رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حبشى

على الفقى
سمعنا مكبر الصوت يطوف المدينة فوق (توكتوك ) يعلن وفاة (حبشي) .. التفتنا بانتباه على تكرار الخبر، بالنسبة لي ولكثيرين غيري من أبناء جيلي ومن قبلنا وبعدنا آخرين ، كان حبشي مؤثرا في تشكيل وجداننا السياسي والوطني وحبنا لقراءة الصحف ،

بصوته الجهوري المميز وهو يجول حول موقف الأتوبيس الواسع ينادى بحرارة ( - اقرأوا الأهرام – محمد حسنين هيكل وبصراحة – أقرا يا نايم لقاءات عبد الناصر بزعماء العالم – صحي النوم على قرارات البطل – حرب الاستنزاف – قتلنا كام واحد اسرائيلى – وقعنا كام طيارة و....) أحببنا (حبشي) وصوته المشبع بنبرة مبحوحة محببة والأهرام وقصص نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس و... وبالطبع ناصر، وتحليلات هيكل التي كنا نحاول فهمها في سن مبكرة. نذهب إلى الموقف لنشترى من حبشي ، ننتظره حتى ينتهي من مساعدة منادى الموقف – العربية طنطا – شالله ياسيد يابدوى ، خمس دقائق والعربية طالعة القاهرة – القاهرة ياجدعان – البندر الكبير – الحسين والسيدة ,,,

جنازة حبشي ليلا بعد صلاة العشاء ، نفر قليل لا يتعدون أصابع اليدين هم الذين ساروا وراءه يشيعونه ، وهو الذي نادى على جنازة عبد الناصر – العربيات كلها القاهرة مجانا – جنازة الزعيم يالله يا رجال يالله يا شباب ، سار الشباب والرجال وراءه ، نزلنا قلب القاهرة نندفع وراء هتافاته كأننا كورس وراء قائد الاوركسترا الحزين نهتف لناصر مستسلمين واثقين لما نردد وراء حبشي .

متى يتم تعيينك في الحكومة يا حبشي .

أول يوليو شهر سبعة تعييني في الأهرام .

الأهرام مرة واحدة يا حبشي .

لن أتسلم اى عمل لا في المجارى ولا نظافة مجلس المدينة ولا عامل في شركة .

يعنى لابد الأهرام ؟ وماذا تشتغل في الأهرام ؟

أنا قابلت الزعيم هيكل ووعدني بالتعيين في الأهرام أول سبعة

وكل عام يؤكد بان أول يوليو آت لا محالة ، ولم يأت يوليو هذا إطلاقا ، ولا نملك إلا أن نضحك ونسترسل معه في أحلامه ونداءاته ، الأحلام التي تراوده من طفولته أيام أن كان يخرج من المدرسة الابتدائية يجرى على أبيه في موقف الأتوبيس، يساعده في رص الجرائد والمجلات الباقية من الصباح يهرع داخل الأتوبيسات بلفة صغيرة من باقي الصحف ينادى بصوت رفيع طويل – الأهراااااااااام أقرا يا مسافر – ثقافة وتسليه و.........

وجه أبيه يتهلل ويربت كتفه وظهره ويعطيه قرش تعريفة ، وربما يكون حبشي نفسه تحصل على زيادة من الزبائن ، محبة في الصغير ، يجرى بسرعة على محل البقال يشترى حلاوة طحينية وجبنه رومي وعيش فينو ، يفرح ويمشى بزهو ، مات أبوه يوم دخوله المدرسة الإعدادية ، ترك المدرسة واستقر على الفرش بجوار الموقف، بكت أمه وهى تنظر إلى صورة أبيه الرمادية الباهتة والتي كبرها حبشي عند المصوراتى ، وطبطبت عليه

- وتشيل الهم بدري يا ابني ، تسيب المدرسة من أولى أعدادي ...

- اقرأوا تفاصيل الثعلب وحرب أكتوبر ، السادات على الجبهة ، الأبطال حطموا خط بارليف – الأبطال حطموا الأسطورة - حطموا جولدا مائير وموشى ديان الأعور اختفى .

كان يتشمم الصحف كل صباح، يملأ صدره بعبق الحبر الذي عشقه ، جدران غرفته مرصعة بناصر وعبد الحليم وأم كلثوم وعبد الوهاب والسادات ، لا أحد يعرف لماذا انفرد بصورة نجاة الصغيرة في الصالة ، وحدها لايشاركها أحد ، وينظم كل جريدة ومجلة برفق ويضمها إلى صدره وهو ينادى.

تهللت نظرات الدكتور (فريد) عندما رآني في الجنازة الفارغة من أهل البلد وربما من جيرانه أيضا.

حبشي عمره مايتنسى من ذاكرتنا

طبعا يادكتور فريد ، لكن أين جيلنا

اختفى حبشي مرتين وحرمنا من سماع صوته وامتنعت عن شراء الأهرام .

- مالك يا حبشي أنت تعبان أو أحد زعلك

-أنا زعلان من الريس ، ما كان يجب أن يضع يده في يد اليهود الذين ليس لهم عهد ولا دين

مثل ما تضايقت لما وافق على وقف إطلاق النار أيام حرب أكتوبر، لكنى تعديتها بمزاجي وبلعتها، لأنه كان ممكن يأكل اليهود أكل عزيز مقتدر.

ياحبشى ، سياسة ..هذه سياسة ، بلاش عبط وقوم شوف أكل عيشك .

اتركوني شوية يا اساتذه لو سمحتم لحد ما أروق .

كان الأسى والضيق يسيطران على ملامحه ، وجهه النحيف استطال وبرزت عظام وجنتيه ،رقبته التي كادت تناطح السحاب انغرست بين كتفيه ، وشعرت بحلقه جافا مثل شفتيه اللتين ظهر عليهما علامات التشقق .

في المرة الثانية كان غيابه بسبب السادات أيضا

أولاد الكلب قتلوا الرجل الطيب الذي عمل كرامة للعرب كلهم، لا تتعجبوا، أنا فهمت.. الحرب في وقت ، والسلام في وقت .. والخوف على الشعب والجنود في كل الوقت .

لست أدرى .. تخيلت أننا سنرى في الجنازة رمزا للصحف، سواء على النعش ذاته أو أثناء الدفن، أنه سيكفن مثلا في أوراق الجرائد، أو أن القبر سيكون مفروشا بالصحف والمجلات التي كان ينادى عليها حبشي بأعلى صوته.. يجوز هذا التخيل جذبني إلى الواقعة القديمة يوم زفافه عندما علق الصحف والمجلات بدلا من الأعلام والبيارق على الحوائط ، وأحاط بهذه الصحف الكوشة ، خاصة التي تبرز صور عبد الناصر والسادات وهيكل، الكوشة المحيطة والتي تزين بها موضع العروسين على كرسيين في صالة بيت قديم واسع من بيوت الحارة .

لم ينجب حبشي ليكون له جذور، ولد يمارس المهنة العظيمة – كما كان يسميها - كما لم يمرض حبشي ليموت، كما قادنا وهو في عز شبابه في جنازة ناصر، قاد مسيرة وهو في شيخوخته أثناء يناير، اخترقت صدره رصاصة في شارع الجلاء و... ودعنا حبشي وتركناه وحيدا في قبره المعتم ، عدنا نطأطئ رؤوسنا تارة ، وننظر إلى أنفسنا والى بعضنا البعض بنظرات تتحدث في صمت .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق