رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

4 مسارات قد يغير بها ترامب العالم

منال لطفى
لقد غير ترامب أمريكا...لكن هل سيغير العالم؟ السؤال قد يبدو متسرعا، فهو لم يتسلم السلطة بعد. لكنه أعلن منذ يومين أولوياته للمئة يوم الأولي لحكمه وعلي رأسها انسحاب أمريكا من اتفاقية الشراكة عبر الباسفيك التي توصلت إليها أمريكا مع حلفاء من بينهم اليابان وماليزيا وأستراليا ونيوزيلاندا وكندا والمكسيك.

ردود الفعل علي الأولويات وإقتراحات أخري بثها ترامب علي حسابه علي توتير من بينها إقتراح تعيين زعيم التيار اليميني القومي البريطاني نايجل فاراج سفيرا للندن لدي واشنطن لاقت ردود أفعال متباينة من لندن إلي طوكيو ومن بكين إلي كوالالمبور. فالانسحاب المزمع من اتفاقية «ترانس باسفيك» سيؤدي إلي ارتدادات إقتصادية وأمنية وسياسية.

ووفقا لمصادر مطلعة في الخارجية البريطانية تحدثت لـ«الأهرام»، فإن انسحاب أمريكا من الإتفاقية كان متوقعا بعدما كانت هدفا لهجوم عنيف من ترامب خلال الحملة الإنتخابية بسبب التأثيرات السلبية لإتفاقيات التجارة الحرة علي الوظائف والصناعات في أمريكا. لكن ما أثار مخاوف لندن وحلفاء آخرين اعلان ترامب اعتزامه انسحاب امريكا من الإتفاقية «بدون تشاور وتنسيق كاف» مع الدول الأخري الأعضاء في الإتفاقية وعلي رأسهما اليابان التي أنفقت الكثير من رأس مالها الدبلوماسي ومكانتها الإقتصادية لإقناع الدول المترددة بالمشاركة في الإتفاقية.

ويقول مصدر بريطاني مطلع في هذا الصدد:«الرسالة التي ترسلها واشنطن لحلفائها في أسيا وعلي رأسهم اليابان هي أن امريكا ستعطي الأولوية لأوضاعها الداخلية ومصالحها الوطنية. لكن هذا قد يترتب عليه خسائر استراتيجية لامريكا والغرب عموما. فالخاسر الأكبر من انهيار أتفاقية الشراكة عبر الباسفيك هو اليابان، فيما المستفيد الأول هو الصين التي كانت الإتفاقية موجهة أساسا للحد من نفوذها الإقتصادي والأمني في المنطقة. انسحاب امريكا من الإتفاقية سيترتب عليه تداعيات ليست فقط تجارية وإقتصادية، بل أمنية وسياسية أيضا».

لم يكن هذا هو السبب الأول أو الأساسي للتوتر بين الحكومة البريطانية وترامب وفريقه الإنتقالي. فإعلان ترامب عبر »توتير« تفضيله أن يكون زعيم التيار القومي اليميني نايجل فاراج سفيرا للندن لدي واشنطن أثار انزعاجا شديدا في «داوننج ستريت» لخروجه عن كل البرتوكولات الدبلوماسية وإضعافه الضمني لمكانة السفير البريطاني الحالي السير كيم دارك.

وخرجت المؤسسة البريطانية عبر بيان من «داوننج ستريت» وتصريحات لوزراء مثل وزير شئون الخروج من أوروبا ديفيد ديفيز، ووزير الخارجية بوريس جونسون تعلن «ليس لدينا وظائف خالية في سفارتنا في واشنطن» و«سفيرنا يقوم بمهمة ممتازة» لتغلق الباب في وجه مقترح ترامب.

العلاقات البريطانية -الامريكية مهمة للطرفين لكنها تمر، مثل غالبية علاقات أمريكا مع حلفائها الغربيين، بمرحلة غموض حتي تتضح أكثر سياسات ترامب.

فترامب يأتي بحزمة سياسات راديكالية الكثير منها ما زال غامضا، فهو لم يدخل في أي تفاصيل دقيقة خلال الحملة الإنتخابية. وهو يقدم طرحين لم يقدمهما أي رئيس امريكي منذ الحرب العالمية الثانية قد يعيدان تشكيل خريطة التحالفات السياسية والإقتصادية في العالم وهما:

الأول: رفض فكرة «الإستثناء الأمريكي» والدور القيادي الاخلاقي الامريكي للعالم بوصفها الأمة التي لا يمكن الإستغناء عنها وبالتالي رفض مبدأ تغيير الأنظمة، وبناء الأمم، ونشر الديمقراطية أو حقوق الإنسان والميل للإنعزالية والتركيز علي الشأن الداخلي.

ثانيا: رفض العولمة وإتفاقيات التجارة الحرة ودعم سياسات حمائية لإعادة الوظائف والصناعات إلي امريكا.

وهذا الطرح ليس أمريكيا خالصا. فترامب، الذي راقب عن كثب خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، يعرف حجم الغضب والخوف لدي الطبقات الوسطي والفقيرة في الغرب من فتح الأبواب والهجرة وتحرير التجارة والعولمة.

وانتخاب ترامب في أمريكا، ومن قبله تصويت البريطانيين بمغادرة الإتحاد الأوروبي في يونيو الماضي، يمكن اعتبارهما مجريان من النهر نفسه. نهر عام 2008 عندما عاني العالم من ركود أقتصادي كان الأسوأ منذ الكساد العظيم 1929- 1932.

فقد أنفقت الحكومات والبنوك المركزية تريليونات الدولارات لمساعدة البنوك والشركات «الأكبر من أن تفشل». وتعافت البنوك الكبري والشركات الدولية العابرة للجنسية والنخبة المالية والأثرياء ورجال الأعمال. تعافي الجميع بإستثناء 99% من المواطنين العاديين.

وكما يقول المؤرخ الأمريكي جاري جيرستل أستاذ التاريخ الامريكي في جامعة كامبرديج لـ«الأهرام« إن تصويت البريطانيين علي الخروج من أوروبا وانتخاب الأمريكيين لترامب جاء وسط شعور متزايد لدي غالبية المواطنين في أوروبا وأمريكا أن النظام السياسي والمالي «مصمم» كي يعمل ضد مصالحهم. فخلال العقود الثلاثة الماضية وجدت الطبقات العمالية والوسطي في الغرب نفسها تدفع ثمن العولمة وحدها.

والعداء للهجرة والمهاجرين تفاقم في هذا السياق، فالعامل الأمريكي القابع في بيته في دويتريت بلا عمل عندما يقابل مكسيكي في الشارع أول ما يخطر علي ذهنه ربما: لماذا أنت هنا؟. «إنها الهوية والإقتصاد يا غبي» ومن هنا كان تركيز ترامب علي قضية المهاجرين. وانتخابه في هذا السياق بخطابه عن الحمائية وغلق الأبواب ووقف الهجرة كان لا فرار منه.

من الصعب التنبؤ بتأثير سياسات ترامب علي أوروبا وباقي العالم. لكن هناك 4 قضايا أساسية يمكن أن تشكل ملامح رئاسة ترامب ستراقبها العواصم الغربية عن كثب وهي:

أولا: وقف مسار التجارة الحرة وإعادة التفكير في العولمة:

علي خلفية كراهية النخبة والمؤسسة والشك في العولمة وأثارها ورفض الهجرة وأتفاقيات التجارة الحرة، بني ترامب خطابا مصمما لكسب أصوات الطبقات العمالية والوسطي. فترامب يريد إعادة الصناعات التي تعتمد علي كثافة اليد العاملة لتشغيل عشرات الملايين من الامريكيين. هذا يتضمن عودة الدولة القومية بوصفها اللاعب الاساسي علي المسرح الدولي وليس الشركات الدولية العابرة للقومية.

وفي هذا السياق وعد ترامب بزيادة الرسوم الجمركية علي الصادرات القادمة من الصين بنحو 45%، وعلي الصادرات القادمة من المكسيك بـ35%. هذه خطوة راديكالية. لكن قضايا التجارة من الملفات التي يمكن للرئيس التصرف فيها بدون تصويت من الكونجرس.

كما يريد ترامب إعادة التفاوض مع المكسيك وكندا حول قواعد «النافتا»، التي يري أنها السبب في فقد عشرات الالاف من الأمريكيين لوظائفهم بسبب توجه المصانع من أمريكا إلي المكسيك.

وهو أعلن بالفعل في أولوية المئة يوم الأولي لحكمه اعتزامه انسحاب أمريكا من إتفاقية «الشراكة عبر الباسفيك» أو TPP التي وقعها أوباما مع 11 دولة أخري في إطار المحيط الهادي.

أيضا يهدد ترامب بمغادرة امريكا لمنظمة التجارة العالمية التي أصدرت بيانا بعد فوزه أعلنت فيه أنها مستعدة لبحث مصادر قلق واشنطن، خاصة فيما يتعلق بالوظائف في أمريكا. وتواجه إتفاقية التجارة الحرة بين أمريكا وكوريا الجنوبية نفس المصير، فترامب قال إنها كلفت أمريكا أكثر من 100 ألف وظيفة.

ولا يبدو أن إتفاقية التجارة الحرة التي يتم التفاوض عليها حاليا بين أمريكا والاتحاد الاوروبي أو TTIP سيكون مستقبلها أفضل. فالمظاهرات ضدها في الشوارع الأوروبية لا تتوقف. ومع ترامب في البيت الأبيض من المرجح أن يتم تجميد مفاوضاتها.

قد أفادت العولمة الأثرياء والشركات الدولية والعابرة للقومية والبنوك، لكنها أضرت الطبقات العمالية والفقراء حول العالم. فإتفاقيات التجارة الحرة لم تعد تتعلق بإزالة الرسوم الجمركية لتعزيز التجارية الدولية، بل بجعل العالم «فرصة استثمار» لرأس المال العالمي بدون حماية للسكان المحليين أو مراقبة علي أداء رأس المال الدولي وممارساته حول العالم. فبنود الكثير من الإتفاقيات تترك رأس المال الدولي حرا فيما يتعلق بالعقود مع العمالة المحلية، والتعامل مع البيئة، وتعفيه من ضرائب واستحقاقات لا تتوفر للصناعات المحلية.

ولا يقف ترامب وحده علي أرضية رفض التجارة الحرة والعولمة المنفلتة، فاليسار الأوروبي لديه تحفظات مماثلة. لكن معضلة ترامب أن الخيارات يجب أن تكون حصيفة بحيث تمنع ركودا إقتصاديا عالميا أو حرب تجارية مع الصين قد تؤدي إلي اضطرابات سياسية وأمنية خاصة في أسيا.

ثانيا: امريكا لن تكون شرطي العالم

يري ترامب العلاقات الدولية بحسابات المكسب والخسارة. والناتو في رأيه عبء أقتصادي وأمني علي أمريكا، ومنظمة عفا عليها الزمن بعد انتهاء الحرب الباردة وأحد عوامل التوتر غير الضروري مع روسيا.

وخلال الحملة قال ترامب مررا إن أعضاء الحلف، من اليابان إلي كرواتيا، ومن كوريا الجنوبية إلي ليتوانيا، يستفيدون من سخاء أمريكا ويعتمدون عليها لحماية أمنهم من أي تهديدات خارجية بدون أن يدفعوا ثمن هذا. ففي عام 2015 بلغت ميزانية الناتو 900 مليار دولار امريكي، كانت حصة امريكا منها 650 مليار دولار، أي 72%.

وبحسب جون ميرشامير عالم السياسين الامريكي البارز وأحد المنظرين لسياسة «دفاعية واقعية»، فإن غالبية دول الناتو، ليست جزءا من الأمن القومي الامريكي، والدفاع عنها بموجب المادة 5 من اتفاقية الناتو عبء استراتيجي وسياسي وإقتصادي علي أمريكا. وكما يقول:«آن أوان أن تعيد أمريكا الناتو لأوروبا...فهي لم تعد تحتاجه إستراتيجيا». وبدون تغيير جذري في تمويل عمليات الناتو وميزانيته، فإن ترامب سيقف علي الأرضية نفسها. وهذا ما يقلق الكثير من الدول الغربية الأعضاء في الناتو.

ثالثا: الراديكالية الإسلامية العدو الأول

التعيينات القليلة التي أعلنها ترامب حتي الأن ومن بينها اختيار مايك بومبيو، عضو مجلس النواب الأمريكي لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، ومايكل فلين الرئيس السابق لمكتب الاستخبارات التابع لوزارة الدفاع في منصب مستشار الأمن القومي الامريكي، وجيف سيشنس السيناتور الجمهوري لمنصب النائب الأمريكي العام، والإعلامي اليميني ستيف بانون، في منصب كبير المخططين الإستراتيجيين، كل هذه التعيينات تشير بجلاء إلي أن ترامب سيجعل من »الراديكالية الإسلامية« العدو الأول للأمن العالمي لتحل محل روسيا.

كما تشير سياساته وتعييناته إلي أن العلاقات الأمريكية- الأوروبية التي حددت ملامح السياسة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية تدخل مرحلة غير مسبوقة من البرود والتوجس، فتعيين ستيف بانون المعادي لفكرة الإتحاد الأروروبي لا شك أنها أغصبت الكثيرين في بروكسل.

رابعا: رفض الاستثناء الامريكي

بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة توسعت وتمددت أمريكا في العالم عبر آليتين: الرأسمالية والآلة العسكرية لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان. ترامب، الذي يرفض مصطلح الاستثناء الأمريكي ويراه »مهينا« للدول الأخري بحسب تعبيره، ربما يدشن بداية نهاية التدخل الأمريكي بأسم نشر القيم الغربية. إنها أول مرة في التاريخ الأمريكي يصل شخص للسلطة يعلن بشكل علني معارضته للسرد الأخلاقي الذي قامت عليه السياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، من أجل تغيير الأنظمة أو فرض عقوبات وحصار إقتصادي (علي غرار إيران - كوبا- كوريا الشمالية - العراق). وليس هناك مكان في العالم دفع ثمن السياسات التدخلية الأمريكية بإسم الليبرالية السياسية ونشر الديمقراطية والهندسة الإجتماعية أكثر من الشرق الأوسط. ونكوص أمريكا داخليا ربما أفضل ما يحدث للشرق الاوسط، فالأجندة الأمريكية للتدخل دائما ما ميزها هدف أولي وأساسي وهو حماية أمن إسرائيل.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق