رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

يوم مهم جدا في بلد ليس من السهل فهمه!
لبنان : الجبل والبحر والدولار

بيروت ـ جيهان الغرباوى
فى بيروت لى صديق اسمه أحمد .من السابعة صباحا كان بانتظارى عند باب الفندق الذى انزل به في مدينة صور ينتظرنى كما هو الاتفاق كى ننطلق بسيارته الى بيروت ونقضى بها اليوم كله.

سيارته كانت بيضاء من احدث موديلات ال BMW وصنع ذلك فارقا كبيرا معى سأرويه لكم فيما بعد

لم يكن يوما عاديا ..كان يوما مشهودا ولا ينسى في تاريخ لبنان وتاريخى الشخصى ايضا !

انه يوم الانتخابات الرئاسية، في بلد يبحث عن رئيس منذ ما يقرب من ثلاث سنوات ، ويخشى الا تجتمع القوى السياسية والاحزاب على اسم واحد في هذا اليوم، فيتجدد الصراع والعنف والقتل في الشوارع .

سألت احمد الذى كان جالسا الى جوارى يقود سيارته بسرعة كبيرة مثيرة اراد بها ان يبهرنى .. ( انكم جميعا تبهرونى في لبنان .. كيف تعيشون سنوات هكذا بغير رئيس ؟)

اجاب احمد وقد اعجبه السؤال غالبا وغذى كبرياءه :

وماذا يفعل لنا الرئيس ؟

...................................................................................

وقبل ان يسترسل كثيرا في كلامه .. هدأ السرعة فجأة وتوقف عند لجنة مرور تعترض الطريق والقى عليهم التحية (الله يعطيك العافية) نظر الظابط نحونا في تأن ثم هز رأسه وسمح لنا بالمرور.

كان واضحا من نظرة الضابط اهتماما وتدقيقا يليق بسيارة تتجه يوم انتخاب الرئيس الى بيروت قادمة من الجنوب حيث تضع حركة امل اعلامها الخضراء ويرفع حزب الله اعلامه الصفراء وفيها صور حسن نصر الله، غير الاعلام السوداء التى تخص الشيعة ويافطات كتبوها عن دم الشهداء والمقاومة في كل مكان وضيعة وطريق صاعد في الجبل!.

تجاوزنا ذلك الذى نسميه في مصر (الكمين) واكمل احمد كلامه بكل ثقة يقول :

مثلا لو اوقفنى هذا الضابط او غيره،واكتشف انى(شوفير زوعران) يعنى سائق بلطجى كيف ما بتحكوها بالمصرى ..وكنت متجاوزا للسرعة على الطريق ،وقتها سأتصل برئيس الحزب الذى اعمل له او يضمنى صديق لخالى وهو على اتصال بكتلة السنة او اتصل بقريب لابى من قادة الشيعة بمنطقتى .. كل مجموعة او طائفة او حزب سياسى لها نفوذ واتصالات وتأثير على الارض وحسب علاقتك بها تسير الامور وتحصل على حماية او دعم،او تجد مهربا من القانون، وهكذا الحياة لا تتوقف بسبب غياب الرئيس .

· جعلنى كلام احمد استرجع في خيالى مشاهد متوالية من حفل عشاء هام حضرته امس الأول في مدينة صور، وكان ضيوف الحفل من كبار رجال السياسة والثقافة وقادة الاحزاب واصحاب المسؤوليات الامنية والوضع الدبلوماسى ..

كلما تقدم احدهم والقى كلمة او خطبة حماسية قصيرة في الميكرفون ، يخيل اليك ان كل 15 شخص في لبنان قرروا ان يشكلوا معا حزبا او طائفة او فريق او حركة او جمعية ، وظيفتها الاولى ان تنحاز وتتعصب لنفسها وافكارها واعضائها، ووظيفتها الثانية ان يكون لها عدو تكرهه وتتحداه وتعمل ضده وتشهر الحرب عليه، وعلى الاقل تتصارع معه فكريا او مذهبيا او سياسيا .

وحيث انى كنت في هذا الحفل ضيفة من مصر وصحفية من الاهرام، حظيت باحتفاء لائق ، وتقدم عدد من اولئك الرجال المهمين للترحاب بى على ارضهم ، ولا انسى رجلا وجيها ذو منصب ومال، دخل نحو مائدة العشاء التى كنت اجلس اليها ، هشا بشا ضاحكا وسألنى عن مصر واهل مصر وعن عادل امام .. ثم سأل بكل كرم واهتمام ان كنت احتاج اى خدمة او اريد ان ازور اى مكان في لبنان ؟

- اجبته بحماس وبسرعة كعادتى : نفسى اروح بيروت .. منذ وصلت لبنان وانا في ضياع ومدن الجنوب ..لا اريد ان اعود مصر دون ان ارى العاصمة .

- فجأة تجهم الرجل الوجيه الذى كان يضحك لتوه، وقال : عذرا .. انا من الجنوب ولا اطيق الشمال .. انا تحت امرك في زيارة اى مكان بجنوب لبنان لكنى لا احب بيروت ابدا (!)

- احبطنى وفاجأنى الرجل .. لكنه اضاف لعلمى سببا اضافيا للتعصب والكراهية : الجغرافيا (!)

يكفى ان تكون من منطقة لتكره الاخرى .. فان لم تجد في لبنان سببا للخلاف مع الاخر بسبب الدين او المذهب او السياسية او تعارض المصالح .. تستطيع ان تكرهه لانه من الجنوب وانت من الشمال او العكس !!

· عدت استمع لصديقى احمد الذى كان يحكى لى اثناء قيادته السريعة نحو بيروت عن عمله مع اخيه الاكبر (بادى جارد) في شركة خاصة للامن والحراسة باحدى الدول الافريقية ..

اللبنانيون يسافرون في السنوات الاخيرة بمعدلات كبيرة للعمل في دول افريقيا ،فهى غالبا تتسع لهم ويجدون فيها مرتبات مجزية بالدولار،تتناسب مع المغامرة والسفر و(البرستيج) الذى لا يتخلى عنه المواطن اللبنانى في اى مكان .

علمنى احمد مثل شعبى لبنانى يقول (نتديّن حتى نتزين )!

وشرحه لى وهو يشير لساعة يده الرياضية الغالية وقال: لابد ان يكون معى ساعة ونظارة وجهاز موبايل ومفتاح سيارة من افخم واغلى ماركة حتى لو استدعى ذلك ان استدين كى احافظ على مظهرى .

ودائما معى في السيارة قميص احتياطى نظيف ومكوى وجاهز لاى مقابلة مهمة او طارئة .

كان يتحدث معظم الوقت ناظرا لنفسه في مرآة السيارة كى يتأكد من جودة تصفيف شعره وبين كلمة واخرى يتحسس بأنامله ذقنه الخفيف !

وصلنا وقتها بيروت ودخلنا شارع الحمرا التجارى الشهير، واصر احمد ان يختار مقهى فاخر ذو اسم عالمى معروف يليق (بالبرستيج تبعه) لنجلس ونتناول شيئا قبل ان نتوجه في الظهيرة ،لمنطقة جونية وكسروان ،ونتابع فرز الاصوات من هناك مع اعلان اسم الرئيس الفائز رسميا .

· اظنه حان الوقت الان، كى اعرفكم اكثر بأحمد، انه صديقى من بداية اليوم ليس ابعد من ذلك .. وهذا اول يوم اراه فيه، شاب جامعي اوشك على التخرج من كلية الحقوق، وارسله لى خاله، كى يقوم بمهمة توصيلى بيروت، بناء على رغبتى الحارة في زيارة العاصمة، يوم انتخابات الرئيس .

خاله هو المسؤول عن ضيافتنا وزيارتنا لمعرض الكتاب في مدينة صور بالجنوب ، وكخدمة عائلية ودية ارسل ابن اخيه الشاب، كى يصاحبنى ويحمينى اثناء زيارتى بيروت في هذا اليوم الانتخابى الساخن غير مأمون العواقب .

او كما قال احمد ( هايدى لبنان .. لو ما اتفقوا اليوم على رئيس .. الناس بتنزل تقوص ببعض في الشوارع ) !

من الدقيقة الاولى لنا في الكافيه البرستيج الذى اختاره، اكتشفت ان الحساب انجليزى ودفعت بالدولار ما يوازى 80 جنيها، مقابل كوب نيس كافيه حجم متوسط، بينما لم يدفع احمد الندل غير ثمن زجاجة المياه المعدنية الصغيرة التى طلبها لنفسه !

حاولت نسيان الامر وابتلعت حسرتى على دولاراتى مع رشفات النيس كافيه الذى فقد حرارته بين يدى، وانا مازلت اصغى لأراء ذلك الشاب اللبنانى الذى يبدى تمردا لا بأس به على الطائفية واغنياء الحرب والغلاء والسياسة والهجرة وحتى على البنات الحلوات الانيقات الجذابات

( صاحبات الجيبات القصيرات) اللائى كن يأخذن عينى بين دقيقة واخرى حين يمرون امامى في نفس الشا رع .

علق احمد هازئا يقول : كلام الحب كثير .. لكن الكل كذاب .. الفتاة تتجمل وترتدي اشهى الثياب من اجل ان تجد الدولار وليس من اجل ان تجد الحب .

الزواج قليل بسبب الحرب والسفر والهجرة وبالنسبة لشاب مثلى، سهل ان يكون لى علاقة عابرة مع فتاة جميلة او مع سيدة تعجبنى طالما استطيع ان انفق عليها .. الليرات والدولارات تشترى القبلات مثلما تشترى الملابس الغالية والطعام الجيد .. في لبنان لا شىء بالمجان .

جونية ..كسروان

في الواحدة ظهرا كان فرز الاصوات ينقل عبر شاشات عملاقة في الميادين .

الجو كان مشحونا ومثيرا خاصة ان بعض نواب البرلمان ارادوا افساد الانتخابات فوضع احدهم مظروفين وليس واحدا في صندوق التصويت الشفاف ليتلاعب بالعدد وكتب اخر في ورقته اسم راقصة استعراض لبنانية معروفة، بدلا من اسم الرئيس الذى يرشحه !

اعيد التصويت اكثر من مرة وانا بين الناس اتابعه في خوف ، من ان يحدث ما لا يحمد عقباه .

يرتدى معظم الناس هنا لونا برتقاليا قويا زاهيا ويرفعون اعلاما برتقالية عريضة مع العلم اللبنانى المعروف الذى تميزه شجرة الارز .

تسللت بين حشد يترقب النتيجة والتقط صورا كثيرة معبرة، وبعد ساعة او اقل اكتشفت ان كلام احمد ليس دقيقا كله ..

ظهر ان في لبنان اشياء تمنح بالمجان !

بمجرد فوز العماد ميشيل عون رئيسا، بدأ رقص الدبكة وفتح مؤيدوه زجاجات الشامبانيا فوق رؤوس الاشهاد احتفالا ووزعوا مجانا البقلاوة الغارقة بالعسل ، حتى تناولت غذائى كله من البقلاوة يومها وركبت موتوسيكل رجل شرطة منحه لى دقائق، كى التقط صورا للذكرى الخالدة مع العلم اللبنانى الذى يرتفع فوقه وصورة الرئيس الفائز الملصقة عليه !

يسمون الرئيس عون (الجنرال البرتقالى) نظرا لخلفيته العسكرية واللون البرتقالى الذى يميز حركة التيار الوطنى الحر ظهيره السياسى الداعم له .

وفي لبنان وفق ما يقضى به الدستور، نواب البرلمان هم من ينتخبون رئيس الجمهورية، على اعتبار انهم ممثلوا الشعب،و يجب ان يكون مسيحيا ، بينما يجب ان يكون رئيس الوزراء مسلما من السنة ورئيس البرلمان مسلما شيعيا .

وقد تكون تلك قسمة العدل بحكم القانون لارضاء الجميع،لكن الشاب البنانى احمد، مرافقى على الطريق يومها،كان غاضبا غير راض .

قال انه كان يتمنى فوز المنافس سليمان فرنجية لكونه الاصغر سنا ، بينما الرئيس الفائز عون تجاوز الثمانين من عمره، وقضى فترة طويلة من سنوات حياته خارج لبنان . · في طريق العودة كان راديو السيارة ينقل اغانى الاذاعة ، وبدت لى وقتها غريبة جدا بالنسبة لبلد فاز فيها رئيس جديد منذ ساعات قليلة .

في اذاعة صوت الشعب كانت اغانى زياد رحبانى الخفيفة الساخرة تتوالى :

( بما انه العيشة سودة ومش بيضا .. اجتمعنا وقررنا نسلق بيضا )و( وانا مش كافر .. بس الجوع كافر ) و ( يا زمان الطائفية ..خللى ايدك ع الهوية) ..

حولنا المؤشر فوجدنا محطات اخرى تذيع اغانى الحب والشوق والغرام ( ولااااااا هى هنا .. ولا كأن فيه رئيس ولا انتخابات ولا سياسة في الدنيا ) !

حولنا المؤشر و اخيرا وجدنا اغنية حماسية وطنية قوية،في اذاعة الشرق بصوت جوزيف عطية (لبنان راح يرجع .. والحق ما بيموت .. والشمس راح تطلع تزين سما بيروت) .

· لبنان ليست بلدا سهلة الفهم ..

يكفى ان لا احد فيها يجتمع على شىء واحد،ولا حتى اذاعات الراديو بعد فوز رئيس جديد .

بعدما (برمنا الكورنيش وفتلنا بيروت) كما يقولونها باللهجة اللبنانى ،

تجاوزنا ميناء صيدا في طريقنا نحو الجنوب وقبل ان نصل مدينة صور، دخلنا الى محطة بنزين على الطريق،وعبأ احمد سيارته حتى ملأ خزان الوقود عن اخره ..يعنى ( فول التانك) بالمصرى ، وقبل ان نتحرك من امام عامل البنزينة، مد يده نحوى وطلب الرقم الذى ظهر في العداد امامنا ،وكان مبلغا ضخما دفعته بالدولار صاغرة، دون ان افهم او اسأل عن شىء .. لكنى بعد فترة افقت من صدمة المفاجأة وعلقت ونحن على الطريق : هذا المبلغ كبير جدا .. كنت استطيع ان انفقه في مصر على بنزين يكفينى اسبوعا على الاقل !

- زام احمد وكشر ومد شفتيه وعلى صوته وهو يرد : ( شووووو ؟؟؟ انتى ما بتركبى سيارة عادية .. انتى بتركبى B.M )

أما انك مادى صحيح .. كنت فاكراك صديق وبتعمل لى خدمة، ومتطوع في حب بلدك وفي سبيل العلاقات العربية والتعاون الصحفى والارشاد السياحى .. خسئت .. يالك من شنقيط .. بس اما اوصل بس واشوف خالك ...

كل هذا الكلام طبعا لم يسمعه احمد، فقد كنت اردده في اعماقى الغاضبة و اغوارى المستفزة، بينماعلى وجهى ابتسامة باهتة عريضة كاتمة للصوت !

· وفقا لنصيحة مراسل صحفى قديم ومخضرم في لبنان،حاولت ان اعطى لنفسى وقتا وفرصة، ولا أتسرع بأصدار احكام .

صعب ان تبنى رأيك في بيروت او في اللبنانيين بسبب انطباعات و مواقف قد تكون عارضة ولا تصلح مقياسا .

انا مثلا صادفت قبل سفرى لبنانيين في غاية الكرم والطيبة ،وتفانوا في اسعادى مدى الايام القليلة المتبقية من اقامتى، واجتهدوا ان يأخذونى الى مختلف المطاعم والاماكن السياحية في الجبل والبحر والمحال التجارية ، ولم يطلبوا في المقابل ثمن بنزين السيارة او ثمن اى شىء .

ولكن .. اذا سافرت لبنان، يستحسن الا تذهب مع احد الى اى مكان او تتوقع من احد اى خدمة، قبل ان تتبين حقيقة وضعك بالنسبة له وتتأكد من نواياه تجاهك .. واحتياطى،يستحسن الا تطلب توصيلة من اى شاب اسمه احمد .. خاصة اذا كان يقود سيارة B.M موديل حديث بيضاء (!!!)

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق