رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عندما تدق الساعة

عبدالرشيد محمودى
لماذا أطفأت التلفزيون دون أن تسألينى؟ ألم يكن من الأفضل تركه ليشغلنا عن هذا الصمت الرهيب الذى حل بيننا؟ بعد قليل ستدق ساعة البرج لتعلن انتصاف الليل بين نهاية سنة وبداية سنة أخرى، وكان المحتفلون بالسنة الجديدة

سيظهرون على شاطئ النهر وهم يتبادلون القبل تحت سماء تتوهج بالألعاب النارية وتنهمر منها الشهب وعناقيد من النجوم. كان بودى أن نستحضر معا ما كان منذ عامين. قد تدفعنا الذكرى إلى التراجع عن الخطوة الأخيرة نحو الهاوية. من الواضح أنك قررت ألا نواجه المشهد وأنت أمامى لا يفصل بيننا إلا هذه المائدة. فى نفس الساعة منذ عامين كنا بين المحتفلين على شاطئ النهر واندفعنا كل منا نحو الآخر لنقتطف القبلة الأولى. أردت الآن محوها من سجل الذاكرة ومن الزمن. أردت أن تسقطى من الحساب تلك العلامة على أن صداقتنا تحولت إلى حب، أن تلغى تعاهدنا بها على أن الحب بيننا دائم. كانت قبلة غير عادية. الناس يتبادلون القبل فى كل الأوقات، وقد يتبادلونها عن طيب خاطر مع أقرب شخص يتصادف وجوده فى الزحام عندما تدق ساعة البرج. وقد لا تبقى آثار التحية أكثر من ثوان أو دقائق يعود بعدها الطرفان كل إلى مكانه السابق. أما قبلتنا تلك، فقد أعلنت عن نفسها كحالة استثنائية. وهكذا يكون الحب أحيانا. به تقبل الدنيا ويبدأ زمان جديد، زمان مفتوح إلى ما لا نهاية لاثنين معا. وذلك ما أكدته الآيام التالية طيلة سنتين. ونحن الآن معا لا يفصلنا إلا هذه المائدة، ولكننا لسنا معا. سنفترق – بل لقد افترقنا كما قلت- دون أمل فى عودة. ولا قيمة للوقت المتبقى قبل أن تجمعى حاجياتك وترحلى. هو وقت مفقود، هو فجوة فارغة، هو أرض فضاء موحشة، هو الكارثة فغرت فاها. ستذهبين إلى السرير، وسأستلقى على الكنبة فى انتظار نور الصباح. ولا قيمة للوقت الذى سنقضيه فى الانتظار. وهكذا تكون نهاية الحب أحيانا. بها تتولى الدنيا عن بعض الناس – كما أقبلت ذات يوم، ذات ساعة، عندما التقى العقربان فدقت الساعة لتنثر النجوم. أنت أمامى، فى متناول يدى. ولكنك لا تتفوهين بكلمة ولم يعد لديك ما يقال وسكوتك الحاسم يمنعنى من الكلام. لا أدرى ماذا يدور داخل رأسك بعد أن اتخذت القرار. لا يبدو أنك حزينة. لا أرى إلا تلك النظرة الجامدة. فيم تفكرين؟ من أنا الآن فى نظرك؟ لا جدوى من سؤالك، فأنا أعرف الجواب. يبدو أننى لم أعد موجودا، أصبحت شخصا غريبا، أعدتنى إلى موقعى السابق. أما أنت، فما زلت أنت، كما كنت منذ عامين، ولم تصبحى جزءا من الماضى. ويقول قلبى إنك حاضرة وإنك لن تزولى. وما زلت جميلة، بل لقد ازددت جمالا زيادة فى النكاية، وحتى تكون الطعنة قاسية والجرح غائرا. كم أود أن أمد يدى لأمسك بيدك أو لألمس وجنتك. هل أنحنى وأقبل كفك كما كنت أفعل لأقول: أنت نعمة من نعم الله مثل السعادة التى تشع من وجهك؟ ولكن توجد أمامى نظرة جامدة – صخرة – تقف فى طريقى وتصدنى بقوة. ولماذا يشعر ابن الخامسة والعشرين بالكهولة؟ كأنها ألقت بثقلها على كتفيه. شبابه بدأ منذ عامين عندما دقت الساعة. وانتهى هذا المساء قبل أن تدق. وسيعلن الخبر بعد قليل.

- أنت أمامى تذكريننى بسنتين ضاعتا من عمرى. كانت أمى تعلم منذ البداية. كانت تقول: لم ينضج بعد. هو كأبيك بطيء النمو. ويقول أبى: أنت تظلمين الفتى. ما زال فى أوائل العشرينيات من عمره. طالب فقير لم ينته بعد من تحضير الدكتوراه. لكنه عالم اقتصاد متميز، وأنا متأكد من أنه ينتظره مستقبل باهر. وهو وسيم ومتحدث لبق وإنسان اجتماعى من الطراز الأول. لنعطه فرصة حتى يتخذ القرار المناسب فى الوقت المناسب. فتقول أمى: تعنى أنه متحدث لبق مثلك؟ أنت تجلس معى بالساعات، فلا تنطق بكلمة. لولا الكلب والتلفزيون لمت من الوحدة. ويتظاهر أبى بأنه لم يسمع فيقول: وهو فنان. ألا تريانه عندما يجلس إلى البيانو ويعزف مغمض العينين؟ وتضحك أمى: مغمض العينين عبارة مناسبة. الولد لا عيب فيه سوى أنه حالم. فيرد أبى: ما زال طالبا فقيرا، وبعيدا عن بلاده، وأمامه شوط طويل. وفيم العجلة؟ وتقول أمى: اسأل بنتك. ويقول أبى: ولماذا لا أسألك أنت؟ أنت تشجعينها على التعجل. كم سنة قضيناها أنا وأنت مخطوبين؟ وترد أمى: آه. لا تغالط. كنا مخطوبين... رسميا. لماذا لا يخطب بنتك إذن؟ ويتساءل أبى: وهل ينبغى أن يخطبها... رسميا؟ ألا يكفى أن بينهما علاقة جادة ... بقدر ما نعلم؟ فتقول أمى: ذلك ما تريده بنتك. وها هى أمامك، لماذا لا تسألها؟ وأبى لا يسأل، بل ينصرف متأففا. كان يحبك. ولكن أمى كانت على حق. النساء واقعيات. وأنا شخصيا أعتقد أن النساء أذكى من الرجال. لم يظهر بينهن حتى الآن آينشتاين ولا بتهوفن. ولكن من هى الأم التى تريد لبنتها واحدا من هؤلاء؟ الرجال لا يعرفون شيئا عن الحياة. وأنت لم تستطع أن تستميل أمى إلى صفك حتى عندما عزفت وغنيت فى عيد ميلادها أغنية ستيفى وندر «هابى بيرث دى تو يو». لفت ذراعها حول عنقك وقبلت وجنتك شكرا. ولكنها بعد انفضاض الحفل قالت: «لا تنسيا. الولد يريد أن يعود إلى بلاده. وأنا أريد لبنتى الوحيدة أن تتزوج بالقرب منى. ويا حبذا لو تزوجت فى هذا الحى، أو فى هذا البيت. لدينا غرف كافية. ولدينا حديقة. قالتها دون أن تسألنى عما إذا كنت أريد أن أتزوج من رجل أجنبى وأرحل معه إلى بلاده. كانت تعرف ما أريد. وكنت أعرف ماذا تريد... منذ البداية. من مزاياك فى نظرها أنك محب للحيوانات، أن كلبها عندما يراك يبصبص بذنبه مرحبا، وإذا جلست، قفز ليجلس بجوارك أو على ركبتيك، فتحتضنه ولا تصده كما أفعل أنا أحيانا. وكنت أحبك وكنت أحلم. فى يوم من الآيام سيغيرك حبى وستقرر البقاء هنا معى، ومع أبوى. وستتيح لنا الفرصة لنعيش معا حياة عادية. ما العيب فى حياة عادية... مثل سائر الناس؟ أبى يحبك. وأمى ستحبك إذا قررت البقاء معنا، ولم تفرقنا. وستكون لنا طيلة السنة احتفالات بأعياد الميلاد، وطورطات وشموع، وفساتين جميلة للبنات. وتقول أمى: شاب لطيف وموهوب. ولكن انظروا إليه. لا يستطيع حتى الآن قيادة سيارة. البنت هى التى تصحبه فى سيارتها فى كل مكان. أما أنا، فكانت لدى أسبابى لأسعد بهذا الوضع: أنا السائق وأنت الباشا. كنت تحب الريف والغابات والتلال والأبقار التى ترعى، وكلاب حراسة الغنم. ولا ترى مزارعا أو راعى غنم حتى تطلب إلى التوقف، وتنزل لتحادث الرجل أو المرأة وتتودد إليه أو إليها. وكم عدد أبقارك أو خرافك؟ ومن أى سلالة؟ وكم تنتجون من الصوف والألبان؟ وهل تصنعون الجبن هنا فى الموقع؟ وهل تشاركون فى المعارض الزراعية؟ وكلابكم، كيف تدربونها على حراسة القطعان ومطاردة الخراف الضالة؟ ويطيب لك السهر مع المزارعين فى حاناتهم، وتحب طعامهم إذا دعيت إليه. وتقول لى بين الحين والآخر: هذا جزء من الموضوع الذى أدرسه. جميل. هنيئا لك. وهنيئا لى لأننى أعلم أن هذه هى الحياة العادية، وأن فى أعماقك رجلا عاديا يظهر أحيانا، وأنك تعشق هذه الطبيعة السخية فى بلادنا. ولا تكره البرد ولا المطر ولا ثلوج الشتاء، ولا تجد غضاضة فى الخوض فى الوحل. ولا تحب من برامج التلفزيون إلا الوثائق الخاصة بحياة البرية وصون الحيوانات المهددة. وأنت تحب الأطفال والحيوانات. وتحب بلدنا، وتجيد لغتنا. ومن لا يعرفك لا يمكن أن يخطر على باله أنك لست منا. لقد أصبحت منا. فلماذا لا تذهب إلى عملك – وستجد عملا هنا بسهولة – وأذهب أنا إلى عملى أو أبقى فى البيت أنتظرك، فأنا فى النهاية لا يعنينى العمل خارج البيت، وليس لى من طموح سوى أن أكون لك ولأطفالى منك- ونعيش معا هذه الحياة العادية؟

- لا أدرى سبب الشجار بسبب وبدون سبب. لماذا التعليق على كل شيء مهما كان تافها. لماذا لا تكفى عن لكز ركبتى تحت المائدة كأنما تعترضين على كل ما أقول. لم يكن ذلك مألوفا فى البداية. لم أكن أسمعك تتأففين أو تضيقين بى أو تصرخين فى وجهى. كان هناك انسجام كامل. فما الذى حدث؟ تغير ذلك فى الشهور الأخيرة. والحقيقة أننى لم أكن حريصا على قضاء ليلة الكريسماس ويوم الكريسماس معكم. كان يكفينى يوم الكريسماس وحده، وهو طويل. وأنا أكره كثرة الأطعمة والحلوى والمشروبات. ولم أكن أشعر برغبة فى الاحتفال على أى حال. الاحتفال فى مثل هذه الحالة – حالة التوتر بينى وبينك - لن يكون إلا نوعا من المجاملات والحرص على المظاهر. حاولت التملص، ولكنك أصررت، لآن الكريسماس مناسبة خاصة كما أخذت ترددين. ولبيت الدعوة على مضض. فما الذى حدث؟ لماذا صرخت فى وجهى ونحن بمفردنا فى غرفة الجلوس بسبب هدوئى؟ أحيانا لا أشعر برغبة فى الكلام. ولم يكن هناك من سبب آخر.

- روى أبى ما حدث عندما كنتما فى المطبخ. قال: سنعطى السيدات اليوم إجازة من الطهى وغسل المواعين. سأكون أنا الشيف، وستكون أنت مساعدى. إليك بالمريلة. ثم استدرك معتذرا: أو لتكن أنت الشيف وأنا المساعد. فكيف تطبخون الديك الرومى فى بلادكم؟ وما هو الحشو؟ وقال لك أثناء العمل: أرجوك ألا تغضب من البنت. ولا تلق بالا إلى تلك السخافات. لا تدعها تصرفك عن الحقيقة. فأنتما أصدقاء. وأنتما جادان، ونحن سعداء بذلك. والبنت قلبها من ذهب. وهى أحيانا لا تعنى ما تقول. ونحن نشعر أنك أحد أفراد العائلة.

- ليس صحيحا أن هدوئى لم يكن لأى سبب آخر. كان هناك ضغط على لكى أتخذ قرارا حاسما بشأن مستقبلنا معا. وكنت أنت وأمك تريدان لى أن أبقى معكم فى هذه البلاد. وهو وضع جميل لو أننى استطعت أن أتخلى عن فكرة العودة إلى وطنى. وكانت أحاديثك التى لا تنقطع عن الحياة العادية، وعن الكريسماس بوصفه مناسبة خاصة، تلح على كأنها مطارق تهوى على رأسى لكى أتخذ بسرعة ذلك القرار. فأشعر باليأس. وأشعر أننى أظلمك إذا انتقلت بك إلى بلدى، وهو بلد صعب. ابتساماتك تنبع من قلبك. لا يراها أحد إلا ويدرك أنك سعيدة بحياتك هنا، لا ينقصك شيء. أنت زهرة نضرة فى موطنك. ولا ينبغى لتلك السعادة أن تذوى.

- كنت أتمنى أن يكون وجودك معنا فى فترة الأعياد وقضاؤك الليلة فى بيتنا فرصة مناسبة لإعلان الخطبة. كان إعرابا عن القبول، وما عليك إلا أن تطلب فتجاب. كنت أحلم. نحن وحدنا فى غرفة الجلوس. أبى وأمى فى الطابق العلوى لم ينزلا بعد. ربما كانا يتلكآن. ربما أرادا أن يتركا لنا فترة للانفراد قبل بدء الاحتفال. وكنت أنا لا أكف عن الثرثرة كما يحدث فى بعض الأحيان، ولكن الثرثرة كانت تجرى فوق حلم جميل وشعور بالرهبة. كنت ستمسك بيدى فجأة، فأتوقف عن الكلام، وأفتح عينى وقلبى فى دهشة. وكنت ستميل نحوى لتهمس: أنا أحبك. لماذا لا نتزوج؟ وكنت سأبكى فرحا. وعندما يأتى أبواى كانت الخطبة ستعلن. ولكن ثرثرتى استمرت وأنت محتفظ بهدوئك لا تتفوه بكلمة. وأنت لا تفهم. ولا تريد أن تفهم. كنت أحلم وأشعر بالرهبة فى نفس الوقت. أمى لا تريد لبنتها الوحيدة أن ترحل إلى بلد آخر. تريد أن ترى لنفسها أحفادا من حولها فى شيخوختها. وأنا أود أن أحقق لها أمنيتها. هذه هى الحياة العادية. ولكنى كنت أعلم فى نفس الوقت أنك لو تزوجتنى وأنجبت منك طفلا، إذن لحدث ما أخشاه. كنت ستضعنى فى سلاسل وأغلال. كنت سأتبعك إلى بلدك أو إلى أى بلد. لم تكن أمى لتقف فى طريقى. ولم يكن ليفصلنى عنك أى اعتبار. كنت سأتخلى عن أمنياتى القديمة. وكنت سأتخلى عن كل شيء - عملى وأهلى وبلدى – لأذهب معك. ولكنك لم تتحرك. ولم تتفوه بكلمة. خيبت ظنى، وبددت أحلامى. وأنت رجل. والرجال لا يفهمون. هم للأسف مصابون ببطء النمو.

- ساعة البرج دقت. أعرف ذلك دون أن أنظر فى ساعتى. السماء على شاطئ النهر أخذت تتوهج. ولن أفوز منك بقبلة. ولن تتمنى لى سنة جديدة سعيدة. ولكنى أقولها لك وليحدث ما يحدث: سنة سعيدة جديدة يا حبى. أنت السعادة كلها. وأراك تغمغمين.

- سنة ... كلا، كلا... يا إلهى، لا أريد أن أتصدع... لا أستطيع، لا أريد، أن أبكى أمامك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق