رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

اهلا يا انا
أحمد عكاشة عن حياة طبيب نفسى كبير ولامع «الحلقة الأولى»

منير عامر
تحمل ذاكرة عامي العاشر صورة رجل إرتدى روب حريمي ونظارة سوداء ويمسك بخيط قوي مربوط في آخره مقص ضخم ، ويمشي في شوارع الإسكندرية ليدير الخيط الذي في آخره مقص بسرعة تجعل من يراه يسرع مبتعدا عنه فهو يصرخ « حا نكوي .. ونطاهر .. نبين زين». هنا يقول بعض المارة « عنده لطف .. ربنا يلطف بيه « ومن العجيب ان اطفال شارع محرم بك لم يتركوا الرجل في حاله ؛ بل يسيرون خلفه محتفظين بمسافة ويهتفون « المجنون أهه .. المجنون اهه ..»وطبعا يجري الفاقد لصوابه وراءهم قليلا وكأنه يصر على منحهم فرصة للهرب من الإصابة بالمقص المربوط بالخيط السميك .

...........................................................................................

وآه من ظهور إمرأة بملاءة لف في شارع محرم بك ، حيث كان يسير المجنون المرتدي لروب حريمي ؛ هنا يصرخ « أنا غلبان .. هي اللي أخذتني هناك « . ثم يجري ليختفي في منزل مطل على الشارع ويظهر بعد دقائق في بلكونة الدور الثاني ويبدأ في تدوير المقص المربوط بالخيط القوي .

وتدور الأعوام لتبقى صورة الرجل في رأسي وأنا الذي قضيت قرابة الستين عاما في محاولات لا تهدأ ولها إيقاع موسيقي مخترقا دهاليز الطب النفسي؛ وبطبيعة الحال كان لإسم أحمد عكاشة وقت طويل في إضاءة «الدخانيق» والخبايا ، فقد كان سؤالي الأول له « لماذا ينتحر طائر الحب برصاصات التخلف؟».

وطبعا كنت من أكثر أبناء جيلي سيرا في طرق تبدو متباعدة من الظاهر فقط ؛ لكنها في الحقيقة تترابط لأراها طريقا واحدا لم يصل مجتمع بشري لنهايته في النصف الأول من القرن العشرين ؛ حيث يوفر المجتمع لكل قصص الحب بيوتا صغيرة تسع أحلام الأسر الشابة.

وما إن فتح لي الممرض مختار باب عيادة د. أحمد المطلة على شارع الشواربي حتى فتحت أمام خيالي كرة أرضية تدور على عكس إتجاه دوران المقص الذي كان في يد الرجل الذي به « لطف « وكان يسكن في شارع محرم بك السكندري ، فالكرة الأرضية بعيون أحمد عكاشة كانت تدور لتعيد ترتيب نفسها فلتخرج منها خيوطا من نور ونار، وتختلط الخيوط لتصنع أمام كل سكان الأرض حقائق ، بعضها جميل وبعضها مثير للشفقة، وكثير منها يستحق الاحترام.

وكانت خطواتي مع أحمد عكاشة مصحوبة بضوء خلاب لعالم نفسي جليل هو الأستاذ الدكتور سعد جلال الذي قرأت كتبه بداية من « الصحة العقلية « وصولا إلى المرجع في علم النفس ، وهو صديق كان يقدس تمرد أي شاب ، فهو من رأى واقتنع أن تمرد الشباب هو بداية تطوير المجتمع ؛ فنشأت بيننا صداقة يتبعها تواصل مستمر بين عالم جليل ثم دارس شاب للفلسفة وعلم النفس والإجتماع ؛ . وكانت حواراتي مع سعد جلال تلمع في اعماقي لتتحول إلى أضواء كاشفة لأفاق وقائع حياة احمد عكاشة منذ أن كان طالبا فى مدرسة العباسية الابتدائية، ثم جلوسه إلى الفونجراف ذي البوق الضخم، لتدور اسطوانات فاجنر، تلك الأسطوانات التي أهداها د.ثروت عكاشة إلى شقيقه الأصغر أحمد، نفس الفونوجراف الذى سمع منه جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر الرباعية العاطفية لبيتهوفن.



رحلة التفوق الهادئ

ولسنوات إستمرت خطواتي في متابعة رحلة التفوق الهادئ الواثق التي حققها د. أحمد عكاشة في الدارسة ـ دون أن يفقد حق الترفيه ـ فحكى كيف وصل إلى كلية الطب بجامعة إبراهيم باشا ؛ النجل الأكبر لمحمد علي مؤسس مصر الحديثة ، هذا الذي أحبه المصريون ووثقوا فيه ، وكيف عاش سنوات الشباب في تلك الكلية التي قادته إلى التساؤل عن أعماق البشر ، ليعلن المفاجأة عند التخرج « أريد أن أدرس الطب النفسي «

وكانت الجامعة قد غيرت اسمها من جامعة إبراهيم باشا إلى جامعة عين شمس ، فقد حدث ذات نهار ما أن أشرقت شمس جديدة على مصر المحروسة ، شمس 23 يوليو ، تلك الثورة التي فوجئ بها أحمد عكاشة ، وفوجئت بها أسرته ؛ حين علم الجميع أن تلك الثورة كانت من صناعة عدد من الشباب من ضمنهم الابن الأكبر للأسرة الضابط ثروت عكاشة ، ثم تفاجئ الأسرة بالابن الأكبر وهو يعاني من النفي ، و الرحيل إلى سويسرا ، ثم تتلقى الأسرة المفاجئة الثانية ، وهي نفي زوج شقيقة أحمد الكبرى وهو الكاتب الصحفي الكبير أحمد أبو الفتح ، لتعيش العائلة أياما من قلق ، وفي بؤرة اهتمام أجهزة الأمن ، لتراقب تلك الأجهزة ، هل هناك من يدبر شيئا لتلك الثورة ؟ هل هناك من يمكنه أن يتآمر على جمال عبد الناصر الذي صعد إلى قمة السلطة ؟

حدث كل ذلك و مصر الشابة والعجوز، توجز نفسها في عشق رجل اسمه جمال عبد الناصر، لكن عشقه لها لم يمكنه من كامل الثقة في كل أبنائها، لذلك تسربت إليه الهزيمة في يونية 1967 .

وما بين عام 1959 لحظة أن هبط أحمد عكاشة من الطائرة إلى لندن ، وإلى عودته من هناك في عام 1964، كانت إنجلترا تقول لعقل عكاشة: هيا أبق معنا، كن إنجليزيا ، الأبواب مفتوحة لك. فقد عرفوا ببساطة انه رجل يعمل من السادسة صباحا وحتى العاشرة مساء، بحب شديد لما يتعلمه،وهو قادر علي أن يستخلص الجديد من القديم ؛وأن ينقد الجديد بحساسية ؛ولا يجرب الجديد في الإنسان ؛بل يستكشف آفاق الشجاعة الداخلية في المريض؛ ليواجه المريض النفسي رحلة بناء الشفاء.

و بعد أن شرب كيفية التعلم من إنجلترا، أخذ من استقر عليها قلبه من نساء الإنجليز؛ فدعاها إلى زيارة القاهرة ، ليتزوجا ، وهي من أحبت أن تعيش معه هنا في مصر المحروسة .

وبدأ أحمد عكاشة في رحلة جديدة ، وهي تغيير نظرة المجتمع إلى من يعانى من صعوبة التواجد و التوافق مع أنظمة المجتمع، ، وكان يقال عنه «المجنون».فأزاح عن هذا المريض لعبة هضم إنسانيته بدعوى انه «مجنون»؛ وقدم له الاعتراف بأنه يحتاج إلي علاج طويل؛داخل المستشفي، ورفع ـ أيضاـ عن كرامة هذا المريض ، حذاء الدهس بالاحتقار والازدراء والشفقة، وإهدائه القدر الملائم من الدواء والكثير من التعاطف، فاسترد بعض من الذين أطلقنا عليهم المجانين وضعهم اللائق بهم في المجتمع. وصار من المألوف بعد قرابة نصف قرن من العمل كل يوم حوالي 14 ساعة؛ أن نقول عمن يلاقى متاعب من نفسه ومن أعماقه» انه مريض نفسي».

ولن نستطيع أن نوجز رحلة د. عكاشة في كلمات ،لأن الكلمات سوف تخون إرهاق الوجوه المتعبة التي تنتظر في العيادة، ثم تخرج بالأمل.

وسوف تخون الكلمات ما دار بين عواصم و بلدان العالم من حوارات عن الاكتئاب الذي يعصف بالكثيرين، وعن الإسكيزوفرنيا التي تنفجر بقنابل الضلال في المخ، وعن هلاوس « البارانويا « الممزوجة بالفصام حين يتوهم المصاب بها أنه يجلس مع الماهاتما غاندي بطل استقلال الهند علي الرصيف ومعهما على نفس الرصيف واحد يقف هتلر ؛ ليلاكم أرنستو تشي جيفارا ثائر أمريكا اللاتينية ؛ لكن جيفارا يترك هتلر ؛ويحتضن مارلين مونرو التي تصرخ من فرط النشوة؛ لأنها وجدت أخيرا الرجل الذي يستحقها؛فيغضب هتلر؛ ويشرب الخمر مع كيندي رئيس أمريكا الأسبق؛ويلعب الاثنان معا البلياردو على مائدة مفروشة بجثث الأطفال، والكرات التي على تلك المائدة من جماجم البشر.

و لن نستطيع ـ أيضا ـ أن نوجز الرحلة إلى متاحف العالم وقاعات الأوبرا في فيينا وباريس واستكهولم، ولن نستطيع أن نحاصر انفعالات الطبيب وهو يقرأ شكسبير؛ أو نجيب محفوظ؛ أو وهو يدير حوارا مع صلاح نصر رئيس المخابرات المصري الذي أتقن العمل؛ وخان نفسه باللذة.

«ولأن كل إنسان له سماء خاصة ، ويمشي على أرض لا يسير عليها أحد غيره . لذلك فالسيارة التي حملت د.أحمد عكاشة إلي المطار وسافرت به إلى لندن الشهر الماضي؛ ليست كالسيارة التي حملته إلى المطار ليركب الطائرة إلى لندن لأول مرة عام 1959 . والشارع ليس هو الشارع . والوجوه ليست نفس الوجوه . والقاهرة ليست هي القاهرة . والعمر ليس هو نفس العمر ؛ فقد سار الزمن في دوراته المحسوسة وغير المرئية؛ ليضيف الجديد لجغرافيا المدينة ، وليصقل البراءة بالتجربة ، وليؤكد الأسس التي اختارها أحمد عكاشة لنفسه كإطار للحياة ، وليغير من طريقة النظر إلى التفاصيل الصغيرة التي تضيف الجديد من الخبرة ؛ وليصنع من فوضى الأفكار والتصورات عند المرضى انتظاما في التوافق مع الحياة .

وحين تمر السيارة بجانب جامع أحمد ماهر تأتي إلي الخاطر صورة هذا الرجل الذي كان يزورهم في المنزل ؛لأنه ابن خالة الأم ؛ وقد رأس الرجل مجلس وزراء مصر قبل عدة مرات قبل أن يغتاله الأخوان المسلمون ؛ وكان الرجل يمتلئ بأفكار سعد زغلول ؛ ويحاول أن يبني جسرا ذا اتجاهات ثلاث ليوفق بين ثلاثة جهات لا يفهم أحدهم الآخر ؛ الأطراف الثلاثة هي الحكومة الإنجليزية و الشارع المصري و القصر الملكي، كان يحاول أن يقنع إنجلترا أن من مصلحتها أن تخرج بجنودها من مصر ؛لأن الصداقة مع مصر أفضل من احتلالها ، لكن وهج القوة الإنجليزية سدّ أذن بريطانيا عن سماع رأيه ؛ ولم يتوان حزب الوفد عن إدانته وتشويه أفكاره عند الشارع المصري ، هذا الطرف الأصيل الممتلئ بالغضب من كل حوار مع الإنجليز. وكان الرجل يحاول أن يقنع القصر الملكي بأن السلوك المحتشم والمتعاطف مع المصريين أفضل من استنزافهم ، ولكن الملك فاروق كان يريد بالاستهتار أن ينسى أن والدته قد دخلت في علاقة عشق مع رئيس الديوان الملكي أحمد حسنين باشا، لذلك امتلأ سلوك فاروق بالنزق والتعالي والغرق في دوامات تأكيد الإحساس بالرجولة .وأحاط نفسه بمن يزينون له الحياة اللذيذة .وقام الملك بسدّ أذنيه عن الاستماع لأحمد ماهر ، وأما الطرف الثالث فكان هو الناس البسطاء الذين لا يصدقون إلا ما يقوله الوفد ؛ فعاش الرجل في أزمة الإحساس بالوحدة ؛ إلي أن وقع ضحية للاغتيال السياسي الذي أدمنته جماعة الأخوان . واستفاد أخوه علي ماهر باشا من تلك التجربة ، وصار رجل المواقف الصعبة ؛ فهو من أشرف علي تربية الملك فاروق ؛ وابتلع هزيمة عدم قبول الملك لآرائه ، وابتلع هزيمة عدم قبول الإنجليز لآرائه المتطابقة مع أراء أخيه ؛ وظلّ علي الحياد بين كل الأطراف ؛ليغوص بعيدا عن الضجيج السياسي ، وكان يواصل زياراته لبيت اللواء محمود باشا عكاشة؛ ليشرب القهوة مع ابنة الخالة والدة أحمد عكاشة . هاهو قبر أحمد ماهر علي الجانب الأيمن من شارع الملكة نازلي والدة فاروق . هل كان أحمد ماهر يلعب دور «الوسيط « الذي يتهمه كل طرف يتعامل معه بالتآمر مع الطرف الأخر؟



من عزبة القرود إلى عرب المحمدى

ويطل أحمد ماهر من مثواه الأخير علي منتصف المسافة بين عزبة القرود التي صارت الآن حديقة « عرب المحمدي رمز الفقر والوقوف على هامش الحياة بما شاهده فيها أحمد عكاشة وزملاؤه أثناء الدراسة بالكلية ؛ حيث كان من السهل أن يأتي إلى الاستقبال بمستشفي الدمرداش رجل مبقور البطن لخلاف بينه وبين رجل آخر على ما سرقه الاثنان من زائر ريفي جاء للقاهرة ، ولعل الذاكرة تحمل صورة امرأة من عزبة القرود جاءت للإسعاف العاجل ، لأن جارتها استأجرت خمس نساء ممن لاعمل لهن وتزدحم بهن عزبة القرود ووضعن مسحوق الشطة في موضع حساس من جسد المرأة ، لأن الجارة قد شكت في أن تلك المرأة تريد أن تغوي زوجها ‎. ومن الغريب أن المرأة التي عانت من هذا الحادث المؤلم جاءت بعد شهور لتضع مولودها الأول من زوجها الذي كان زوجا لجارتها ، ويضحك د. أحمد دائما من غيرة المرأة وانتقامها للاهتزاز مكانتها حين يتسرب إلى مشاعرها أن زوجها اتجه قلبه إلى امرأة أخري ؛ ويحاول د. أحمد في مثل هذه المواقف أن يعالج المرأة المهجورة من خلل إدراكها لحقيقتها كي لا تكرر خطأها ؛ حتى لا تقع في دوامة احتقار الذات ؛ نفس الدوامة مونيكا لوينسكي عشيقة كلينتون التي هزمتها الغريمة التي تخوض حاليا رحلة السعي إلى عرش البيت الأبيض.

وتمرق السيارة بجانب حي العباسية ؛ حيث عاش أحمد عكاشة سنوات الطفولة كابن لضابط كبير تقوده خطوات الحياة الأولى إلى مدرسة العباسية الابتدائية ؛ والأب هو اللواء محمود باشا عكاشة حيث تختلف معاملة اللواء محمود للابن الأصغر أحمد عن معاملة الإبن الأكبر ثروت ؛ فالإبن الأكبر يعاني من أن الأب يرسم له صورة مسبقة ؛ ولكن ثروت رسم مع أصدقائه جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وغيرهم صورة مسبقة لمصر وحاولوا تحقيق هذه الصورة بثورة 23 يوليو 1952 ؛ أما الابن الأصغر أحمد فقد كان له حق التدليل ،ولا قالب مسبق يحاول أن يضعه فيه الأب ؛ والخيال أمامه يمتد وهو يسمع أصدقاء أخيه جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وحسين الشافعي وهم يتكلمون عن أحوال مصر ، ويسمعون مع ثروت الموسيقى الكلاسيك وخصوصا أوبرا تانهاوزر لفاجنر ؛ حيث تحكي الأوبرا عن مستقبل الإنسان ؛ هذا المستقبل المكنون في أعماق الفرد ؛ حيث يسعي الإنسان إلى التخلص من سوء الاختيار ؛ لكن الإنسان يكرر الخطأ ويكرر التوبة ؛ليولد من جديد .

حي العباسية حي الترقب للخطوط الفاصلة ، القلق من مظاهرات الطلبة الذين يكسرون أبواب المدارس وكأنهم يحطمون إنجلترا التي تحتل مصر . الاستماع لبعض من أقارب أمه الباشوات خصوصا علي ماهر باشا الذي أشرف على تربية الملك فاروق وهو صغير ، لكن ماذا يفعل علي ماهر مع شاب صغير يتفتح للمتعة ثم يكتشف أن الملكة الأم لها عشيق هو أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي ، ثم استقبال أصدقاء الأخ ثروت المكتوب على جبينهم أنهم يفكرون في إحداث زلزال يهز أركان كل شيء . وعلى الجانب الآخر من العباسية تم بناء الكنيسة الكاتدرائية ليتذكر أحمد أول ارتجاج عاطفي لفتاة نصف يونانية ؛نصف مصرية واحتار كيف يقول لها أنها تظهر له في سماء خياله أثناء استماعه للرباعية العاطفية لبيتهوفن . قفز القلب كعصفور أخضر لشجرة حنان أخري في أحد نوادي مصر الجديدة ؛ حيث كانت تقام حفلات للشباب والبنات لاختيار ملكة جمال القطن أو القمح . وكانت فتاة القلب الجديدة هي ملكة جمال القطن ؛ والدتها صديقة لوالدته ؛ورفضت بعد فوزها بلقب ملكة الجمال أن ترقص مع أي شاب إلا أحمد ؛فطار بأجنحتها وطارت بأجنحته ؛ ودار نصف الكلام على لسانه ليتكامل مع نصف الكلام على لسانه ؛وكلاهما يقرأ ويسمع الموسيقى . ولم يفكر أحدهما في الزواج من الأخر ، لأنها مسيحية وهو مسلم ، ولا أحد فيهما رغب بتكوين أسرة يختلف فيها دين الخال عن دين العم ، ومن الغريب أن قلب د. أحمد حين استقر على فكرة الزواج ؛ تزوج من أجمل بنات جامعته التي درس فيها في لندن السيدة جينفر أستاذة علوم العلاج التأهيلى والعناية بالإنسان في أدق لحظات الضعف ، وهم يدرسون للأطباء هناك كيف تكون العناية عبر أساتذة لهم نفس الدرجات العلمية التي للأطباء الأساتذة. كانت حبيبة القلب القبطية المصرية توقظ المشاعر التي لها طعم نسمة الصيف ، وكانت تخفي ألما عميقا ، لأن والدها القبطي المصري أمسك بالمسدس ليغتال سياسيا قبطيا تعاون مع الإنجليز ، ودخل السجن كبطل سياسي ، وترك الحزن يتفاعل مع الفخر في قلب ابنته ؛ لأنه بطل خلف القضبان . وقبل أن تصعد السيارة إلى الكوبري الذي يوصل إلى طريق صلاح سالم ترتفع مئذنة مسجد النور الذي كان بداية لحركات التطرف ؛ تلك الحركة التي استيقظت بفعل نكسة يونية1967 وترعرعت بفعل الرئيس السادات حتى يطمس من التاريخ كل ماله علاقة بجمال عبد الناصر ؛ فقتلت رصاصات التطرف السادات نفسه ، ولعل الزمن يكشف كيف تم استخدام حركات التطرف كقفاز في أيدي الغرب لإرباك المنطقة العربية التائهة عن إقامة جسر بين العروبة والإسلام ؛فكل من العروبة والإسلام يواجهان خطر وضعهما كرموز للتخلف ، فبعد انكسار 1967 تم وضع العروبة في بوتقة احتقار الذات . وبعد انتصار أكتوبر لم يحفظ العرب قيمة البترول أو قيمة الحد الأدنى من الاتفاق معا . وتقوقعت المصالح الذاتية لتأكل الأحلام الكبيرة أو تؤجلها إلي زمن قادم.



نافورة الأسئلة فى قلب الطالب

ثم تأتي السيارة بجانب مستشفي الصحة العقلية تلك المستشفى التي زارها د.أحمد أول مرة في عام 1957 أيام الدراسة في طب عين شمس ، وكان الطلبة يضحكون ويتغامزون ، ولم يلتفت أحد إلى نافورة الأسئلة التي انبثقت في قلب الطالب أحمد محمود فهمي عكاشة ؛ أسئلة تبدأ من : لماذا تحدث تلك الأعراض للبشر ؟ وما الذي يجعل أهل إنسان أن يكتفوه ويضعوه في سيارة مغلقة ليودعوه في تلك المستشفي التي كانت قديما تُعتبر علي حافة الصحراء ؛ ثم يتركونه بين وجوه العاملين التي كانت تقترب من وجوه الزبانية ، لأن العلم أيامها كان يعتبر القوة الجسدية هي المعيار الأول لإرضاخ المريض عصبيا ، فالمطلوب هو قهره ، والهدف الخفي ألا يهيج ؛بل عليه أن يتحول إلى كيس من اللحم الذي يأكل ويتنفس ويثير السخرية . ولم يلتفت أحد إلى لحظة الإلهام الخاصة جدا والتي تمر على الإنسان فتجعل أيامه من بعدها هي رحلة بحث عن إجابات للأسئلة التي تدهمه وقد امتلأ قلب أحمد عكاشة منذ الزيارة الأولى لتلك المستشفى بسؤال أساسي عن كيفية انفصال وعى الإنسان عن الواقع ليصبح هذا الوعي مجرد قطع زجاج متناثرة . ثم ما الفارق بين دافنشي الذي تخيل المدفع والطائرة والغواصة ورسم الموناليزا ؛ وبين المضطرب عصبيا الذي يدعي أنه المسيح المنتظر ؟ و أين هي الحدود الفاصلة بين غضب رجل من زوجته ، فثار وأطبق أصابعه حول رقبتها ليزهق روحها لأنه عجز عن الإرتواء العاطفي والجسدي معها بفعل الظروف الاجتماعية التي تضعه على هامش الحياة فيقف على هامش الجنون . كانت الزيارة الأولي لمستشفي العباسية هي النبوءة الذاتية التي قالت لأحمد عكاشة: أنت تدرس الطب ،وهو مجموعة العلوم التي تحاول أن تقوم بتفكيك الإنسان إلي أجزاء ليعرف الطبيب أسرار تنوع الآهات التي تصدر بسبب الألم في أي عضو من أعضاء الجسم . فما الذي يسبب ألم الروح ليصل الإنسان إلى هذا الانفصال عن الواقع ؟

واستمرت رحلات الإجابة علي تلك الأسئلة التي تبدو بسيطة أكثر من خمسين عاما درس فيها أحمد عكاشة في القاهرة ولندن وأدنبرة وكل عواصم الدنيا إلى أن ينتخبوه رئيسا لأطباء نفس العالم، رئيس الجمعية العالمية للطب النفسى . وتلك الرحلة التي استطاع فيها د. أحمد عكاشة أن يقنع الإنسان العادي ألا يخجل من أي اختلال يصيب السلوك أو المزاج النفسي، ود. أحمد هو واحد من أوائل من أقنعوا المجتمع المصري والعربي أن هناك مراحل من العمر يمر فيها الإنسان باضطراب نفسي ويمكن علاجه وأن المريض النفسي ليس شريرا يجب استبعاده من الحياة .

ومستشفي العباسية تطل على شارع صلاح سالم ؛ وصلاح سالم هو عضو مجلس قيادة ثورة يوليو وهو من قد لا يتذكره أحد هذه الأيام وهو من انتشرت الإشاعات أنه أحب الأميرة فايزة شقيقة الملك فاروق ، وأنها لم تبادله الحب إلا بالخداع لتضمن تهريب مجوهراته خارج مصر ، وأنها عرفت أنه ليس نابليون 23يوليو ، لذلك عاشت معه المغامرة الطارئة ثم فرت إلى الخارج . وحين زاره أحمد عكاشة في مرضه الأخير تضاحك معه بتلك الحكاية ؛ فقال الرجل : وهل كان عند من يعمل في الأيام الأولى للثورة وقت للأميرات؟ كان الرجل يشكو من الكلى وكان ألمه فوق الخيال ؛ و لا أحد يذكره الآن ، لكنه موجود كإسم لشارع ؛ وموجود في ذاكرة أحمد عكاشة ؛ فقد وقف أمامه ذات صباح من ايام أكتوبر1956 ليطلب منه أن يقبله متطوعا في صفوف الفدائيين المتسللين إلى بور سعيد التي احتلتها إنجلترا وفرنسا ؛ وكان صلاح سالم هو واحد من المنظمين للعمل الفدائي هناك ؛ رغم أن البعض في رحلة الصراع على السلطة حاول إزاحة الرجل من ذاكرة الوطن .



التصالح مع النفس جوهر الشفاء

كان على احمد عكاشة أن يرتب أفكاره التي ستكون أساس محاضرته في واشنطن عن كيفية علاج النفس عند قدماء المصريين؛ هذا العلاج الذي اقتحم عمق فهم أسرار الألم النفسي ،وقدم التصالح مع النفس كجوهر أساسي للشفاء . ضحك د. أحمد وهو يقول : قمت عبر نافذة السيارة بتفكيك الشوارع و المواقع التي مررت عليها بتذكاراتي لأعيد إلي خيالي ما مرّ عليّ من أحداث . لكن لا الشوارع هي الشوارع نفسها و لا المطار هو المطار نفسه الذي سافرت منه عام 1959 كطالب بعثة ومن المؤكد أن إنجلترا 1998-ليست هي إنجلترا الأن فكل شيء يتغير المكان والزمان والإنسان. ولنتابع رحلة في اللقاءات القادمة محاولة لإحاطة بتلك الحياة الشاسعة العطاء ، إلا أننا ـ د. أحمد عكاشة وأنا ـ سنذبح أمامكم ؛وعبر الكلمات؛ ذلك الوحش الذي نخاف منه جميعا؛ واسمه الموت، لأننا سنستخلص من خبرة الحياة ما يعطيها الاستمرار والبهجة ، رغم ما في كرتنا الأرضية أشواك من نار وأزهار من نور.

(تفاصيل مثيرة فى الحلقة القادمة)

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق