رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«حرب الأفيون» الفلبينية تفرض نفسها على أوباما!

طارق الشيخ
هل يمكن أن يقوم رئيس دولة بسب وقذف والدة رئيس دولة أخرى وخاصة عندما تكون دولة عظمى أمام وسائل الإعلام العالمية ثم ينتهى الأمر بعد أيام بتبادلهما «كلمات مجاملة»¿ هذا ما حدث بين رودريجو دوتيرتى رئيس الفلبين ورئيس الولايات المتحدة باراك أوباما الأمر الذى طرح العديد من التساؤلات عن «شئ ما» يدور وراء الستار بين الطرفين.

وكان رئيس الفلبين المنتخب رودريجو دوتيرتى قد دعا شعبه فور توليه مقاليد السلطة فى شهر يونيو ٢٠١٦ إلى مساعدته فى مكافحة الجريمة، وحث المواطنين الذين يملكون أسلحة نارية على قتل تجار المخدرات، إذا قاوموا إلقاء القبض عليهم أو تسليمهم للسلطات.

وتولد عن تلك الدعوة الرئاسية إرتفاع فى حالات القتلى نتيجة إستخدام العنف خارج القانون ضد كافة المشكوك فى ممارستهم أنشطة تتعلق بالإتجار فى المخدرات، وهو ما قابلته الولايات المتحدة الدولة التى كانت تستعمر الفلبين ـ وبعض المنظمات الدولية بانتقاد الرئيس الفلبيني.وكانت تلك الإحتجاجات من القوة المستعمرة السابقة كافية لأن تحيى وتنعش ذكريات «حرب الأفيون» التى جرت فى الشرق الأقصى خلال القرن التاسع عشر.

و«حرب الأفيون» هى حربان، قامتا فى عام ١٨٤٠ وحتى ١٨٤٢ ثم من عام ١٨٥٦ وحتى عام ١٨٦٠، بين الصين وبريطانيا وبتأييد من أمريكا. وفى الثانية انضمت فرنسا إلى جانب بريطانيا بمباركة أمريكية. وكان السبب هو محاولة الصين الحد من زراعة الأفيون واستيراده، مما حدا ببريطانيا ان تقف فى وجهها بسبب الأرباح الكبيرة التى كانت تجنيها بريطانيا من تجارة الأفيون فى الصين. وكان من نتائجها أن أصبحت هونج كونج مستعمرة بريطانية وحصلت القوى الإستعمارية على مواطئ أقدام على الأراضى الصينية.وفاجأ رئيس الفلبين العالم عندما أهان أوباما علنا يوم ٥ سبتمبر٢٠١٦، فى إشارة نابية إلى والدة أوباما. وجاءت تصريحات الرئيس الفلبينى ردا على إبداء أوباما قلقه من مقتل أكثر من ألفى شخص خلال عمليات مكافحة الجريمة، وأعلن الرئيس الفلبيني أنه سوف يلعن الرئيس الأمريكي. وقال إنه يرفض تلقى الأوامر من الولايات المتحدة ولا يهمه كيف ينظرون إليه. ولكن تراجع رئيس الفلبين وقدم بعد ساعات قليلة اعتذارا إلى أوباما علي هذه التصريحات، مؤكدا أنها لم تكن هجوما شخصيا على الرئيس الأمريكي!, وعلى الرغم من إلغاء أوباما لأول اجتماع له بالرئيس الفلبينى فإنه سرعان ما أعلن فى مؤتمر صحفي، عقده فى عاصمة لاوس، فى ختام جولته الآسيوية : «لم آخذ تصريحات دوتيرتى بشكل شخصي، ويبدو أنه يستخدم هذه العبارة بحق العديد من الناس»! وأضاف إن الشراكة بين البلدين يجب أن تتسق مع حكم القانون، والأعراف الدولية.وكانت المفاجأة أن عقد الرئيس الأمريكي، أوباما، لقاء مقتضبا مع نظيره الفلبيني، بعد يومين فقط من توجيه الأخير ألفاظا نابية له! وجرى اللقاء قبيل بدء مأدبة عشاء خلال قمة آسيان فى لاوس. بدوره قال البيت الأبيض فى بيان مقتضب إن «أوباما التقى سريعا بالرئيس دوتيرتى قبل عشاء آسيان وذلك فى قاعة الانتظار المخصصة لرؤساء الدول»، وأن الرئيسين «تبادلا كلمات مجاملة»! ولكن بعد أيام قليلة بدا من الواضح أن هناك ما هو أكثر من «التلاسن» حينما أعلن رئيس الفلبين، أن على العسكريين الأمريكيين مغادرة مناطق جنوب البلاد، لأن تواجدهم يعرقل إجراء عمليات محاربة الإرهاب هناك. وكان قد تم نشر العسكريين الأمريكيين منذ عام ٢٠٠٢، فى إطار عملية أمريكية ضد جماعة «أبو سياف». وقال دوتيرتي: «على هذه القوات الخاصة أن تغادر..لا أريد القطيعة مع أمريكا لكن يجب أن يغادروا»! وأعلن الرئيس الفلبينى بعد ذلك بيومين، أن حكومة بلاده تدرس إمكانية شراء أنواع مختلفة من الأسلحة من روسيا والصين. وتعد تلك الخطوة بمثابة لطمة موجهة إلى واشنطن التى تعد المورد الرئيسى التقليدى للسلاح إلى الفلبين التى استقلت عنها فى عام ١٩٤٦. ومن قلب الولايات المتحدة وبعدها بأيام قليلة أعلن وزير خارجية الفلبين بيرفكتو ياساى أن بلاده لا يمكن أن تبقى بمثابة «الشقيق الأسمر الصغير لأمريكا»، وشدد على أن بلاده تطالب الولايات المتحدة بالاحترام المتبادل. ويمكن تفسير التوتر والغضبة السريعة ثم التراجع الأكثر سرعة من قبل أوباما إلى حقيقة العلاقات التاريخية والإستراتيجية الخاصة التى تربط بين الولايات المتحدة والفلبين منذ أكثر من قرن من الزمان. فمن المنظور التاريخى تنظر الولايات المتحدة إلى الفلبين بوصفها مجموعة جزر (أكثر من سبعة آلاف جزيرة) تصلح لإنشاء محطات بحرية فيها. وأن التواجد بها ضرورة لتدعيم النفوذ الأمريكى فى شرق آسيا، وخطوة مهمة للحصول على منطقة دفاع أمامية تجاه شرق آسيا، ونقطة إرتكاز فى منتصف الطريق إلى أسواق الشرق الغنية.

واليوم زادت الأهمية النسبية للفلبين فى الموازين الإستراتيجية الأمريكية فى ظل حالة التربص بين الولايات المتحدة وحليفاتها الآسيويات من جانب والصين وروسيا وحلفائهما من جانب آخر.

وقد زادت عدة عوامل من حدة التوتر فى المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتى تمثلت فيما يلى :

1ـ انتشار الإرهاب وخاصة فى بعض الجزر الفلبينية (جماعة أبوسياف) والتخوف من انتشاره فى باقى الجزر والدول المحيطة ووجود قوات أمريكية خاصة لمكافحة الإرهاب فى الفلبين.

2ـ نشاط العناصر الشيوعية المتمردة فى الفلبين.

3ـ زيادة فى التوتر السائد بين الصين وعدد من جاراتها بسبب النزاع على ملكية بعض الجزر واستمرار الخلافات حولها. فالصين أعلنت أحقيتها فى السيادة على معظم أنحاء بحر الصين الجنوبي، الذى تمر منه تجارة بحرية يقدر حجمها بخمسة تريليونات دولار سنويا، وهو ما يدخلها فى نزاع مباشر مع الفلبين بالإضافة إلى فيتنام وماليزيا وتايوان وبروناي، التى تطالب جميعا بالسيادة على أجزاء من البحر. ومنذ شهرين صدر قرار محكمة التحكيم الدولية الدائمة فى لاهاى لمصلحة الفلبين برفض أحقية الصين فى السيادة على المنطقة الغنية بالموارد، ورفضت الصين القرار بشكل قاطع.

4ـ تنامى الدور النووى لكوريا الشمالية فى الآونة الأخيرة وتهديدها للوجود العسكرى الأمريكى فى المنطقة وضغطها على دول حليفة للولايات المتحدة مثل كوريا الجنوبية واليابان.

5ـ ارتفاع مستوى تهديد الممرات والمسارات البحرية فى المنطقة من قبل جهات مناوئة للولايات المتحدة خاصة بعد تزايد نفوذ القوات البحرية الصينية فى السنوات الأخيرة. وبدا الأمر أكثر وضوحا فى الأسبوع الأول من شهر سبتمبر عقب تزايد عدد القوارب الصينية قرب احدى الجزر المتنازع عليها مع الفلبين فى بحر الصين الجنوبي.

وهكذا فرضت حرب الفلبين ضد المخدرات نفسها فى مواجهة أوباما الذى فضل ببراجماتيته أن يعطى الأولوية لخدمة المصالح الأمريكية الإستراتيجية فى المنطقة أولا قبل أن يتعامل مع الرئيس الفلبينى المتحمس فى وقت لاحق.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق