رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بريد الجمعة يكتبه : أحمـد البـرى
وداعا أيها اليأس!

أحمد البرى;
أكتب إليك قصتى التى ظلت محبوسة داخلى ثمانى سنوات لم أبح بها لأحد، وقد ترددت كثيراً فى اطلاعك عليها ظنا منى أننى كأخصائية اجتماعية قادرة على أن أحل مشكلتى بنفسى دون اللجوء الى أحد،

لكنى أيقنت تماما ان الاستعانة بآراء من لهم خبرة فى الحياة تساعد المرء على تخطى العقبات التى تعترضه، وتفتح له آفاقا جديدة من الأمل، فودعت اليأس، وقررت أن أواجه الصعاب، وها أنا أرسل بها إليك حيث إننى فتاة فى الثانية والثلاثين من عمرى، جميلة إلى حد ما، ويقول الآخرون إننى اتسم بخفة الظل ودماثة الخلق، فلا أفتعل شيئا فى تصرفاتى، وأتعامل بتلقائية مع من حولى، ولا أضمر حقداً لأحد، ولما أنهيت دراستى الجامعية التحقت بشركة قطاع خاص، وعملت بها تحت رئاسة أخى، وأغلب العاملين بها من الرجال، وقد اكتسبت بعض صفاتهم ولم أحس بأنوثتى إلا عندما طرق بابى من طلبونى للزواج، وبرغم العروض الكثيرة فإن أحداً منهم لم يعجبنى، إذ أردت أن يكون زوجى قوى الشخصية، وهذا هو سبب رفضى كل من تقدموا لى، وركزت فى عملى، وحققت فيه نجاحات كبيرة ونلت تقدير الجميع، وأصدقك القول إننى لم أكن سعيدة لهذا الرفض المتكرر، ولا تتخيل أن صنيعى هذا معناه عدم اهتمامى بالزواج والاستقرار، فليست هناك من تريد الانعزال عن الآخرين إلى هذا الحد، وإنما كان بداخلى شىء غامض، وحزن دفين، لأننى لم أجد الشخص الذى يحتوينى، وأشعر معه بالراحة والأمان، أما حلم الزواج والأسرة فقد كان هدفى الأسمى الذى أسعى إليه، وكم تمنيت أن أترك العمل وأتفرغ لتأسيس أسرة صغيرة مع زوج أحبه، وننجب أولاداً أتفانى فى رعايتهم، فأنا ممن يؤمنون بأن النساء خلقن لرعاية الأسرة، والقيام بمتطلبات المنزل والأبناء.

وذات يوم جاءنا شاب يتحدث بلباقة وثقة، ويبدو من مظهره أنه ذو شأن كبير، وله مكانة خاصة فى الشركة، وتكررت زياراته، ووجدتنى مرة بعد أخرى أتعلق به، وأنتظر مجيئه بفارغ الصبر، فإذا جاء والتقت عينانا، تتسارع دقات قلبى وتظهر علىّ علامات الاضطراب، ولا أستطيع أن أنطق كلمتين على بعض، ويكسو وجهى الاحمرار، واعتقد زملائى أنه خطيبى، فرددت عليهم بأنه مجرد «عميل» يجىء إلى الشركة لطلب أو لآخر، وأننى أتعامل معه مثل أخى، ولست مخطوبة لأحد، ولم أكن حتى تلك اللحظة أعرف أى معلومات مؤكدة عنه، وقيل لى إنه حاصل على دبلوم المدارس التجارية، لكنه «شاطر فى شغله»، ولم أعر ذلك اهتماما، برغم أننى حاصلة على مؤهل عال، وأستكمل الدراسات العليا سعيا للحصول على الدكتوراه، فهدفى الأسمى أن أحقق حلمى الذى طالما تمنيته فى البيت والأسرة والأولاد.

وجاءتنى زميلة تقتضى طبيعة عملها أن تحتك به أكثر منى، وقالت لى إنه يشبهنى فى الطباع و «التركيبة العامة» إلى حد كبير، ومناسب لى، وهو ميسور الحال، فرددت عليها بتلقائية وقد علت وجهى ابتسامة لاحظتها زميلتى : «ليس عندى مانع من الارتباط به، وإذا أرادنى فليطلبنى من أخى»، وفى زيارته التالية، انتحت به جانبا فى الحجرة المجاورة للحجرة التى أعمل بها، وحدثته فى أمرنا، ورشحتنى زوجة له، فإذا به ينتفض من مكانه قائلا لها : «مستحيل.. روحى الله يبارك لك»، وغادر المكان على الفور، وكنت أتابع حديثهما دون أن يشعرا بى، فاسودت الدنيا فى عينى، ورحت أتأمل وجهى فى المرآة، فربما لم يعجبه شكلى أو طريقة كلامى، أو قد لا أكون «الاستيل» المناسب له، ومع كثرة التفكير انهرت وخارت قواى، ولزمت الفراش شهراً كاملاً، وسيطر علىّ اكتئاب شديد، وسألت نفسى : ما الذى لا يعجبه فىّ حتى يرفضنى بهذه الطريقة المهينة، فحالة الانزعاج التى بدت على وجهه وقتها تشى بأننى إما دميمة أو لست من مستواه، وحدثت أمى فى أمرى، وبحت لها بمكنون صدرى، فحاولت إثنائى عن التفكير فيه، وقالت لى «لا تشغلى بالك يا ابنتى، سيأتيك من هو أفضل منه، فلا تعيريه أى اهتمام من اليوم»، فرددت عليها بأن مشاعرى ليست فى يدى، إذ يجذبنى إليه خيط سحرى لا أجد له تفسيراً، وأصررت على أن أعرف حقيقته، والأسباب التى جعلته ينزعج من الزواج بى، ولما تحريت عنه كانت المفاجأة أنه مهندس وأحد أصحاب الشركة التى نعمل بها، فقررت أن أفوق من خيالاتى، وأعود إلى واقعى، وأهتم بعملى، وأضع كل جهدى وهمى فيه، وبينما كنت على هذه الحال، تقدم شقيق صديقة أختى لخطبتى، وأقنعنى أهلى به، فهو ميسور ويشترك مع أبيه فى عمل يدر عليه دخلا كبيرا، فوافقت عليه إرضاء لنفسى بأننى ارتبطت بمن لا يقل مستوى عن فتاى، وهو يحمل نفس اسمه، وتمت خطبتنا، لكنى لم أشعر بالسعادة، ولم أحس بذرة من شعورى الجارف نحو فتاى الذى فشلت حتى ذلك الوقت فى معرفة سبب موقفه منى، وزاد من تعاستى تدخل أهل خطيبى فى كل شىء حتى أبسط الأمور، فهو بلا شخصية، لكنى لا أنكر عليه أخلاقه وتدينه الواضح، وكلما رأيت فتاى فى الشركة يغلبنى البكاء، وأحدّث نفسى بأنه السبب الذى جعلنى ارتبط بخطيبى، كما أنه السبب أيضا الذى يدفعنى إلى إنهاء هذه الخطبة على غير رغبة أهلى، ونفذت ما اقتنعت به، وفسخت خطبتى له وكتمت أحزانى، وظلت نظراتى الصامتة إلى فتاى بديلا عن عتابه لموقفه منى، وطاردنى فى أحلامى، فكنت كلما حلمت بأننى سألتقيه، وجدته أمامى بالشركة فى اليوم التالى، ولازمنى هذا الاحساس فترة طويلة، إلى أن جاء يوم كدنا ننطق فيه نحن الاثنان بمكنون نفسينا، لكن كلينا لاذ بالصمت، وبعد عودتى إلى المنزل فوجئت برسالة منه على هاتفى المحمول فشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمىّ، ثم هاتفنى بعدها واتسم كلامه معى بمنتهى الأدب والأخلاق، لكنه لم يحدثنى عن الارتباط، فاستغربت ذلك، وقلت له : ما سبب اتصالك بى؟.. فرد علىّ بأنها آخر مرة يكلمنى فيها ثم أغلق الهاتف، وبعدها بعث برسالة يبثنى فيها حبه، وأنه لم يصادف قبلى من هى فى مثل أخلاقى، وأنه يعلم حبى له، وكان يتمنانى زوجة له، وتحدث مع والدته فى خطبتى، لكن قضاء الله فوق كل شىء!، فتوقعت من رسالته أنه مطلق مثلا ولديه طفل أو أكثر، أو أنه تعرض فجأة لضائقة مالية أطاحت بأحلامه، أو حكم عليه بالسجن فى قضية ما.. إنها تهيؤات صورها لى خيالى وأنا أبحث عن أى سبب يجعله يتراجع عن زواجنا.. وفى اليوم نفسه اتصلت بى والدته، وقالت والبكاء يغلب على صوتها : «إدعى له يا ابنتى ربنا يشفيه.. ابنى عنده سرطان فى المعدة، ويصارع المرض منذ فترة، ولا يريد أن يظلمك معاه»، فصرخت صرخة مدوية، نزلت على أثرها جارتى من الشقة التى تعلو شقتنا لتستطلع الأمر وتجمع أهلى حولى، وهم واجمون لا يدرون ماذا يقولون لى ..

ومنذ تلك اللحظة كرهت الحياة، وسيطر الحزن على كيانى، ولم أشعر بطعم نجاحى فى دراساتى العليا، واتصلت به وقلت له : لا يهمنى المرض، ولست خائفة منه، ولابد أن ننتصر عليه بالأمل وبفضل الله، لكنه ظل على حاله من الانطواء قائلا إنه لا يريد أن يظلمنى، أو أن يتركنى أرملة، وأنه يفضل أن نبقى أخوين وصديقين، ومازال على اتصال بى حتى الآن ولا يريد أن يغير موقفه..لقد تلقى العلاج وتحسنت حالته كثيراً، لكنه لا يفكر فى الزواج خوفا من المجهول، وكم أردت أن يعرف أن السرطان لا يميت أحداً، ولا غيره من الأمراض، وإنما يموت الإنسان عندما ينتهى أجله، وليس كل من أصيب بهذا المرض مات به.

إنه الأمل الذى أحيا بنوره، ولقد ودعت اليأس إلى غير رجعة، لكن ما ينقصنى هو أن أقنعه بالزواج حلم العمر الذى يجمعنا، وتكفينى فرحتى بوجودى إلى جواره، إلى آخر العمر، فهل أنا على صواب ؟.. وبماذا تشير علينا ؟.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

فى الحقيقة هناك غموض يكتنف موقف هذا الشاب من مسألة الزواج سواء بالنسبة لك أو للأخريات, وتعلم أمه بالأسباب التى تقف وراء عدم زواجه إلى الآن، وحتى لو أن أحدها إصابته بالمرض اللعين، فإن تحسن صحته، وفعالية العلاج الذى تلقاه, كفيلان بأن يغير نظرته التشاؤمية من الحياة إلى نظرة تفاؤل، واضعا ثقته فى الله عز وجل، وهو لم يغرر بك ولم يخف عنك مرضه، وأنت راضية بما شاءت الأقدار به, فما الذى يجعله يتراجع عن الارتباط بل ويدفع أمه إلى الاتصال بك لكى تقول لك إنه مريض ولن يتزوج خوفا من أن تصبح شريكة حياته أرملة بعد وقت قصير؟.. إن أى أم تحلم باليوم الذى يصبح فيه لابنها بيت وزوجة وذرية تحمل اسمه، ولذلك أتحفظ على الموقف برمته، وربما يكون متزوجا، وله حياته وأسرته، ولا يريد أن يجرحك أو أن يخبرك بالحقيقة لكى يحتفظ بالصورة الذهنية التى كونتها عنه!

وإنى أستغرب أيضا أن ترهنى نفسك ثمانى سنوات من أجل أوهام وخيالات، فإذا كان خطيبك السابق الذى لم تنكرى عليه أخلاقه وتدينه ووضعه الاجتماعى وحالته المادية الميسورة, لم يرق لك بسبب تدخل أهله، فلم يكن معنى ذلك أن تغلقى قلبك، وترفضى الارتباط بأى شاب آخر، فالعاطفة وحدها ليست وحدها معيارا للزواج الناجح الذى يرتبط بعوامل كثيرة أخرى منها التوافق الأسرى، والنفسى والمادى والاجتماعي، وأحسب أنه مازال بإمكانك وقد نحيت اليأس جانبا وودعته من حياتك أن تنظرى إلى الدنيا بعين جديدة ملؤها التفاؤل والأمل فى المستقبل.

وحتى لو سلمنا بأن كلامه صحيح، وأنه يخاف مما تخبئه الأقدار خصوصا لمن هو مصاب بهذا المرض، فإنى أراه خوفا غير طبيعى، دفعه إلى اليأس والقنوط، وجعله فى حالة عصبية، فمرة يكلمك، وأخرى يبعث برسالة إليك عبر المحمول، وثالثة يدفع أمه إلى الاتصال بك، ورابعة يختفى لفترة ثم يظهر من جديد، لكن من يؤمن بالله لا يخاف إلا منه, حيث يقول تعالى «فالله أحق أن تخشوه، إن كنتم مؤمنين»، كما أنه لا يهاب الموت، ولا المرض ولا أى شيء من عوارض الدنيا، ولا يدرك الكثيرون أنه كلما ارتفعت معنويات الإنسان أصبح أكثر قدرة على مقاومة الأمراض، وتحضرنى هنا واقعة عشتها منذ سنوات بعيدة فى وحدة طب الأورام بجامعة عين شمس مع الدكتور على خليفة رحمه الله، حيث جاءه مريض مسن بالسرطان يسأله العلاج، فأجرى له التحاليل والفحوص اللازمة، ووجد أنه بالمقاييس الطبية لن يعيش هذا الرجل أكثر من شهرين، فسكت قليلا، ثم قال له: «استمر على علاجك وعليك بأن تنطلق فى رحلات إلى الحدائق والمتنزهات، وتقضى وقتا ممتعا بين أولادك وأحفادك، وإذا التزمت بما أشير به عليك تعال إليّ فى الوحدة لنقرر باقى العلاج»، وخرج الرجل من عنده، ودمعت عينا الدكتور خليفة، فسألته، ما يبكيك يا دكتور: قال: لعلها المرة الأخيرة التى أراه فيها! ثم كانت المفاجأة الإلهية عندما جاءه الرجل فى الموعد الذى حدده له، فاستقبله بحرارة، وأعاد فحصه، فإذا بالخلايا السرطانية تتلاشى وقد حلت محلها خلايا سليمة!.. إنها الارادة الإلهية التى نعجز نحن البشر عن فهمها أو إدراكها، لقوله تعالى «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا»، ونبنى دائما حساباتنا بطريقة خاطئة.. فهذا رجل مريض ينتظر الموت، وذاك رجل فى أتم صحته, وفجأة يموت السليم، ويعيش المريض.

وعلى فتاك أن يدرك ذلك، وأن يعلم أن المرض لا يعنى قرب الموت، وليس من المعقول أن يربط الإنسان نفسه بهذه الأوهام، فلكل أجل كتاب، وكل نفس ذائقة الموت، والموت سيأتينا جميعا سواء أردنا ذلك أو لم نرد حيث يقول تعالى «قل إن الموت الذى تفرون منه فأنه ملاقيكم»، ومادام الأمر كذلك فلماذا لا ينفض عنه غبار الأحزان، ويبدأ صفحة جديدة من حياته، وليفعل ما يتهيبه فإن الموت محقق، وقد قيل «اطلب الموت توهب لك الحياة»

لقد حان الوقت لأن تضعى النقاط على الحروف مع فتاك، فإما أن تكللا علاقتكما بالزواج وإما أن تغلقى صفحته إلى الأبد، وتفتحى قلبك لمن يستحقك, وعليك بالأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن على رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أمتعنى بسمعى وبصرى، وعافنى فى دينى وجسدى». كما روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «اللهم انى أسألك العفة والعافية فى دنياى ودينى وأهلى ومالى.. اللهم استر عورتى وآمن روعتى واحفظنى من بين يدى ومن خلفى، وعن شمالى ومن فوقى، وأعوذ بك من أن أُغتال من تحتى»

وأرجو أن تكونى قد ودعت اليأس إلى الأبد، وأقبلت على الأمل والتفاؤل، وأسأل الله لك التوفيق، وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق