رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الحلول الحقيقية للأزمة

د. أحمد صقر عاشور
د. أحمد صقر عاشور
يقع الاقتصاد المصري الآن في مفترق طرق بمناسبة الأزمة الاقتصادية الراهنة، فإما أن يتعافى ويستأنف النمو ويقوى ويتقدم، وإما أن تتفاقم وتتعمق الأزمة مما ينذر بعواقب اقتصادية وسياسية واجتماعية وخيمة.

ويتوقف الأمر على الحلول التي يتم انتهاجها ومدى تعاملها مع الأسباب الحقيقية للأزمة وليس مع أعراضها. فانهيار قيمة الجنيه أمام الدولار، وتضخم عجز الموازنة العامة، وتفاقم الدين العام الداخلي والخارجي، وتزايد عجز الميزان التجاري، وارتفاع الأسعار، وبدء اختفاء بعض السلع الاستهلاكية الأساسية من الأسواق؛ تمثل كلها أعراضا للأزمة، تكمن وراءها أسباب وعوامل أعمق تتعلق بتوجهات ومنهج إدارة السياسات الاقتصادية وضعف آليات تنفيذها عبر أربعة عقود، فضلا عن الظروف المضطربة التي مرت بها مصر بعد ثورتي 25 يناير و 30 يونيو.

هناك حاجة إذا لاتخاذ حزمة من الإجراءات العاجلة خلال الأشهر الستة القادمة لحماية قيمة الجنيه وللسيطرة على الأسعار وضبط الأسواق ومواجهة ندرة بعض السلع ولتوفير موارد لاستيراد مستلزمات الإنتاج والسلع الاستهلاكية الأساسية. لكن هناك ضرورة ماسة لإدخال تغييرات وإصلاحات واسعة في المدي الأبعد على السياسات الاقتصادية وعلى الهياكل والآليات التنفيذية لهذه السياسات.

أولا: الإصلاحات للمدى القصير. ينبغي أن تستهدف هذه الإصلاحات تقليل عجز الميزان التجاري من خلال خطة عاجلة وطموح لدعم وزيادة الصادرات لتنمية موارد العملات الأجنبية، وخفض الطلب على الدولار من خلال ترشيد الواردات وقصرها خلال السنة القادمة على السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج، ووضع ضوابط ورقابة مشددة على التحويلات الخارجية والسياحة الخارجية، ورقابة مشددة على تدفقات الجنيه من الخارج مع العائدين والزائرين مثلما تفعل أغلب الدول ومنها الولايات المتحدة الأمريكية مع تنشيط وتفعيل دور فروع البنوك المصرية في الخارج حتى تتم التحويلات منها بالعملات الأجنبية بصورة رسمية ونظامية، وأن يكون استخدام بطاقات الائتمان في الخارج مغطى بأرصدة من العملات الأجنبية. ويمثل التوسع في عقد اتفاقات للتعامل التجاري مع بعض الدول بالجنيه مثلما تم مع الصين مؤخرا وسيلة هامة هنا. سيتطلب الأمر أيضا تدخل الحكومة بقوة كفاعل ومنظم ومراقب في بعض الأسواق الأساسية التي وقعت في براثن الاحتكارات، وذلك بقيامها بالاستيراد وطرح السلع الأساسية من خلال المجمعات والمتاجر المعتمدة والرقابة على سلاسل التوريد والتوزيع لها مع تفعيل استخدام بطاقات التموين مقترنا بتشديد الرقابة عليها. هناك ضرورة أيضا لمراجعة سياسات وأدوات البنك المركزي في السيطرة على التضخم وضبط العرض النقدي من الجنية والإدارة الذكية لأسعار الفائدة والرقابة على التعاملات الخارجية التي تجريها البنوك مع تشجيع التعاون فى المعاملات المصرفية فيما بينها خاصة في ظروف الأزمة الراهنة. كما يتطلب الأمر الترشيد الشديد في الإنفاق الحكومي، وكذلك إعادة جدولة وتأجيل تنفيذ بعض المشروعات القومية غير ذات العائد المنظور أو السريع.

ثانيا: الإصلاحات في المدى المتوسط والطويل. تنتمي هذه الإصلاحات إلى ثلاثة مستويات، أحدهما استراتيجى، والآخر قطاعى، والثالث هيكلي ومؤسسي.

(1) يتطلب الإصلاح الاستراتيجي للسياسات الاقتصادية أن تنبع هذه السياسات من رؤية تنموية تقوم على تحسين مستوى المعيشة والدخل الحقيقي والقدرات الاقتصادية والخدمات الأساسية (التعليمية والصحية والمرفقية) للمواطنين خاصة الطبقات الفقيرة والمناطق المهمشة مع زيادة قدرات القطاعات الإنتاجية وزيادة تنافسيتها داخليا وخارجيا بصورة جوهرية، وأن يتحقق توازن بين دور آليات السوق التي تستند إلى المنافسة، وبين دور الدولة في الرقابة على الأسواق، والتدخل لتحقيق التوازن.

(2) أما إصلاح السياسات القطاعية فيتعلق بما ينبغي أن يدخل على السياسات النقدية والمالية والإنتاجية والتجارية، من تغيير في توجهها وأدواتها. وقد لا يتسع المجال هنا لاقتراح ما يتعلق بكل واحدة منها، ونكتفي بإعطاء بعض الأمثلة للدلالة على المطلوب الذي يمثل في مجمله تغييرا في التوجه والتفكير خارج الصندوق. وكأمثلة في مجال السياسات النقدية والمصرفية، هناك حاجة لتحسين تنافسية القطاع المصرفي ككل وتطوير أدواره ودور البنك المركزي في إدارة السياسات النقدية بالتنسيق مع القطاعات الاقتصادية الأخري خاصة سعر الفائدة والإصدار النقدي والائتمان المصرفي والسيطرة على التضخم والرقابة على المعاملات المصرفية الداخلية والخارجية، مع الحاجة للتحول في الاحتياطي الأجنبي إلى نظام سلة العملات. وهناك حاجة لإنشاء بنوك تتخصص في تمويل ودعم المشروعات الصغيرة، وإلى توسيع قاعدة التعامل مع القطاع المصرفي باستحداث آليات لتشجيع التعامل بالشيكات والمعاملات التجارية من خلال البنوك وصرف الرواتب لكل المؤسسات (عامة وخاصة) أعلى من حد معين من خلال حسابات مصرفية وتشجيع استخدام البطاقات المصرفية المدعومة بأرصدة. وفيما يتعلق بالسياسات المالية، فهناك حاجة للضرب بيد من حديد والتصدي الحاسم للفساد لردعه واسترداد عائداته لأنه يمثل هدرا هائلا في مالية الدولة. وفي جانب الإنفاق هناك ضرورة للتحول إلى نظام موازنة الأداء والبرامج الذي يمكن من تخطيط النتائج المطلوب تحقيقها من مخصصات الإنفاق وقياسها والمحاسبة عليها، وكذلك تحقيق شفافية الموازنة،. وفي جانب الإيرادات هناك ضرورة لإدخال إصلاحات لتكون ضريبة الدخل تصاعدية مع استحداث ضريبة على الأرباح الناجمة من المعاملات الرأسمالية مثل البورصة وبيع وشراء العقارات والأراضي وغيرها من التعاملات الرأسمالية، وتنظيم وضبط أوضاع الحسابات الخاصة، وتبني خطة قوية للقضاء على التهرب الضريبي، وتسريع عمليات تقنين ملكيات الأراضي وطرح أراضي الدولة للمستثمرين. وبالنسبة للسياسات الإنتاجية، هناك ضرورة لأن تتوجه هذه السياسات لتحقيق أهداف محددة تتعلق بتلبية احتياجات السوق المحلية والإحلال محل الواردات، وتحسين تكلفة وكفاءة وجودة المنتج وإتاحيته، وتطوير تكنولوجيا الإنتاج، وإنتاجية عناصر الإنتاج، مع إعطاء أهمية لتحسين القدرات التصديرية لقطاعات إنتاجية مختارة خاصة في الصناعة مع تلقي الدعم الذي يحقق هذا، وتنمية دور ومشاركة المشروعات الصغيرة والمشروعات الناشئة التي تقوم على ابتكارات.

ثالثا: الإصلاح الحكومي والمؤسسي. لن يمكن تحقيق ماسبق إذا ظلت هياكل الدولة والحكومة والنظم التي تعمل بها والقيادات التي تديرها على ماهي عليه. فهناك ضرورة لإدخال تغييرات جوهرية في هيكل الحكومة لضغط عدد الوزارات والوزراء الى 25 وزيرا بحد أقصى، لتحقيق تكامل السياسات وبحيث تشكل مجموعات نوعية مترابطة منهم ينسق أعمالها نائب رئيس وزراء (ومنها بالطبع مجموعة للاقتصاد والانتاج)، مع استحداث مجلس أعلى للسياسات الاقتصادية. كما يتطلب الأمر إعادة هيكلة علاقة الحكومة بالمحافظات لنقل الكثير من السلطات والمهام المركزية إلي المحليات وتفعيل المناطق الاقتصادية التي تضم محافظات متجاورة وتحقق تكاملا اقتصاديا بينها مع منح الأخيرة استقلالية وسلطة لتنمية مواردها الذاتية، وتقوية منظومة مساءلتها أمام المجالس المحلية والمواطنين المحليين والجهات الرقابية. سيتطلب الأمر أيضا خطة قوية لإصلاح نظم الإدارة الحكومية على المستويين المركزي والمحلي، من خلال الإدارة بالأهداف المستندة إلى النتائج، وإدخال تطوير جذري في هياكل الأجور والحوافز لترتبط بالأداء والنتائج المتحققة، وإعادة هيكلة وتطوير منظومة وهيئات الرقابة ومكافحة الفساد. وهناك حاجة ملحة لتحسين بيئة الاستثمار ومناخ الأعمال وتطوير الإطار اللائحي المعيق لمبادرات وأنشطة الاستثمار والأعمال، وعلى مصر أن تتعلم من نظم الدول التي تتصدر مناخ وبيئة الاستثمار في العالم لتنمية نصيبها منه. ولا يتصور أن يتحقق ناتج من كل هذا دون إدخال تطوير شامل على نظام ومعايير اختيار وتحفيز ومحاسبة القيادات العليا والوسطى، فلا شك أن تجارب عقود من تعثر وتواضع النتائج خير برهان على هذه الحاجة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق