رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

كلب اسماعيل

إبراهيم عبد المجيد
وقف ينظرحوله ويقول فى نفسه « كل شئ كما هو فلماذا ينظرون إليَّ ويضحكون ويندهشون « لم يكن يتخيل أبدا أنه سيأتى يوما ما إلى هنا . ما أكثر ماعبر فوق هذا الكوبرى الذى لم يعرف سببا لاسمه أبدا , «كوبرى التاريخ», راكبا الترام أو الأوتوبيس أو سيارته بعد أن صارت له سيارة . كان يدرك أن الكوبرى تم توسيعه مع الزمن ,

لكنه اليوم يدرك أن لا شئ تغير حقا فى الطريق غير الزحام . البيت الوحيد الرفيع جدا على يمينه وهو قادم من ميدان مينا البصل الصغير كماهو لم يتغير . مبانى شركات القطن لم تتغير ولا لونها القاتم الذى يوحى بالقدم . لكنه ظل ينظر حوله إلى الفضاء ويرفع عينيه إلى السماء والناس بدأت تنصرف عنه مندهشة متحيرة وبعضها مشفق عليه وبعضها يعود إليه ويقف دون كلام . كيف حقا لا يعرفون الرجل الذى اشترى منه الكلب . لم يكن وحده . كان معه صديقه الاسود الذى كانوا يسمونه إسماعيل بَلَك . وغالبا يكتفون ببَلَك وحدها وإسماعيل لا يتضايق . هما الإثنان اشتركا فى تربية الكلب الأبيض الصغير الذى تتفرق على جسده النقط السوداء الجميلة . كانت كلبة أحد الجيران قد ولدت وأخذا هما كلبا من أولادها يربيانه . فكرة مجنونة استبدت بهما وهما طفلان . رأى أبو كل منهما فى الأمر شيئا لطيفا ينشغلان به عن اللعب والشقاوة . كانا يسقيان الكلب لبنا ويطعمانه حتى كبر . صارا يقفان فى الشارع ويطلقانه فيجرى ثم يناديه أى منهما فيعود جريا ويلتقطه أى منهما ويحتضنه . لم يكن الكلب يستجيب لأى شخص غيرهما مهما قدّم له من طعام . صار إذا حمله أحدهما ينظر إلى الثانى فى شوق وراحة , حتى جاء أحد أصدقاء أبى اسماعيل بَلَك يزوره . رأى الكلب الجميل . رأى إسماعيل بَلَك يرفعه عاليا ويضحك وهو يتركه فى الفضاء ثم يلتقطه . سأله فجاة :

- بكم تبيع هذا الكلب ؟

ولم ينتظر إجابة فاستطرد :

- إبنى اسماعيل يحب الكلاب وأريد أن أشترى له كلبا .

قال اسماعيل:

- ليس ملكى وحدى . انتظر حتى أنادى اسماعيل !

أدرك الرجل أن صديقه يحمل أسمه هناك ثلاثة يحملون اسم اسماعيل الآن . ابنه واسماعيل بَلَك واسماعيل صديقه !, وشرح له أبو اسماعيل بَلَك الأمر وكيف يشتركان فى تربية الكلب . ناداه بَلَك من البيت القريب ووقفا معا أمام الرجل الضيف ينظران إلى بعضهما ويبتسمان . أنه لا ينسى ذلك . كيف حقا صار للكلب قيمة . هما لم يتخيلا أنه يمكن أن يشترى منهما أحد الكلب الصغير . سألهما أبو إسماعيل بَلَك :

- لم لا تقولان بكم تبيعانه .

كانا لايزالان على وقفتهما المندهشة فقال الرجل الضيف:

- أنا أقول . سأعطى لكما عشرة صاغ مرة واحدة تدخلان السينما وتنبسطان .

ظلا ينظران إلى بعضهما ويضحكان فقال الرجل :

- المهم تأتيا معى إلى البيت حاملين الكلب حتى لايهرب منى . واضح أنه يحبكما .

مشيا معه يحمل كلاهما الكلب بعض الوقت ويضحكان . المسافة ليست بعيدة من شارع قنال المحمودية إلى منطقة القبارى حيث يسكن الرجل فى مساكن السكة الحديد الواقعة تحت كوبرى التاريخ . هنا يقف إسماعيل الآن ويتذكر صديقه اسماعيل بَلَك الذى لم يوفق فى التعليم وانتهى به المطاف كمسارى فى قطارات السكة الحديد ولايعرف أين هو الآن . إسماعيل بَلَك كان أكبر منه بعام . المهم أن يكون حيا فى مكان ما . لايستطيع أن يتخيله هرما مثله . كان اسماعيل بَلَك وهو صغير يحب فى الصيف أن يظهر ببنطلون البيحامة وليس فوقه شئ ويستعرض صدره العريض وعضلاته النامية ويلعب معهم البلى والنحل وكرة القدم ولم يكن موهوبا فى أى لعبة منها , لكنه كان كثير الغضب حين ينهزم ولايعترف أبد أنه لا يجيد اللعب . يبتسم «إسماعيل «. لا ينساه أبدا . لا إله الا الله . هذه هى مساكن السكة الحديد تحت كوبرى التاريخ كما هى فلماذا يندهش الناس من أسئلته . بل أن شجرة التوت كماهى فى مكانها ضخمة مورفة . أخذ الرجل منهما الكلب وأعطاهما ورقة بالعشرة قروش وقال فجأة :

- انتظرا . ماذا ستفعلان بالنقود ؟

قال هو :

- سندخل السينما .

- جميل . أى سينما ؟

قال هو :

- سينما فؤاد فى شارع فؤاد .

ضحك الرجل وقال :

- طيب . خذا ابنى اسماعيل معكما . العشرة قروش ستكفيكم .

خرج إسماعيل ابن الرجل مشترى الكلب من باب هذا المنزل مرتديا شورت وقميص . لاينسى هذا . مشى الثلاثة معا . ركبوا الترام الى محطة مصر ومشوا من محطة مصر الى شارع فؤاد عبر شارع النبى دانيال , ويضحكون لأنهم الثلاثة يحملون إسم إسماعيل . رأوا فيلمين . «شبح فرانشكتاين» وفيلم اسمه «رودان» عن فنان عرف فيما بعد أنه من أعظم النحاتين الفرنسيين . بل زار فى متحف الأورسوى فى باريس القسم الكبير المخصص لمنحوتاته . يذهب كثيرا إلى فرنسا ويزور كثيرا الأورسوى وكلما وقف بين منحوتات رودان تذكر الكلب الذى كان ثمنه طريقهم إلى السينما ومشاهدة الفيلم .

- لا . أبدا . لقد اشترى أبوه منى كلبا أنا وصديقى إسماعيل وأرسل ابنه اسماعيل معنا فدخلنا السينما معا بسعر الكلب !

ينظرون إليه فى حيرة ودهشة . صديقه اسمه إسماعيل ويبحث عن أبى إسماعيل ! ينصرف بعضهم وهو لا يتحرك من مكانه .

- كيف لا تعرفون شيئا عن الكلب . لقد اشتراه أبو اسماعيل منا عام 1958 تقريبا . قابلت إسماعيل بعد ذلك بسنين وأخبرنى أن الكلب لما كبر توحش وأحد السكان هنا قام بوضع سم له فى الطعام .

- يعنى مات . خلاص . أبو اسماعيل أيضا لابد مات كما أن اسماعيل استشهد . لماذ ا لا تسأل صديقك اسماعيل ؟

تردد قليلا ثم قال :

- مات .

لايعرف كيف قال ذلك . لكنه أردف :

- لا أعرف بالضبط .

- آسفين لا نستطيع أن نساعدك ؟

قال ذلك أحدهم .

وقف حائرا لا يشعر إلا بنسمة الهواء التى توسع حوله الدنيا . يتركه بعضهم من جديد يضرب كفيه فى بعضهما فى دهشة حتى أصبح وحده . لا يرى أى شئ حوله إلا شجرة التوت العجوز تدعوه أن يجلس تحت ظلها قليلا يستمتع بهواء أكثر حنانا . ويريح جسده المنهك الذى لم يعد قادرا على الوقوف كثيرا .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق