رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«الديمقراطية المباشرة» .. مقاصد ونواقص

يسرا الشرقاوى
بعد استفتاءات كولومبيا والمجر، ومن قبلهما استفتاء الخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبي، احكمت صيحة «الديمقراطية المباشرة» رواجها فى مجال اتخاذ القرار دوليا، حتى لا يكاد يوما يمر إلا كان وراءه استفتاء شعبى يتم التجهيز له، أو آخر تتم مناقشة نتائجه. ويفترض أن يكون فى هذا غاية أمنيات أهل الديمقراطية، لكون تفوق «الاستفتاء المباشر» على باقى أدوات التعبير عن رأى الأغلبية، مثل الانتخابات، والمداولات البرلمانية وغيره، يعد ترجمة فعلية ودقيقة لفكرة «حكم الشعب».

بمعنى أوضح، يُمكن الاستفتاء المباشر، الفرد فى المجتمعات الديمقراطية، من تجاوز دائرة العمل السياسي، أو بالأحرى عكس مسارها، فيتخطى الناخب المؤسسات التى سبق وساهم فى تمكينها من إدارة الحياة السياسية، والسياسيين الذين انتخبهم سلفا، وتتغير إذن علاقة «الوكالة» القائمة بين الناخب ومؤسسات الديمقراطية ومسئوليها، فالناخب هنا صاحب اليد العليا فى اختيار السياسة المرجوة، وليس مجرد التوجه السياسى أو البرنامج الانتخابى لممثل، يراه الأمثل ليختار لاحقا بالنيابة عنه السياسات والقرارات. هى الديمقراطية «الخام» إذن التى أدت إلى إجراء 55 استفتاء فى دول أوروبا حول شئون اتحاده منذ عام 1972 وحوالى 40 آخرين منذ عام 2000 فى دول الاتحاد أيضا حول شئونه الخارجية فقط. لكن لماذا الطفرة حاليا؟ وكيف تحول «الاستفتاء» من الاستثناء النادر إلى الممارسة الأكثر شيوعا والأقرب لعمليات حسم القرار؟ ولماذا باتت ترد تحذيرات أصحاب الرأى من استشراء صيحة « الديمقراطية المباشرة»؟ تتفق المؤشرات على أن الصيحة ترجع لثلاثة أسباب رئيسية : أولها، استشعار الفرد للتهميش وغياب التواصل مع النخبة السياسية التى باتت لا تعكس حقا إرادته، ولكونها منظومة ديمقراطية فى الأساس، فإن الفرد المحبط يلجأ إلى الأدوات الشرعية المتاحة الأخرى، لاستعادة زمام اتخاذ القرار، ويتحول «الاستفتاء المباشر» إذن إلى حركة احتجاجية أولا ضد الحكومة وهيمنتها على النطاق السياسي، ووسيلة مساعدة، ثانيا، لإبراز الرأى الحق لصاحبه.

فقد رفض الناخبون فى كولومبيا بنسبة 50٫2%، اتفاقية السلام التى تنهى أكثر من 50 عاما من الاقتتال مع مليشيات فارك المسلحة، ليس رفضا للمصالحة ذاتها، فاستمرار الاقتتال يعنى زيادة حصيلة قتلاه التى تجاوزت 260 ألفا، ومشرديه التى بلغت 6 ملايين شخص. نتائج استفتاء كولومبيا والذى اعتبرته بعض التقديرات أكثر أهمية وتأثيرا من نظيره حول العضوية البريطانية فى الإتحاد الأوروبي، جاءت احتجاجا على الثمن الباهظ الذى سيدفعه أهل كولومبيا أنفسهم، فالاتفاقية تضمن عفوا عاما لكل من اعترف بجرائمه من عناصر فارك، فضلا عن نصب محاكم خاصة لمحاسبة من لم يعترف، وتسهيل منح حكومية للراغبين فى بدء أعمال خاصة بغرض الإدماج والمصالحة وخلافه.

وفوق هذا كله، تخصيص 10 مقاعد للحزب السياسى المنبثق عن فارك فى الدورات البرلمانية 2018 و2022، بدون الحاجة لتنافس أو فوزا شرعيا. ولا يحتج المحتجون على هذا فحسب، بل يخشون التزام فارك عاداته بالتراجع عن تعهداتها واتفاقياتها السابقة لإحلال السلام.

وثانى أسباب شيوع الصيحة، يكمن فى ذكاء التوظيف من جانب تيارات أو أحزاب بعينها، لاهتمام الرأى العام بالقضايا التى تشكل ركيزة شعبية هذه الأحزاب والتيارات، فى اختراق هيمنة النخبة وإحداث تغيير يضمن فرضها وفرض برنامجها السياسى على المدى القريب والبعيد. ويلاحظ أن هذه التيارات قد تكون مهمشة حتى عهد قريب وسعت للبروز مثل أغلب الأحزاب القومية واليمينية المتطرفة فى دول أوروبا، والتى استفادت من تنامى أزمات الهجرة غير المقننة ومعضلات التقشف ردا على التعثر الاقتصادي، ويفسر ذلك توالى طرح فكرة «الاستفتاء» حول العضوية ضمن الاتحاد الأوروبي، فى فرنسا واليونان وإيطاليا وغيرها من المجتمعات الأوروبية بالتوازى مع إجراء الاستفتاء البريطانى التاريخي.

والسبب الثالث، أنه بالإضافة إلى لما قد يكون من إلزام دستورى لاستطلاع الرأى العام يكون الاستفتاء مقصدا فى حد ذاته لتحصيل شرعية الحسم الشعبى للقضايا الجدلية، ولتجنب المسئولية عن عملية اتخاذ القرار من الأساس. فاستفتاء المجر حول نظام الحصص الملزم من اللاجئين، كان أخر أوراق حكومة اليمينى فيكتور أوربان، الذى وصل فى معارضته قانون الحصص، حد مخاصمة الاتحاد الأوروبى قضائيا وشن حملة قاسية ضد ما كان من الترحيب الألمانى باللاجئين.

أراد أوربان كسب سلاح الرفض الشرعى ضمن ترسانته فى معارضة مركزية القرار الأوروبى واتفاقية «واحد مقابل واحد» مع تركيا والتى تعقد وتطيل، وإن كانت لا تنهى مسألة توزيع الوافدين بطرق غير شرعية على دول أوروبا. ورغم أن الاستفتاء سجل نسبة مشاركة أدنى من المطلوبة دستوريا، فبلغت 43%، ما يعنى عدم صلاحية النتائج، إلا أن أوربان متمسك باعتبار معارضة 98% من المشاركين لنظام الحصص، ملزما قانونيا وسياسيا على حد تعبيره. يفتح ذلك بابا محتملا للتشكيك داخل المجر وفى أوروبا، فى شرعية ما يترتب على الاستفتاء من سياسات. ومن قبل أوربان، أرجعت الحكومة اليونانية حسم قبول اتفاقية الإنقاذ الاقتصادى الذى قدمته الترويكا الأوروبية عام 2015، إلى الاستفتاء الشعبى قبل أسبوع أو أقل من موعد حسم موقف أثينا، وجاء التصويت سلبيا لتجادل اليونان برأى الشعب فى إعلان رفضها الرسمى للاتفاقية، وإن كانت عادت بعدها للقبول باتفاقية أكثر تقشفا ولكن بدون استفتاء.

وللاستفتاء المباشر، نواقص واضحة تنال من خدماته لعملية الديمقراطية، تكمن أهمها فى بساطة عملية الاستفتاء ذاتها. ويقصد أن صياغة الاستفتاء تأتى فى هيئة سؤال مختصر تكون الإجابة عليه بـ«نعم» أو «لا»، بما لا يعكس تعقيد القضية التى تقف وراء الاستفتاء وتشعب تباعات الرفض أو القبول.

ففى النموذج الكولومبي، ورغم الاعتراض المنطقى من الذين صوتوا رفضا على بنوده، إلا أن التعديل المنشود للإتفاقية وتحقيق المحاسبة الواجبة لرجال فارك، لن يتحقق بالقدر المرغوب شعبيا ولو بعد حين، ما يترك عملية السلام ورغم تعهدات استمرار وقف إطلاق النار واستئناف التفاوض، معلقة.

وحال كولومبيا حاضرا من حال ايطاليا سابقا، فقد تعثر الناخبون عام 2015 فى استيعاب المعلومات بالغة التخصص التى انهمرت عليهم من كل صوب حول السياسات المالية والاقتصادية لإيطاليا والاتحاد الأوروبي، فكان التصويت حول اتفاقية الإنقاذ ارتباكا ورفضا. وتتأثر مواقف الناخبين ونتائج الاستفتاء بحالة الاستقطاب الشديدة التى تسبق التصويت. فتركيز حزب الاستقلال البريطانى قبل شهور قليلة ، مثلا، على صياغة استفتاء الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، باعتباره إنهاء لأزمة الهجرة الوافدة، قدم صورة مبتورة غير متكاملة لحجم التداعيات المتشعبة فى حالة الخروج الفعلي، مما أصاب قطاعا كبيرا من أنصار الخروج بالصدمة والإحساس بالخديعة وطرح الحديث عن إعادة الاستفتاء.

وكذلك انتهى استفتاء جرى فى جزر الباهاما قبل فترة حول مساواة حقوق المواطنة بين الجنسين، بعد أن تم إلباسه من جانب بعض التيارات عباءة خاطئة، فقد صوت الناخبون رفضا عقب رواج أن مسألة المواطنة والمساواة ستخالف الأسس المحافظة للمجتمع وتمهد لاقتران المثليين جنسيا.

وساهم اختصار قضية الاستفتاء فى زاوية واحدة دون أخرى، فى حسم اقتراع أسكتلندا عام 2014 لصالح البقاء ضمن المملكة المتحدة دون الاستقلال.

وأشار المطلعون إلى أن التصويت الذى جاءت نتائجه تخالف سخونة حملة الاستقلال، عكس فى الأساس رغبة أهل اسكتلندا البقاء ضمن عضوية الاتحاد الأوروبي، وتجنبا لبدء إجراءات عضوية جديدة ومطولة لاسكتلندا المستقلة. وعادت أسكتلندا حاليا لطرح إجراء استفتاء ثان ستكون نتائجه غالبا إيجابيا بعد الخروج البريطاني، وذلك لبيان صعوبة احتفاظها بعضوية الاتحاد الأوروبى مع البقاء كجزء من بريطانيا الخارجة على الاتحاد.

تبقى أزمة تحكم الأغلبية متباينة القدرات والمعارف فى عملية اتخاذ القرار، خاصة أنها فى هذه الحالة تتحكم منفردة، فتكون النتيجة فى الأغلب غير مدروسة، خاصة ان كان التصويت احتجاجيا على أداء تيار ما، أو مناصرة مطلقة لتيار آخر. لكن المؤكد أن صيحة استفتاءات الديمقراطية المباشرة مستمرة فى الرواج، وأحدث نسخها سيكون ايطاليا واستفتاء مقبل حول تعديلات دستورية، قد يؤدى رفضها شعبيا إلى الإطاحة بحكومة ماتيو رينزي، لتدخل أثينا، فى الأغلب، حالة فراغ سياسى واقتصادى مقلق.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق