬أختار‭ ‬الشاب‭ ‬صلاح‭ ‬سالم‭ ‬الفكر‭ ‬والفلسفة‭ ‬طريقا‭ ‬والفيلسوف‭ ‬الراحل‭ ‬زكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود‭ ‬أبا‭ ‬روحيا‭ ‬وفكريا‭. ‬كان‭ ‬ارتباطه‭ ‬به‭ ‬غير‭ ‬عادي‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يقابله‭ ‬إلا‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬الفلسفية‭. ‬فعندما‭ ‬قرأ‭ ‬له‭ ‬آخر‭ ‬مقال‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬تغريدة‭ ‬البجعة‮»‬‭ ‬فوجيء‭ ‬بنفسه‭ ‬ينخرط‭ ‬في‭ ‬بكاء‭ ‬شديد‭ ‬لايعرف‭ ‬له‭ ‬سببا،‭ ‬لكن‭ ‬زكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود‭ ‬توفي‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬بشهر‭ ‬واحد‭!‬

تعرف‭ ‬صلاح‭ ‬سالم‭ ‬علي‭ ‬فيلسوفنا‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الإعدادية‭ ‬فقرأ‭ ‬له‭ ‬تجديد‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬وثقافتنا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العصر‭. ‬وقد‭ ‬لعب‭ ‬الأب‭ ‬الملقب‭ ‬بالشيخ‭ ‬محمود‭ ‬الحاج‭ ‬شيخ‭ ‬قرية‭ ‬ميت‭ ‬الشيخ بالغربية ‬دورا‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬تنشئة‭ ‬الابن‭ ‬ثقافيا‭ ‬فاشتري‭ ‬له‭ ‬أعمال‭ ‬يوسف‭ ‬إدريس‭ ‬الإبداعية‭ ‬ثم‭ ‬كتب‭ ‬الدكتور‭ ‬زكي نجيب‭ ‬محمود‭ ‬ويظهر‭ ‬أن‭ ‬الأب‭ ‬كان‭ ‬يدرك‭ ‬مدي‭ ‬صعوبة‭ ‬كتب‭ ‬فيلسوف‭ ‬الوضعية‭ ‬المنطقية‭ ‬فكان‭ ‬يكافيء‭ ‬الابن‭ ‬بـ‭ 25 ‬قرشا،‭ ‬كلما‭ ‬قرأ‭ ‬كتابا‭ ‬للفيلسوف الكبير‭. ‬وشغف‭ ‬صلاح‭ ‬سالم‭ ‬ ‬بالفلسفة‭ ‬حد‭ ‬العشق،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يرق‭ ‬لدموع‭ ‬أمه‭ ‬ويترك‭ ‬كتب‭ ‬الفلسفة‭ ‬حتي‭ ‬أيام‭ ‬امتحانات‭ ‬الثانوية‭ ‬العامة‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬نجح‭ ‬بتفوق‭ ‬ودخل‭ ‬كلية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والعلوم‭ ‬السياسية‭ ‬ثم‭ ‬التحق‭ ‬بالعمل‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬الأهرام‭ ‬وأصدر‭ ‬أول‭ ‬كتاب‭ ‬له‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬تجليات‭ ‬العقل‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬و‬بكي‭ ‬عندما‭ ‬أمسكه‭ ‬بيده‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬ووضعه‭ ‬في‭ ‬حضنه‭ ‬ينام‭ ‬معه‭ ‬لمدة‭ ‬أسبوعين‭.‬

وكان‭ ‬كتابه‭ ‬الثاني‭ ‬‮«‬تحولات‭ ‬الهوية‭ ‬والعلاقات‭ ‬العربية‭ ‬التركية‮»‬‭ ‬عزيزا‭ ‬عليه‭ ‬لأنه‭ ‬أهداه‭ ‬جائزة‭ ‬الدولة‭ ‬التشجيعية‭ ‬وعمره‭ ‬33‭ ‬عاما‭ ‬فقط‭. ‬والذي‭ ‬طبق‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬مفهوم‭ ‬الجدل‭ ‬الهيكلي‭ ‬علي‭ ‬الحالة‭ ‬التركية‭.‬

وجاء‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬التفكير‭ ‬السياسي‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬أول‭ ‬محاولة‭ ‬للكتابة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬متأثرا‭ ‬بالمفكر‭ ‬الكبير‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري،‭ ‬ثم‭ ‬كانت‭ ‬الإنتقالة‭ ‬الفكرية‭ ‬الكبري‭ ‬مع‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬نبي‭ ‬الإنسانية‮»‬‭ ‬لأنه‭ ‬أصبح‭ ‬البداية‭ ‬لدراسة‭ ‬الأديان،‭ ‬فأتبعه‭ ‬بكتاب‭ ‬‮«‬كونية‭ ‬الإسلام‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬انفتحت‭ ‬أمامه‭ ‬الأفاق‭ ‬علي‭ ‬دراسة‭ ‬أديان‭ ‬التوحيد‭ ‬الثلاثة‭ ‬فكان‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬المشترك‭ ‬التوحيدي‭ ‬والضمير‭ ‬الإنساني‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬اللاهوت‭ ‬التاريخي‭ ‬والخطاب ‬الارتقائي‭ ‬للعقلانية‭ ‬التوحيدية،‭ ‬والذي‭ ‬يعد‭ ‬بمثابة‭ ‬تطبيق‭ ‬لنمو‭ ‬الضمير‭ ‬البشري‭ ‬وارتقاء‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني‭ ‬عبر‭ ‬الشرائع‭ ‬الثلاث‭.‬

وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من 20 ‬كتابا‭ ‬يمكن‭ ‬لفيلسوف‭ ‬جيلنا‭ ‬الذي‭ ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ 46 ‬عاما‭ ‬تقريبا‭ ‬أن‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬فلسفته‭ ‬التي‭ ‬يشرحها‭ ‬قائلا‭: ‬إيماني‭ ‬الخاص‭ ‬أن‭ ‬أبقي‭ ‬شاهدا‭ ‬علي‭ ‬العالم‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬التصارع‭ ‬فيه،‭ ‬وهذا‭ ‬يقتضي‭ ‬أمرين‭ ‬أحدهما‭ ‬يتجذر‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬بوذا‭ ‬عن‭ ‬اللا‭ ‬تعلق،‭ ‬وهي‭ ‬فكرة‭ ‬تقول‭ ‬علي‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬احتياجاته‭ ‬إلي‭ ‬الأشياء‭ ‬ومن‭ ‬شغفه‭ ‬بالاستهلاك‭ ‬وتطلعه‭ ‬المادي‭ ‬ليبقي‭ ‬قادرا‭ ‬علي‭ ‬امتلاك‭ ‬مصيره‭ ‬وحرية‭ ‬إرادته‭. ‬الأمر‭ ‬الآخر‭ ‬يتجذر‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الواجب‭ ‬عند كانط ،‭ ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تسلك‭ ‬أخلاقيا‭ ‬بما‭ ‬يتفق‭ ‬مع‭ ‬كونك‭ ‬إنسانا‭ ‬حتي‭ ‬مع‭ ‬غير‭ ‬الأخلاقي‭ ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬يبقي‭ ‬إنسانا‭:‬،‭ ‬إيمانا‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬الفضائل‭ ‬البشرية‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإيجابية‭ ‬للإنسان‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عما‭ ‬يعتنقه‭ ‬من‭ ‬أديان‭ ‬أو‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬هويات‭ ‬وطنية‭ ‬أو‭ ‬قومية‭ .‬

وكذلك‭ ‬تنبع‭ ‬كل‭ ‬الشرور‭ ‬والرذائل‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬السيئة‭ ‬للإنسان‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬الوطني‭.‬

ومن‭ ‬جماع‭ ‬اللاتعلق‭ ‬البوذي‭ ‬والواجب‭ ‬الأخلاقي‭ ‬؟‭ ‬أتصور‭ ‬ما‭ ‬أسميه‭ ‬‮»‬بالإنسان‭ ‬المتسامي‮«‬

وهو‭ ‬إنسان‭ ‬تتجسد‭ ‬فيه‭ ‬الطبيعة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬للبشر‭ ‬استنادا‭ ‬علي‭ ‬ثلاثة‭ ‬مكونات‭ ‬أساسية‭.‬

أولها‭ ‬الإيمان‭ ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬روحانية‭ ‬تربط‭ ‬عالم‭ ‬الشهادة‭ ‬بعالم‭ ‬الغيب‭ ‬تبقي‭ ‬هناك‭ ‬ثغرة‭ ‬في‭ ‬ممكنات‭ ‬التسامي‭ ‬عند‭ ‬الإنسان‭ .‬

المكون‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬الحب‭: ‬لأنه‭ ‬الجسر‭ ‬الأفقي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬علي‭ ‬الأرض‭ ‬وهو‭ ‬انعكاس‭ ‬للجسر‭ ‬الرأسي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬علاقة‭ ‬البشر‭ ‬بالله‭ ‬والسماء‭. ‬والشخص‭ ‬القادر‭ ‬علي‭ ‬الحب‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬القادر‭ ‬علي‭ ‬الإيمان‭ ‬والقادر‭ ‬علي‭ ‬الإيمان‭ ‬الباطني‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬القادر‭ ‬علي‭ ‬الحب‭.‬

الإيمان‭ ‬ليس‭ ‬الإيمان‭ ‬بالإله‭ ‬فقط‭ ‬ولكنه‭ ‬يشمل‭ ‬الإيمان‭ ‬بالقيم‭ ‬والمثل‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يؤمن‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بوجود‭ ‬إله‭.‬

المكون‭ ‬الثالث‭: ‬الشوق‭ ‬الي‭ ‬المعرفة‭ ‬والرغبة‭ ‬فيها‭ ‬والسعي‭ ‬إليها‭ ‬يجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬اقترابا‭ ‬وتفهما‭ ‬للحقيقة‭ ‬الإنسانية‭ ‬وللتباين‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬فنكون‭ ‬أكثر‭ ‬قبولا‭ ‬وتعاطفا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭.‬

المكون‭ ‬الرابع‭: ‬الفن‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله‭ ‬لأنه‭ ‬قطعة‭ ‬تمثيلية‭ ‬مكثفة‭ ‬للوجود‭ ‬البشري‭ ‬يمكن‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬اكتشاف‭ ‬نفسه‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬اعتبره‭ ‬هيجل‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولي‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬المطلق‭.‬

ولكن‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬المتسامي‭ ‬أصبح‭ ‬يواجه‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإنسان‭ ‬الوظيفي‭ ‬أي‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬ويكتسب‭ ‬قيمته‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬وظائف‭ ‬للآخرين،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬وظائف‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬إعلامية‭ ‬أو‭ ‬ثقافية‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬نجما‭ ‬مشهورا،‭ ‬وتكون‭ ‬قيمته‭ ‬السوقية‭ ‬كبيرة‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬قيمته‭ ‬الإنسانية‭ ‬عن‭ ‬الصفر‭.‬

وهو‭ ‬نقيض‭ ‬للإنسان‭ ‬المتسامي‭ ‬ولكن‭ ‬للأسف‭ ‬فإن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬الوظيفي‭ ‬صار‭ ‬يرقص‭ ‬الآن‭ ‬علي‭ ‬كل‭ ‬مسارح‭ ‬مصر‭.‬

بمايعني‭ ‬أننا‭ ‬مجتمع‭ ‬مأزوم‭ ‬يفتقد‭ ‬القدوة‭ ‬ويعاني‭ ‬من‭ ‬الانحطاط‭.‬

وصلاح‭ ‬سالم‭ الذى يبدو ببسطا فى طرح أفكاره السابقة ليس هكذا دائما فهو ‬فيلسوف‭ ‬عميق،‭ ‬صعب‭ ‬يحتاج‭ ‬الي‭ ‬أن‭ ‬تحشد‭ ‬نفسك‭ ‬له‭ ‬تماما،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بالبساطة‭ ‬مثل‭ ‬زكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود‭ ‬ولكن‭ ‬شديد‭ ‬التعقيد‭ ‬مثل‭ ‬هيجل‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الفيلسوف‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬الي‭ ‬شراح،‭ ‬ولا‭ ‬يفهمه‭ ‬كل‭ ‬الناس‭.‬

تأثر‭ ‬بجمال‭ ‬حمدان‭ ‬وإستراتيجيته‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬علي‭ ‬التكثيف‭ ‬الشديد‭ ‬والرؤية‭ ‬الواسعة‭ ‬مع‭ ‬تعدد‭ ‬وتشابك‭ ‬مجالات‭ ‬المعرفة،‭ ‬وخصوصا‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والإستراتيجية،‭ ‬حتي‭ ‬يعد‭ ‬نصه‭ ‬متعد‭ ‬الهويات‭.‬

وكان ‬التأثير‭ ‬الأشد‭ عليه ‬من‭ ‬الفيلسوف‭ ‬كانط‭ ‬لأنه‭ ‬يملك‭ ‬ـ‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬ـ‭ ‬أهم‭ ‬نسق‭ ‬فلسفي‭ ‬قابل‭ ‬للحياة‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬النسق‭ ‬الهيجلي‭ ‬المثالي‭ ‬وانساق‭ ‬أخري‭ ‬مثالية‭ ‬ومادية‭ ‬بدت‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬مواكبة‭ ‬حركة‭ ‬العقل،‭ ‬لكن‭ ‬النزعة‭ ‬النقدية‭ ‬عند‭ ‬كانط‭ ‬تبدو‭ ‬موقفا‭ ‬جدليا‭ ‬بين‭ ‬المثالية‭ ‬والمادية،‭ ‬وموقفا‭ ‬توفيقيا‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والإيمان‭ ‬هو‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي‭. ‬وعبقرية‭ ‬ـ‭ ‬كانط‭ - ‬يقول‭ ‬صلاح‭ ‬سالم‭. ‬أنه‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الدين‭ ‬الطبيعي‭ ‬يعد‭ ‬نيوتن‭ ‬حيث‭ ‬تأليه‭ ‬الطبيعة‭ ‬وبداية‭ ‬الإلحاد‭.‬

والأهم‭ ‬أن‭ ‬لديه‭ ‬نسقا‭ ‬أخلاقيا‭ ‬جوهره‭ ‬أنك‭ ‬لو‭ ‬تصرفت‭ ‬كإنسان‭ ‬بما‭ ‬تقتضي‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬سوف‭ ‬تصبح‭ ‬كائنا‭ ‬أخلاقيا‭ ‬ساميا‭. ‬ثم‭ ‬استدل‭ ‬علي‭ ‬ذلك‭ ‬بأن‭ ‬الأخلاق‭ ‬الإنسانية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تكوين‭ ‬العقل‭ ‬العملي‭.‬

كأنه ‬أوقف‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي‭ ‬علي‭ ‬قدميه‭ ‬وهو‭ ‬نقطة‭ ‬الذروة‭ ‬في‭ ‬التنوير‭ ‬والنقطة‭ ‬التصالحية‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والإيمان‭. ‬فقبل كانط كان‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬القول‭ ‬إنك‭ ‬مسيحي‭ ‬وعقلاني‭ ‬والأهم‭ ‬أنه‭ ‬أقام‭ ‬تصورا‭ ‬مشروعا‭ ‬للسلام‭ ‬الدائم‭ ‬يتسق‭ ‬مع‭ ‬نسقه‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وقاعدة‭ ‬الحرية‭ ‬للأوطان‭.‬

كما‭ ‬تأثر‭ ‬بالمؤرخ‭ ‬الكبير‭ ‬أرنولد‭ ‬تويني‭ ‬لأنه‭ ‬فلسف‭ ‬التاريخ‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬علم‭ ‬تاريخ‭ ‬الأفكار‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قاده‭ ‬إلي‭ ‬موقف‭ ‬تسامحي‭ ‬شديد،‭ ‬فلم‭ ‬ينظر‭ ‬لعبدالناصر‭ ‬كديكتاتور‭ ‬ولكنه‭ ‬نظر‭ ‬إليه‭ ‬كمعبر‭ ‬حقيقي‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬مصر‭ ‬وتطلع‭ ‬الشرق‭ ‬للنهضة‭.‬ كما‭ ‬أبدي‭ ‬تقديرا‭ ‬شديدا‭ ‬للحضارة‭ ‬المصرية‭ ‬باعتبارها‭ ‬نمط‭ ‬راق‭ ‬في‭ ‬الاستجابة‭ ‬لتحديات‭ ‬البيئة‭. ‬واعتبرها‭ ‬حضارة‭ ‬رائدة‭.‬

حصل‭ ‬فيلسوف‭ ‬جيلنا‭ ‬علي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجوائز‭ ‬فبعد‭ ‬جائزة‭ ‬الدولة‭ ‬التشجيعية‭ ‬حصل‭ ‬علي‭ ‬جائزة‭ ‬دبي‭ ‬3‭ ‬مرات،‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬علي‭ ‬جائزة‭ ‬مبارك‭ ‬عام‭ ‬2009 ‬عن‭ ‬كتاب‭ ‬‮»‬كونية‭ ‬الإسلام‮«‬‭ ‬ولكنه‭ ‬تعرض‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬لموقف‭ ‬شديد‭ ‬الصعوبة‭ ‬عندما‭ ‬تقدم‭ ‬لجائزة‭ ‬الدولة‭ ‬للتفوق‭ ‬بـ20‭ ‬كتابا،‭ ‬واتصل‭ ‬به‭ ‬بعض‭ ‬أعضاء‭ ‬اللجنة‭ ‬ويهنئونه‭ ‬بالفوز‭.. ‬وكان‭ ‬أبرز‭ ‬المرشحين‭ ‬معه‭ ‬دكتور‭ ‬عبدالخالق‭ ‬فاروق‭.. ‬لكنه‭ ‬فوجيء‭ ‬بأن‭ ‬الجائزة‭ ‬ذهبت‭ ‬للمستشار‭ ‬عبدالمجيد‭ ‬محمود‭ ‬النائب‭ ‬العام‭ ‬الأسبق‭!‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬ضربة‭ ‬قاسية‭ ‬للإنسان‭ ‬المتسامي‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬الوظيفي‭ ‬وهذه‭ ‬المرة‭ ‬تأتي‭ ‬الضربة‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬المفروض‭ ‬أنها‭ ‬المسئولة‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬المتسامي‭.. ‬الوزارة‭ ‬أسمها‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭!‬

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق